مختص بإزالة الألغام يبطل مفعول لغم زرعه داعش في شرق الموصل
مختص بإزالة الألغام يبطل مفعول لغم زرعه داعش في شرق الموصل- أرشيف

"لم تفكر الحكومة بمعاناتي من بتر أطراف عامر (26 عاماً) بسبب لغم أرضي انفجر فيه"، تقول الأم وهي من سكنة محافظة نينوى لـ "ارفع صوتك".  

وتعرض عامر، وهو متزوج ولديه طفل واحد إلى انفجار لغم أرضي قريبا من ناحية العياضية عام 2018 عندما كان يمارس عمله في إيصال بعض السلع والبضائع.

وتضيف أمه أنها" لم تتوقع أبداً أن ينجو عامر من عصابات داعش ليقع بعد ذلك ضحية الإعاقة التي أفقدته القدرة على أن يعيش الحياة بشكل طبيعي". 

وبعد انتهاء العمليات العسكرية التي خاضها الجيش ضد تنظيم داعش لاستعادة الأراضي العراقية عام 2017، وجد سكان قرى محافظة نينوى أنفسهم في مواجهة خطر الألغام والعبوات الناسفة والمخلفات الحربية.

وتشير الأم إلى أن ابنها لم يكن الضحية الوحيدة، فهناك المئات غيره بسبب الألغام المزروعة على الطرق الخارجية التي تخيف أهل منطقتها.

8 سنوات

وكان مدير دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام في العراق، بير لودهامار،  كشف عن "إزالة ما يقرب من 17 ألف عبوة متفجرة عام 2018 فقط". 

وأوضح أن "2000 من هذه المتفجرات كانت من العبوات الناسفة بدائية الصنع إضافة إلى 2000 من الأجهزة المختلفة التي تستخدم في عمليات صنع وتفجير هذه العبوات، فضلا عن 782 حزاماً انتحارياً، معظمها كان على جثث مقاتلي داعش المدفونين تحت الأنقاض".

وأضاف لودهامار أن "عملية مسح الألغام كانت مباشرة نسبيا لكنها أصبحت الآن أكثر تعقيداً، إذ تنطوي على استخدام طائرات بدون طيار مزودة بكاميرات لتقييم المخاطر، والآلات الثقيلة المزروعة".

 وقال إن الأمر "قد يستغرق ما لا يقل عن ثماني سنوات أخرى قبل أن يتم التخلص من الخطر في الموصل إلى مستوى مقبول".

 

عبوات بدائية الصنع

يقول الناشط الحقوقي محمد ياسر  إن حجم الألغام في البلاد "غير معروف". 

ويضيف لـ "ارفع صوتك" أن "الحروب والصراعات الأمنية تركت خلفها ملايين الألغام والمتفجرات والعبوات الناسفة التي يصعب تحديد أماكنها بشكل دقيق". 

ويعتقد ياسر أن الصعوبة تمكن "غيباب الااحترازات الأمنية والرقابية لتمنع الأفراد من تصنيعها وزرعها، خاصة المسلحين وغيرهم من عصابات داعش". 

"ففي عام 2007 حكمت محكمة الجنايات المركزية على عراقي بالسجن المؤبد مدى الحياة لامتلاكه 82 لغما مضادا للأفراد ضمن أسلحة أخرى" يتابع ياسر.

ويقول "كما أن العديد من الجماعات المسلحة والمتمردة في العراق خبراء في تصنيع وتطوير العبوات البدائية الصنع (IEDs). ففي عام 2007 صرح لواء بحرية أمريكي أن 15% من العبوات البدائية الصنع في العراق تم تصنيعها من متفجرات تم حصادها من حقول الألغام الموجودة على الحدود العراقية الإيرانية". 

والعبوات البدائية الصنع تستخدم بأعداد كبيرة في البلاد. وتعد التي تنفجر عند ملامسة الضحية لها من الألغام المضادة للأفراد محظورة طبقا لاتفاقية حظر الألغام. 

أما العبوات البدائية الصنع والتي تنفجر عند إصدار الأمر ليست محظورة طبقا لاتفاقية حظر الألغام. ولكن استخدامها في العراق يعد انتهاكا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، وذلك عندما يتم استهداف المدنيين.

ويؤكد ياسر على "وجود مشكلة أساسية في مسألة الألغام، وهي أن العراق كان حتى عام 2003 يمتلك منشآت خاصة بإنتاج ألغام مضادة للأفراد، لذا فإن الكثير من العراقيين يجيدون تصنيعها وإن تم تدمير هذه المنشآت لاحقا".

ويرى الناشط الحقوقي أن "تحديد أماكن تصنيع الألغام أو زرعها ما زال لغاية الآن يعتمد على الرعاة والأفراد الذين يسكنون قريبا منها، وهؤلاء عادة ما يتحكمون في حجب أو اظهار المعلومات، لأن البعض منهم يستغلها لتوفير بعض المال عبر بيعها".

ولا تتوقف خطورة الألغام في البلاد على ذلك فحسب، فمهمة استخراجها تحتاج لوقت طويل فضلاً عن تحديات أخرى تتعلق بتأثيرات الظروف البيئة، بحسب ياسر.

وانضم العراق إلى اتفاقية حظر الألغام في عام 2007 وبدأ العمل بالاتفاقية عام 2008، وحدد عام 2018 ليكون أقصى موعد لتدمير كل الألغام المضادة للأفراد من المناطق الملغمة التي تحت سيادتها أو سيطرتها.            

 

مفوضية حقوق الإنسان

بدوره، أكد مدير مكتب مفوضية حقوق الإنسان في نينوى ياسر ضياء سعيد  "وجود قرى تحوي ألغاما ومخلفات حربية من العمليات العسكرية التي جرت ضد داعش في قضاء تلعفر وناحية العياضية".

وأوضح "من خلال الزيارات الميدانية إلى المدينة القديمة، تم رصد قذائف صاروخية وأحزمة ناسفة ومخلفات حربية، وتم التوصل مع مديرية الدفاع المدني في محافظة نينوى لرفع تلك المخلفات والتخلص منها".

وبين سعيد أن "مسؤول الملف (الحق) للصحة والبيئة رافق الوفد التابع إلى دائرة شؤون الألغام في وزارة الصحة بزيارة عدد من القرى والمناطق التابعة إلى قضاء تلكيف للاطلاع على عمل منظمة(MAG) في إزالة الألغام ورفع المخلفات الحربية".

وقال إن "المفوضية فاتحت قيادة عمليات نينوى ودائرة شؤون الألغام في وزارة الصحة للعمل على إزالة الألغام ورفع المخلفات الحربية من محيط (الخسفة) ومحيط مقبرة (بئر علو عنتر) في قضاء تلعفر، وأجابت القيادة بأنه تم تطهير تلك المناطق بواسطة الجهد الهندسي للفرقة 16 التابعة للجيش العراقي".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق
صورة تعبيرية لجامع النوري في الموصل شمال العراق

تحلُّ في منتصف الشهر الحالي ذكرى "المولد النبوي" الذي اعتبرته الحكومة العراقية إجازة رسمية لموافقته يوم 12 ربيع أول، وهو التاريخ الذي رجّحت المرويات التاريخية أنه شهد ميلاد الرسول محمد، استنادًا لمقولة ابن عباس "وُلد رسول الله عام الفيل، يوم الاثنين، الثاني عشر من شهر ربيع الأول".

بحسب الترتيب الزمني الذي أورده دكتور صلاح الدين بن محمد في دراسته "الإلزامات الواردة على بدعة الاحتفال بالمولد النبوي"، فإن أول من احتفل بالمولد النبوي هم الفاطميون سنة 362 هجرية بالقاهرة، وهي الاحتفالات التي استمرت في مصر حتى ألغاها أمير الجيوش الأفضل شاهنشاه بن بدر الجمالي وزير المستعلي بالله سنة 490 هـ.

بعد سنوات من هذا الإلغاء سيكون للعراق الفضل في إعادة إحيائها مُجدداً لتنتشر بعدها في أصقاع العالم الإسلامي حتى اليوم، فما قصتها؟

 

البداية من الموصل

عاد الاحتفال بالمولد النبوي للظهور مُجدداً على يدي الفقيه عُمر بن محمد الموصلي، الذي تمتّع بمكانة اجتماعية كبيرة في الموصل شمال العراق بسبب فقهه وزُهده، فحاز شهرة كبيرة في العالم الإسلامي حتى تُوفي سنة 570 هـ.

بحسب كتاب "الروضتين في أخبار الدولتين النورية والصلاحية" لأبي شامة المقدسي، فإن "زاوية الشيخ عمر" كانت محلاً لزيارة العلماء والفقهاء والملوك والأمراء. 

وامتلك الشيخ عُمر علاقة وطيدة بنور الدين زنكي صاحب حلب، إذ اعتاد الأخير مراسلة الشيخ عُمر لـ"استشارته في الأمور العِظام"،كما كان يزوره كل سنة في شهر رمضان لتناول الإفطار معه.

تعززت هذه المكانة حين خضعت الموصل لسُلطان نور الدين زينكي عام 566 هـ فأوصى وُلاته عليها بأن يستشيروا الشيخ عُمر في كل كبيرة وصغيرة، حتى نال لقب "المولى".

بحسب أبي شامة المقدسي فإن الشيخ عُمر هو الذي أشار على نور الدين بشراء قطعة أرض خراب في وسط الموصل وحوّلها إلى مسجد أنفق على بنائه أموالاً كثيرة، هو "جامع النوري" الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

لم يكن "جامع النوري" هو أكبر إنجازات الفقيه الموصلي إنما إعادة إحياء الاحتفال بـ"المولد النبي"، أيضاً. وبحسب كتاب "خدمات الأوقاف في الحضارة الإسلامية إلى نهاية القرن العاشر الهجري"، كان الشيخ عُمر كان يقيم في كل سنة داخل زاويته احتفالاً بميلاد الرسول محمد، يوجّه فيه الدعوة لحاكم الموصل وكبار رجال الدولة للحضور إلى الزاوية حيث تُقدّم لهم الأطعمة والمشروبات ويستمعون للشعراء الذين حضروا هذه الاحتفالية للتنافس على إنشاد قصائد المدح النبوي.

تزامن هذا الاحتفال مع الاهتمام الجماعي الذي أبداه أهل الموصل طيلة العهد الأتابكي بمناسبة "المولد النبوي"، فكانوا يعتادون تزيين الدور والأسواق ويتجمهرون في المساجد.

في كتاب "رسائل في حُكم الاحتفال بالمولد النبوي"، لم يستبعد مؤلّفوه أن يكون الشيخ عُمر وغيره من أهل الموصل مالوا لإقامة هذه الاحتفالات كأحد أشكال تأثرهم بالفاطميين، الذين أقاموا صلات مباشرة بحكام الموصل على مدار سنوات طويلة، في إطار مساعيهم لإسقاط دولة الخلافة العباسية في العراق.

وذكر كتاب "تاريخ الموصل" لسعيد الديوه جي، أن أبرز حكام الموصل الذين رحبوا بهذا التقارب، هم  أمراء الدولة العقيلية الشيعية مثل حسام الدولة المقلد العقيلي (386 هـ- 391 هـ) وولده معتمد الدولة قرواش، اللذين حافظا على علاقات جيدة مع خلفاء مصر حتى أن قرواش أعلن تبعيته للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله في 401 هـ، وهي خطوة لم تدم كثيراً بعدما تراجع عنها سريعاً بسبب تهديدات الخليفة القادر العباسي له بالحرب.

ووفق كتاب "الإعلام بفتاوى أئمة الإسلام حول مولده عليه الصلاة والسلام" لمحمد بن علوي الحسني، فإن الشيخ عُمر بعدما بات أول مَن احتفى بالمولد النبوي في العراق اقتدى به صاحب أربيل الملك المظفر كوكبري بن زين الدين بن بكتكين الحليف المخلص لصلاح الدين الأيوبي سُلطان مصر.

أربيل: مهرجان ديني حاشد

عمل زين الدين والد الملك المظفر الدين كوكبري والياً على الموصل، فحقّق نجاحاً كبيراً حتى أنه عندما مات سنة 563 هـ كان عدد من المدن الكبرى في العراق خاضعاً لحُكمه مثل: أربيل، شهرزور، تكريت، سنجار، حرّان وغيرها.

بعدما توفي زين الدين ورث ابنه مظفر الدين كوكبري حُكم أربيل، ولكن لصِغر سنه تولّى شؤون الإمارة أحد مماليك والده الذي خلع كوكبري عن الحُكم ونصّب بدلاً منه أخوه، هنا استعان كوكبري بصلاح الدين الأيوبي الذي أعاده أميراً على أربيل في 586 هـ.

يحكي عبد الحق التركماني في كتابه "ابن دحية الكلبي وكتابه (التنوير في مولد السراج المنير والبشير النذير)": "أخذ كوكبري عن الشيخ عُمر هذه البدعة وطوّرها وتفنن في إقامتها وبذل أموالاً عظيمة في ذلك".

وأورد كتاب "إمارة أربل في العصر العباسي" للدكتور سامي الصقار، أن كوكبري بدءاً من سنة 604 هـ "أولى اهتماماً بإقامة مهرجان ضخم للاحتفال بمولد النبي يتضمن العديد من الفعاليات التي لفتت انتباه الكثيرين من مختلف أنحاء العالم".

ووصف إحياء المناسبة: "في شهر محرم من كل عام هجري يبدأ توافد عوام المسلمين من بغداد والجزيرة ونصيبين وغيرها من البلاد على أربيل، بالإضافة إلى جماعات من الفقهاء والصوفية والشعراء، ومع بداية شهر ربيع الأول يأمر كوكبري بنصب قباب من الخشب المُزين تُخصص كل منها لاستضافة عروض رجال الأغاني والخيالة وأصحاب الملاهي، وكان الناس يزدحمون حول خيامهم لمشاهدة عروضهم".

قبل الاحتفال بيومين كان منظمو المهرجان يطلقون مسيرة ضخمة تتكوّن من مئات الإبل والبقر والغنم التي تزفّها الطبول إلى ميدان كبير تُنحر فيه وتُطبخ ثم يوُزع لحمها على الحضور، كما ذكر الكتاب.

في اليوم الأول للمهرجان كان كوكبري يحضر الاحتفال بصحبة الأعيان والفقهاء وعوام الناس لمشاهدة عروضٍ عسكرية يقوم بها بعض جنود الجيش، بعدها تُقام موائد طعام ضخمة للحضور، 

وقدر حسام الدين قِزغلي (حفيد ابن الجوزي) في كتابه "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"، أن أسبطة الطعام كانت تضم "100 فرس مشوية منزوعة العظام، و5 آلاف رأس غنم و10 آلاف دجاجة و30 ألف صحن حلوى".

بعد الانتهاء من الطعام، كان كوكبري يكرّم عدداً من الأعيان والفقهاء وكبار الضيوف ويوزّع عليهم الأموال. ووفق تقديرات المؤرخين فإن هذه الاحتفالات الضخمة كانت تكلف ما يزيد عن 300 ألف دينار (عملة تلك الفترة).

كيف يحتفل المسلمون بالمولد النبوي في البلدان العربية؟
يعبّر المسلمون -في كل مكان- عن حبهم للنبي من خلال مجموعة من الطقوس والشعائر الفلكلورية الشعبية المتوارثة، والتي تتنوع وتتباين باختلاف الثقافة والمكان. نرصد في هذا التقرير أهم المظاهر الاحتفالية بالمولد النبوي في مجموعة من الدول العربية.

يقول الصقار "رغم ما اشتهرت به احتفالات الخلفاء الفاطميين بالمولد النبوي من بذخٍ شديد فإنها على فخامتها تُعدُّ متواضعة إذا ما قُورنت باحتفالات أربيل، إذ كانت الحفلات الفاطمية تقتصر على ليلة واحدة تُقدم فيها الحلوى والأطعمة ثم يرتّل القرآن وتُنشد القصائد في حضرة الخليفة الفاطمي، بعكس احتفالات أربيل التي كانت تستغرق عدة أيام".

هذا الاحتفاء المهيب استدعى إشادة شهاب الدين أبو شامة في كتابه "الباعث على إنكار البدع والحوادث"، حيث قال "من أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل في مدينة أربيل في اليوم الموافق ليوم ميلاد النبي من الصدقات وإظهار الزينة والسرور".

أحد أشهر حضور هذا "المهرجان النبوي" كان المؤرّخ عمر بن الحسن حفيد الصحابي دِحية الكلبي الذي شاهد الاحتفالات 625 هـ وألّف عنها كتاباً بعنوان "التنوير في مولد السراج المنير" قرأه بنفسه على حضرة الملك فأجازه وكافأه بألف دينار.

وفيه تحدّث عن شهادته على ليلة المولد في "إربل المحروسة" وعن لقائه بـ"أفضل الملوك والسلاطين"، حسبما ذكر دكتور أنس وكاك في بحثه "قبسٌ من (التنوير في مولد السراج المنير) للحافظ أبي الخطاب بن دحية الأندلسي".