العراق

أين وصلت مسوّدة قانون مناهضة العنف الأسري في العراق؟  

02 مارس 2021

خاص- بغداد:

’’فضح القاتل والمُعنف، ومن يهدد بارتكاب جريمة القتل هي الوسيلة الوحيد لإنقاذ ضحايا العنف الأسري، التي تسجل حوادثها عادة على أنها سقوط من مرتفع أو شدة خارجية".

هكذا تعلق الناشطة في مجال حقوق الإنسان شدن الجبوري، مشيرة إلى وجود آلاف الضحايا الذين يخشون تقديم الشكاوى.

ووفقاً لما تنشره الشرطة المجتمعية التابعة لوزارة الداخلية من بيانات وأحداث خاصة بالعنف الأسري، فإن العراق يشهد تصاعداً بحالات القتل والعنف الأسري، خصوصاً خلال الأشهر القليلة الماضية. 

وعلى صفحتها الرسمية، في فيسبوك، تنشر الشرطة المجتمعية في العراق، قصصاً عدة، لحوادث عنف أسري، المعتدي فيها قد يكون الأب أو الأم أو زوجة الأب أو الابن (الأخ)، فيما أغلب الضحايا، نساء وأطفال يسعفهم الحظ في الاتصال بالرقم الساخن (497)، قبل أن تتطور الأمور إلى ما لا يحمد عقباه. 

 

"التستر جريمة" 

أثناء بحث "ارفع صوتك" عن معلومات أكثر حول ظاهرة العنف الأسري في العراق، انضم كاتب هذا التقرير إلى غرفة حوار خاصة بهذه القضية، على تطبيق "كلوب هاوس"، يديرها ويستمع فيها قلة من المدافعين عن حقوق الإنسان أو ضحايا العنف.

من بينهم، شدن الجبوري، تقول لـ"ارفع صوتك": "واحدة من أفظع القصص التي مرت عليها هو قيام زوج بتهشيم وجه زوجته  بسبب خلاف عائلي، ما  استدعى نقلها إلى مستشفى الجملة العصبية في بغداد، وما زالت ترقد هناك منذ أيام".

وتضيف "كنت على تواصل مع الضحية، وكنت أنصحها بترك زوجها قبل أن يحدث ما يحدث".

"كانت تقول لي إن لا ملجأ لها سوى بيتها وطفليها، لذا ستتحمل عنف زوجها إلى الأبد"، تتابع شدن وقد بدا على صوتها الحزن والأسف.

وفي قصة أخرى ترويها شدن، تعرضت فتاة للتهديد بالقتل من قبل شقيقها، لكنها ترفض البوح بما يفعل بها.

وتؤكد "نطلب منها باستمرار بالاتصال بالرقم الخاص بالشرطة المجتمعية، وفضح من يهددها حتى إن كان شقيقها، فهو قد يقتلها في أية لحظة، والتستر على مجرم مثل هذا جريمة أخرى". 

ومنذ ثماني سنوات يسعى البرلمان العراقي إلى تشريع قانون يحد من العنف الأسري، كما أن مشروع قانون مناهضة العنف الأسري الموجود حالياً على رفوف رئاسة البرلمان يتعرض إلى هجوم مستمر من قبل فئات مجتمعية عدة. 

وقبل أيام، شهدت محافظة ميسان جنوبي العراق، وقوع جريمتين، ضحاياها ثلاثة أطفال، ورجل.

وفي التفاصيل، قالت قيادة الشرطة في المحافظة إن "رب أسرة تم اعتقاله، بعد هروبه من منزله ومطاردته لأكثر من 60 دقيقة". 

وأوضحت في بيان رسمي "ومن خلال التحقيق معه عن أسباب الجريمة اعترف بوجود خلافات عائلية مع زوجته وقيامه بتعاطي المخدرات، ليقدم على خنق أولاده الثلاثة القاصرين شنقاً حتى الموت ".

وفي يوم حدوث جريمة قتل الأطفال خنقاً، أعلنت مديرية الشرطة "القبض على شخص قام بإشعال النيران في جسد والده وهو نائم في منزله". 

وأوضحت المديرية، أن "الابن قام برش مادة حارقة على ملابس أبيه وإشعل النيران فيه، حيث تدخل الأهالي لإنقاذ الأب وتمكنوا من إطفاء النيران ونقله إلى المستشفى في حالة حرجة". 

وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى، فائق زيدان، وجّه قبل نحو عام، المحاكم، بتسهيل إجراءات تسجيل شكاوى العنف الأسري ومعاقبة مرتكبيها. 

وأكد رئيس مجلس القضاء، في بيان، أن "القانون ينص على معاقبة مرتكب جريمة العنف ‏الأسري أياً كانت صفته في الأسرة، إذ لا يوجد مسوغ قانوني أو شرعي يبرر ارتكاب ‏هذه الجريمة مثلها مثل بقية الجرائم التي يعاقب عليها القانون". 

كما وجّه زيدان المحاكم المختصة، بتسهيل إجراءات تسجيل شكاوى العنف ‏الأسري واتخاذ الإجراءات القانونية السريعة والرادعة بحق المعتدين، وتسهيل إجراءات حصول المرأة على حقوقها في موضوع النفقة وحضانة ‏الأولاد.

 

"قنابل موقوتة"

بدوره، يقول عضو المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، إن الإحصائيات المتاحة تشير لتزايد ظاهرة العنف الأسري في العراق إلى نحو 50% خلال أيام الحظر الصحي الذي فرضته اللجنة العليا للصحة والسلامة، لتحاشي تفشٍ أكبر لفيروس كورونا وسلالته الجديدة. 

ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "مئات الحالات لضحايا العنف الأسري لا يتم توثيقها بمحاضر رسمية".

ويوضح البياتي: "ما ينشر من جرائم بشعة وقتل وتعذيب بين أفراد الأسرة الواحدة، عادة ما يكون مرتكبها أب أو شقيق أو أم بحق النساء أو الأطفال والشباب، هو فقط ما تسجله الجهات الرسمية، وتكشف ملابساته من خلال بيانات وتحقيقات تجريها، لكن هناك عشرات حالات القتل الأسري التي يكتب على لافتة نعي الضحية أنه توفي نتيجة (حادث مؤسف)". 

"وأدت مشاكل الحريات الشخصية، والازمات الاقتصادية، وغياب دور الإيواء الخاصة بالمعنفين والمعنفات، اإلى زيادة كبيرة في أعداد ضحايا العنف الأسري خصوصاً في ظل جائحة كورونا، وما رافقها من إجراءات"، يتابع البياتي. 

 ويدعو عبر موقع "ارفع صوتك"، إلى "ضرورة إصدار قانون وإنشاء مؤسسات خاصة بمن يتعرض لعنف أسري"، محذراً من أن "عدم تحرك الدولة بهذا الاتجاه ينذر بوجود قنابل موقوتة في داخل المجتمع". 

من جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية سعاد حسن لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن إحصاء عدد ضحايا العنف والقتل الأسري في العراق وخصوصاً جرائم ما تسمى بـ(غسل الشرف أو غسل العار)، فهناك صمت مجتمعي إزاء من يرتكب هذه الأفعال".

"وعلى الدولة أن تقف وقفة جادة ضد من ينتهك القوانين بحجة العُرف أو التقاليد المجتمعية، فالعنف الأسري جريمة ومرتكبها مجرم يجب أن يرمى خلف القضبان". 

 

أين وصل قانون العنف الأسري؟ 

حسب خبراء في الشأن القانوني، فإن الدولة العراقية التي تأسست قبل أكثر من قرن، لا تمتلك إلى الآن، تشريعاً قانونيا خاصاً بـ"العنف الأسري".

وجاء في المادة (41) من قانون العقوبات العراقي "لا جريمة إذا وقع الفعل (الضرب) استعمالاً لحق مقرر بمقتضى القانون ويعتبر استعمالاً للحق، تأديب الزوج لزوجته وتأديب الآباء والمعلمين ومن في حكمهم الأولاد القصر في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً". 

ومؤخراً، أصدر القضاء العراقي حكما بالإعدام مرتين بحق أم قامت بإلقاء طفليها في نهر دجلة ليلقيا حتفهما غرقا، لينقل مقربون من عائلتها أن الأم قامت بهذا "انتقاماً من زوجها". 

وقال عضوة اللجنة القانونية النيابية، ريزان شيخ دلير، أن مشروع قانون مناهضة العنف الأسري قدم إلى هيأة رئاسة البرلمان منذ أشهر. 

وأضافت دلير إن "هناك عشرات القصص تردنا يوميا عن حالات العنف الأسري غالبيتها تكون تجاه النساء، بالتالي نحن اليوم بأمس الحاجة لتشريع قانون مناهضة العنف الأسري، للحد من هذه الظاهرة". 

وتابعت أن "المرأة تتعرض للتعنيف من قبل زوجها أو شقيقها أو والدها، بالتالي تشريع هذا القانون يوفر لها الحماية من التعنيف".

"وعي المرأة العراقية كبير ونحن نعول عليه في مواجهة العنف الذي يتعرضن له عبر القانون" قالت دلير.

وبينت أن "مشروع القانون قدم إلى هيأة رئاسة مجلس النواب، منذ قرابة ثلاثة أشهر وحتى الآن لم يرسل إلى اللجنة القانونية لدراسته وعرضه على القراءة والتصويت"، لافتة إلى أن "اللجنة عازمة على تشريع القانون".

وصوّت مجلس الوزراء في 4 أغسطس 2020 على مسوَّدة مشروع قانون الحماية من العنف الأسري. 

 في المقابل، توضح عضو مجلس النواب انتصار الجبوري، أنها ليست المرة الأولى التي يُناقَش فيها القانون، بل شهدت الدورات البرلمانية السابقة مناقشته، ووصل لمرحلة التصويت، لكن لم يُصوَّت عليه بسبب الكتل البرلمانية الرافضة له.

وترى الجبوري في تصريح صحافي أن "هذا القانون في حال إقراره سيحد من نسبة العنف، لأنه يعمل على معاقبة مرتكبيه وحماية الضحية".

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.