العراق

أراضي اللطيفية ومخاوف عراقية من "تغيير ديمغرافي".. منظمة تكشف التفاصيل

رحمة حجة
03 أبريل 2021

أكد مصدر خاص من سكان منطقة شرقي اللطيفية، جنوب العاصمة العراقية بغداد، أن وزارة الدفاع وضعت اليد على أراضيهم، التي تسكنها 2000 عائلة تقريباً، منذ عقود طويلة، ما يعني تعرّضهم لتهجير محتمل منها.

وأوضح المصدر (تحفظ على اسمه لأسباب أمنية) لـ"ارفع صوتك": "الأراضي التي نسكنها هي ملك للدولة العراقية منذ العهد الملكي، ولكننا نقيم فيها ما قبل ذلك، وبعد سقوط الملكية أواخر الخمسينيات، تم توزيع الأراضي على الفلاحين فيها بموجب قرار رقم 117 خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم".

وأضاف "نقيم في اللطيفية منذ عقود، كمستأجرين، وندفع مبلغاً رمزياً كل سنة، مقابل استصلاحها وزراعتها".

وكان أحد الفلاحين القاطنين فيها ذهب لأحد مكاتب وزارة المالية من أجل تجديد عقد استئجاره، في "مقاطعة رقم 15"، ومساحتها تقريباً 15 ألف دونم، لكن طلبه رُفض، وبعد سؤال واستفسار "اكتشفنا أن الحكومة بدأت بفسخ عقود الاستئجار وتحويل الأراضي من ملكية وزارة المالية والزراعة إلى وزارة الدفاع" يقول المصدر.

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

ويتابع المصدر لـ"ارفع صوتك": "على أثر ذلك، أرسل أهالي مناطق شرق اللطيفية، وفداً ممثلاً عنهم برفقة النائب السابق كامل الغريري، وهو من السكان أيضاً، لوزارة المالية، وأكدت بدورها المعلومات المتداولة، وأن الأمر بات بيد وزارة الدفاع، وفسخ عقود الإيجار بالتدريج لجميع السكّان".

ويبيّن "نحن مقيمون دائمون فيها، فهي أراض سكنية وزارعية معاً، وعائلات الفلاحين تقيم أباً عن جد، وفي المقاطعة رقم 15، يوجد أربع مدارس، ابتدائية ومتوسطة، بالإضافة لمستوصف صحي، ومشاريع ريّ".

ما هي خطوة أهالي اللطيفية القادمة؟ يقول المصدر لـ"ارفع صوتك": "حالياًَ نسعى على المستويين الشعبي (من خلال تحويلها لقضية رأي عام) والسياسي من خلال حوار وفدنا مع الجهات الحكومية المعنيّة، وقد تم إبلاغنا بأن أمر تسليم الأراضي لوزارة الدفاع غير محسوم 100%، بالتالي يمكن حل المسألة بطريقة ما، لأن في المشروع ظلم كبير للعائلات".

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"
من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"
من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

مرصد حقوقي: مصادرة واستيلاء

وكان بيان صادر عن مرصد "أفاد" الحقوقي، السبت، أكد "مصادرة أكثر من 15 ألف دونم زراعي في مناطق شرق اللطيفية جنوبي بغداد، وتسليمها لصالح مديرية الإسكان العسكري بوزارة الدفاع العراقية، نهاية شهر آذار/ مارس الماضي".

وأضاف البيان "حسب مصادر رفيعة في وزارتي الدفاع والمالية، تم توقيع قرار مصادرة ما يزيد عن 15 ألف دونم، يقيم فيها ما لا يقل عن ألفي عائلة عراقية من الفلاحيين والمزارعين من عشائر الغرير والسعيدات والجنابيين وعشائر أخرى ضمن كيلو 5 وكيلو 14 وكيلو 12 وكيلو 18 والسعيدات ومناطق أخرى مجاورة تقع شرق اللطيفية المجاورة لناحية جرف الصخر".

وتبدأ هذه الأراضي من مناطق مستودع اللطيفية وصولاً إلى نهر الفرات، وعلى امتداد يبلغ مجموعه أكثر من 15 ألف دونم جميعها زراعية منتجة تغذي أسواق العاصمة العراقية بمختلف المحاصيل اليومية عدا عن حقول الدواجن والبيض، وفق مرصد "أفاد".

وحسب المرصد  "أكد فلاحون أن قوة عسكرية وصلت للمنطقة، وأبلغت السكان بقرار إخلاء مناطقهم في أقرب وقت كونها باتت ملكا لمديرية الإسكان العسكري التابعة لوزارة الدفاع العراقية، وتم تسليم بعضهم إنذارات بهذا الخصوص لمغادرة منازلهم ومزارعهم وممتلكاتهم التي يقيمون فيها منذ عقود طويلة أبا عن جد، دون أن يتقدم مسؤول إليهم ويشرح لهم مصيرهم، ويظهر أيضا إلغاء خطة إنشاء مدرسة ابتدائية في المنطقة للسبب ذاته، وإيقاف تزويد المنطقة بأي نوع من الخدمات".

ووصف البيان ما حدث بـ"التهجير القسري" الذي "لا يختلف شكلاً أو مضموناً عمّا فعله تنظيم داعش" إبان احتلاله مساحات واسعة من العراق.

وقال المرصد إن "هذه الانتهاكات القانونية والإنسانية تُمارس تحت غطاء الدولة العراقية وباسم القانون".

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

 

أرض "بديلة"

وأورد البيان أن المرصد تواصل مع مسؤول في وزارة الدفاع، وأكد الأخير  أن "الأمانة العامة لمجلس الوزراء، اختارت المنطقة لإقامة مشروع لإسكان الضباط والعسكريين من منتسبي الوزارة، رغم أن المشروع كان يقضي بإقامته في منطقة معسكر طارق غربي بغداد".

وأضاف المسؤول الذي لم يُذكر اسمه أن منطقة معسكر طارق "أساسا هي ملك الوزارة لكن قيام جهات متنفذة بالاستيلاء عليها، أدى إلى رفع شكوى قضائية لاسترداد أرض المعسكر ليُصار إلى تشكيل لجنة من الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة المالية، انتهت بتعويض وزارة الدفاع أرضا بديلة عنها في اللطيفية جنوبي بغداد لإقامة مشاريع السكن الخاصة بها".

وأكد، وفق بيان المرصد، أن "اختيار منطقة زراعية منتجة ويشغلها مئات العوائل العراقية سكنا وعملا كان مقترحا من أحد المسؤولين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء في حكومة مصطفى الكاظمي، وتمت الموافقة عليه، دون بحث مصير هذه العوائل، أو في جملة المخالفات القانونية بالقرار منها أنها أراض زراعية مسكونة ومنتجة ومصنفة على أنها ضمن مناطق الزراعة النشطة في العراق والمستقرة وتمثل متنفسا بيئياً هاماً للعاصمة وطوقاً أخضر لها والثانية أنها مخالفة قانونية بتعويض أرض في محافظة بمحافظة ثانية".

"كما تحوم شبهات فساد كبيرة حول شخصية سياسية بارزة ومتنفذة من محافظة الأنبار، كونها هي من تدخل على خط الانتفاع من استثمار معسكر طارق ودفعت باتجاه تعويض وزارة الدفاع بمكان آخر على حساب أهالي اللطيفية، التي سيتم فعلا تهجير أهلها" قال المسؤول العراقي، وفق البيان.

 

مخالفة للقانون

وعطفاً على إفادة أحد سكان اللطيفية لـ"ارفع صوتك"، قال النائب السابق كامل الغريري الذي توجه مع وفد من الأهالي، إن كل جميع الأراضي التي تمت مصادرتها "منتجة بمختلف المحاصيل وفيها منظومات مياه ري وحقول دواجن ومواش".

وأضاف في تصريحه للمرصد الحقوقي "وتمثل أحد سلال بغداد الرئيسة، ومن فيها يقيمون أبا عن جد، وتكاثروا فيها ولا مكان آخر لهم غيرها حالهم كحال أي منطقة بالعراق".

"لا يوجد أي سند قانوني لانتزاع الأراضي من أهلها وتسليمها لوزارة الدفاع وتحويلها من زراعية إلى سكنية" قال الغريري، متسائلاً "هل يجوز تعويض وزارة في محافظة بأراض في محافظة أخرى كما حصل الآن بتعويض وزارة الدفاع عن معسكر طارق في الأنبار بأراض في اللطيفية".

وحسب بيان المرصد، حذّر الغريري من "مغبة تمرير الأمر" مطالباً بوقفه.

من جهته، طالب المرصد أيضاً رئاسة البرلمان العراقي، ومفوضية حقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة بـ"وضع حد لجرائم الإبعاد القسري وإعادة التوطين أو تغيير واقع الحال، التي تجري في مناطق عدة من حزام بغداد تحت ذرائع وحجج مختلفة".

 

"مؤامرة تغيير ديمغرافي"

في موقع تويتر للتواصل، كان وسم #اراضي_اللطيفية بين الأكثر تداولاً في صفحات العراقيين، السبت.

وطالب نشطاء بارزون وإعلاميون "منع مصادرة الأراضي"، وبعضهم وصفها بـ"مؤامرة" جديدة لإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة، خصوصاً أن غالبية سكان اللطيفية من المسلمين السنّة.

من بين المغردّين، الأمين العام لحزب "المشروع الوطني العراقي" جمال الضّاري، الذي كتب "مؤامرة التغيير الديموغرافي التي طالت جرف الصخر، تطال اليوم منطقة شرقي اللطيفية جنوب بغداد. الحملة الجديدة تهدد بتهجير ٢٠٠٠ عائلة تسكن هذه المنطقة الزراعية منذ قرون، وتدويل هذه الانتهاكات صار ضرورة، من أجل وقف الجرائم المنظمة".

وكتب  الصحافي العراقي مختار عثمان، في صفحته على تويتر "هذه صورة لمنطقة (كيلو 14) شرقي اللطيفية سيتم طرد أهلها منها وتجريفها بعد الاستيلاء عليها من قبل مديرية الإسكان العسكري. هذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها عمليات تغيير ديموغرافي بحزام بغداد".

وفي تغريدة للممثل أحمد فوزي، قال "أول خطوة لتحرير القدس كانت احتلال جرف الصخر وتهجير أهلها وتغيبيهم وقتلهم.. ثاني خطوة احتلال أراضي اللطيفية بنفس طريقة جرف الصخر" في إشارة منه إلى المليشيات العراقية الموالية لإيران، التي طالما رفعت شعارات مرتبطة بـ"تحرير القدس".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".