العراق

أراضي اللطيفية ومخاوف عراقية من "تغيير ديمغرافي".. منظمة تكشف التفاصيل

رحمة حجة
03 أبريل 2021

أكد مصدر خاص من سكان منطقة شرقي اللطيفية، جنوب العاصمة العراقية بغداد، أن وزارة الدفاع وضعت اليد على أراضيهم، التي تسكنها 2000 عائلة تقريباً، منذ عقود طويلة، ما يعني تعرّضهم لتهجير محتمل منها.

وأوضح المصدر (تحفظ على اسمه لأسباب أمنية) لـ"ارفع صوتك": "الأراضي التي نسكنها هي ملك للدولة العراقية منذ العهد الملكي، ولكننا نقيم فيها ما قبل ذلك، وبعد سقوط الملكية أواخر الخمسينيات، تم توزيع الأراضي على الفلاحين فيها بموجب قرار رقم 117 خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم".

وأضاف "نقيم في اللطيفية منذ عقود، كمستأجرين، وندفع مبلغاً رمزياً كل سنة، مقابل استصلاحها وزراعتها".

وكان أحد الفلاحين القاطنين فيها ذهب لأحد مكاتب وزارة المالية من أجل تجديد عقد استئجاره، في "مقاطعة رقم 15"، ومساحتها تقريباً 15 ألف دونم، لكن طلبه رُفض، وبعد سؤال واستفسار "اكتشفنا أن الحكومة بدأت بفسخ عقود الاستئجار وتحويل الأراضي من ملكية وزارة المالية والزراعة إلى وزارة الدفاع" يقول المصدر.

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

ويتابع المصدر لـ"ارفع صوتك": "على أثر ذلك، أرسل أهالي مناطق شرق اللطيفية، وفداً ممثلاً عنهم برفقة النائب السابق كامل الغريري، وهو من السكان أيضاً، لوزارة المالية، وأكدت بدورها المعلومات المتداولة، وأن الأمر بات بيد وزارة الدفاع، وفسخ عقود الإيجار بالتدريج لجميع السكّان".

ويبيّن "نحن مقيمون دائمون فيها، فهي أراض سكنية وزارعية معاً، وعائلات الفلاحين تقيم أباً عن جد، وفي المقاطعة رقم 15، يوجد أربع مدارس، ابتدائية ومتوسطة، بالإضافة لمستوصف صحي، ومشاريع ريّ".

ما هي خطوة أهالي اللطيفية القادمة؟ يقول المصدر لـ"ارفع صوتك": "حالياًَ نسعى على المستويين الشعبي (من خلال تحويلها لقضية رأي عام) والسياسي من خلال حوار وفدنا مع الجهات الحكومية المعنيّة، وقد تم إبلاغنا بأن أمر تسليم الأراضي لوزارة الدفاع غير محسوم 100%، بالتالي يمكن حل المسألة بطريقة ما، لأن في المشروع ظلم كبير للعائلات".

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"
من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"
من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

مرصد حقوقي: مصادرة واستيلاء

وكان بيان صادر عن مرصد "أفاد" الحقوقي، السبت، أكد "مصادرة أكثر من 15 ألف دونم زراعي في مناطق شرق اللطيفية جنوبي بغداد، وتسليمها لصالح مديرية الإسكان العسكري بوزارة الدفاع العراقية، نهاية شهر آذار/ مارس الماضي".

وأضاف البيان "حسب مصادر رفيعة في وزارتي الدفاع والمالية، تم توقيع قرار مصادرة ما يزيد عن 15 ألف دونم، يقيم فيها ما لا يقل عن ألفي عائلة عراقية من الفلاحيين والمزارعين من عشائر الغرير والسعيدات والجنابيين وعشائر أخرى ضمن كيلو 5 وكيلو 14 وكيلو 12 وكيلو 18 والسعيدات ومناطق أخرى مجاورة تقع شرق اللطيفية المجاورة لناحية جرف الصخر".

وتبدأ هذه الأراضي من مناطق مستودع اللطيفية وصولاً إلى نهر الفرات، وعلى امتداد يبلغ مجموعه أكثر من 15 ألف دونم جميعها زراعية منتجة تغذي أسواق العاصمة العراقية بمختلف المحاصيل اليومية عدا عن حقول الدواجن والبيض، وفق مرصد "أفاد".

وحسب المرصد  "أكد فلاحون أن قوة عسكرية وصلت للمنطقة، وأبلغت السكان بقرار إخلاء مناطقهم في أقرب وقت كونها باتت ملكا لمديرية الإسكان العسكري التابعة لوزارة الدفاع العراقية، وتم تسليم بعضهم إنذارات بهذا الخصوص لمغادرة منازلهم ومزارعهم وممتلكاتهم التي يقيمون فيها منذ عقود طويلة أبا عن جد، دون أن يتقدم مسؤول إليهم ويشرح لهم مصيرهم، ويظهر أيضا إلغاء خطة إنشاء مدرسة ابتدائية في المنطقة للسبب ذاته، وإيقاف تزويد المنطقة بأي نوع من الخدمات".

ووصف البيان ما حدث بـ"التهجير القسري" الذي "لا يختلف شكلاً أو مضموناً عمّا فعله تنظيم داعش" إبان احتلاله مساحات واسعة من العراق.

وقال المرصد إن "هذه الانتهاكات القانونية والإنسانية تُمارس تحت غطاء الدولة العراقية وباسم القانون".

من أراضي شرقي اللطيفية، جنوب بغداد. الصورة لـ"ارفع صوتك"

 

أرض "بديلة"

وأورد البيان أن المرصد تواصل مع مسؤول في وزارة الدفاع، وأكد الأخير  أن "الأمانة العامة لمجلس الوزراء، اختارت المنطقة لإقامة مشروع لإسكان الضباط والعسكريين من منتسبي الوزارة، رغم أن المشروع كان يقضي بإقامته في منطقة معسكر طارق غربي بغداد".

وأضاف المسؤول الذي لم يُذكر اسمه أن منطقة معسكر طارق "أساسا هي ملك الوزارة لكن قيام جهات متنفذة بالاستيلاء عليها، أدى إلى رفع شكوى قضائية لاسترداد أرض المعسكر ليُصار إلى تشكيل لجنة من الأمانة العامة لمجلس الوزراء ووزارة المالية، انتهت بتعويض وزارة الدفاع أرضا بديلة عنها في اللطيفية جنوبي بغداد لإقامة مشاريع السكن الخاصة بها".

وأكد، وفق بيان المرصد، أن "اختيار منطقة زراعية منتجة ويشغلها مئات العوائل العراقية سكنا وعملا كان مقترحا من أحد المسؤولين في الأمانة العامة لمجلس الوزراء في حكومة مصطفى الكاظمي، وتمت الموافقة عليه، دون بحث مصير هذه العوائل، أو في جملة المخالفات القانونية بالقرار منها أنها أراض زراعية مسكونة ومنتجة ومصنفة على أنها ضمن مناطق الزراعة النشطة في العراق والمستقرة وتمثل متنفسا بيئياً هاماً للعاصمة وطوقاً أخضر لها والثانية أنها مخالفة قانونية بتعويض أرض في محافظة بمحافظة ثانية".

"كما تحوم شبهات فساد كبيرة حول شخصية سياسية بارزة ومتنفذة من محافظة الأنبار، كونها هي من تدخل على خط الانتفاع من استثمار معسكر طارق ودفعت باتجاه تعويض وزارة الدفاع بمكان آخر على حساب أهالي اللطيفية، التي سيتم فعلا تهجير أهلها" قال المسؤول العراقي، وفق البيان.

 

مخالفة للقانون

وعطفاً على إفادة أحد سكان اللطيفية لـ"ارفع صوتك"، قال النائب السابق كامل الغريري الذي توجه مع وفد من الأهالي، إن كل جميع الأراضي التي تمت مصادرتها "منتجة بمختلف المحاصيل وفيها منظومات مياه ري وحقول دواجن ومواش".

وأضاف في تصريحه للمرصد الحقوقي "وتمثل أحد سلال بغداد الرئيسة، ومن فيها يقيمون أبا عن جد، وتكاثروا فيها ولا مكان آخر لهم غيرها حالهم كحال أي منطقة بالعراق".

"لا يوجد أي سند قانوني لانتزاع الأراضي من أهلها وتسليمها لوزارة الدفاع وتحويلها من زراعية إلى سكنية" قال الغريري، متسائلاً "هل يجوز تعويض وزارة في محافظة بأراض في محافظة أخرى كما حصل الآن بتعويض وزارة الدفاع عن معسكر طارق في الأنبار بأراض في اللطيفية".

وحسب بيان المرصد، حذّر الغريري من "مغبة تمرير الأمر" مطالباً بوقفه.

من جهته، طالب المرصد أيضاً رئاسة البرلمان العراقي، ومفوضية حقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة بـ"وضع حد لجرائم الإبعاد القسري وإعادة التوطين أو تغيير واقع الحال، التي تجري في مناطق عدة من حزام بغداد تحت ذرائع وحجج مختلفة".

 

"مؤامرة تغيير ديمغرافي"

في موقع تويتر للتواصل، كان وسم #اراضي_اللطيفية بين الأكثر تداولاً في صفحات العراقيين، السبت.

وطالب نشطاء بارزون وإعلاميون "منع مصادرة الأراضي"، وبعضهم وصفها بـ"مؤامرة" جديدة لإحداث تغيير ديمغرافي في المنطقة، خصوصاً أن غالبية سكان اللطيفية من المسلمين السنّة.

من بين المغردّين، الأمين العام لحزب "المشروع الوطني العراقي" جمال الضّاري، الذي كتب "مؤامرة التغيير الديموغرافي التي طالت جرف الصخر، تطال اليوم منطقة شرقي اللطيفية جنوب بغداد. الحملة الجديدة تهدد بتهجير ٢٠٠٠ عائلة تسكن هذه المنطقة الزراعية منذ قرون، وتدويل هذه الانتهاكات صار ضرورة، من أجل وقف الجرائم المنظمة".

وكتب  الصحافي العراقي مختار عثمان، في صفحته على تويتر "هذه صورة لمنطقة (كيلو 14) شرقي اللطيفية سيتم طرد أهلها منها وتجريفها بعد الاستيلاء عليها من قبل مديرية الإسكان العسكري. هذه ليست المرة الأولى التي تجري فيها عمليات تغيير ديموغرافي بحزام بغداد".

وفي تغريدة للممثل أحمد فوزي، قال "أول خطوة لتحرير القدس كانت احتلال جرف الصخر وتهجير أهلها وتغيبيهم وقتلهم.. ثاني خطوة احتلال أراضي اللطيفية بنفس طريقة جرف الصخر" في إشارة منه إلى المليشيات العراقية الموالية لإيران، التي طالما رفعت شعارات مرتبطة بـ"تحرير القدس".

رحمة حجة

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".