العراق

ناج كردي من "الأنفال": مات أخواي جوعاً وتركت جثتهما للكلاب

دلشاد حسين
15 أبريل 2021

ينتظر ذوو ضحايا عمليات الأنفال والناجين منها في كردستان العراق، تعويضهم من قبل الحكومة العراقية ماديا ومعنويا بعد مرور 33 عاما على عمليات الإبادة الجماعية، التي تعرضوا لها على يد النظام العراقي السابق.

ويستذكر إقليم كردستان سنويا في 14 أبريل ذكرى عمليات الأنفال التي نفذها النظام العراقي السابق عام 1988 عبر ثماني مراحل، وأسفرت عن مقتل وتغييب أكثر من 182 ألف مدني كردي، غالبيتهم من النساء والأطفال، بعد أن نقلتهم القوات العراقية إلى صحاري جنوب العراق، ونفذت إعدامات جماعية في الكثير منهم، بينما دفنت آخرين أحياءفي مقابر جماعية، ولم يتمكن من النجاة، سوى عدد قليل، بمساعدة السكان في القرى القريبة.

غياب الإستراتيجيات

لم تفارق ذاكرة شوان محمد رستم، وهو أحد الناجين من الأنفال، صور ذلك اليوم الذي اعتقلت فيه القوات العراقية عائلته وكافة أقاربه وجمعتهم مع عشرات الآلاف الآخرين من المدنيين الكرد ونقلتهم إلى جنوب العراق، ليحتجزوا فيها، قبل قتلهم ودفنهم في المقابر الجماعية.

يقول رستم الذي يعمل حاليا عضواً في المجلس الأعلى لجمعية "الدفاع عن قضية الأنفال" لموقع "ارفع صوتك": "ألزمت المحكمة الجنائية العليا في العراق الحكومة العراقية بتعويض ذوي ضحايا الأنفال والناجين منها تعويضا ماديا ومعنويا، لكنها لم تعوض أياً من ذوي الضحايا والمتضررين من هذه العمليات حتى الآن، ورغم محاولاتنا المستمرة لنيل هذه الحقوق لكن دون جدوى".

ونجا رستم الذي لم يتجاوز حينها عشرة أعوام، من الإبادة مع عدد من أفراد عائلته بمساعدة أحد أقربائه، وتمكن من الاختفاء لعدة أشهر كي يتفادى الاعتقال من قبل الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.

ويؤكد  "وجود تلكؤ واضح من قبل الحكومة الاتحادية في عمليات إعادة رفات الضحايا وفتح المقابر الجماعية في وسط وجنوب العراق" مشيرا إلى "غياب أي إستراتيجية حكومية للتعامل مع المقابر الجماعية لضحايا الأنفال".

"وكذلك التعامل غير الصحيح مع الرفات بعد إخراجها من المقابر، وعدم أخذ عينة من الحمض النووي لذوي الضحايا لمطابقتها مع الرفات المكتشفة، وهذا زاد معاناتنا المتواصلة منذ 33 عاما"، يتابع رستم.

وبحسب جمعية "الدفاع عن قضية الأنفال"، منحت حكومة إقليم كردستان وحدات سكنية لذوي ضحايا الأنفال خلال السنوات الماضية، وخصصت رواتب لهم، فكل عائلة لديها ثلاثة ضحايا تتلقى راتبا شهريا مقداره 450 ألف دينار عراقي ( 300 دولار أميركي).

وإذا زاد عدد الضحايا عن ثلاثة، تستلم العائلة في حينه، راتبين (600 دولار)، حسب الجمعية، وتعليقاً على ذلك يقول مديرها رستم، إن الرواتب  "لا تكفي لتوفير القوت اليومي لعائلات الضحايا، بالتالي يعيشون أوضاعاً صعبة". 

وتشير  إحصائيات الجمعية إلى أن الأضرار المادية التي خلفتها عمليات الأنفال تقدر بنحو ثماني مليارات دولار، نتيجة تدمير أكثر من 4500 قرية تدميرا شاملا بعد نهب ممتلكات سكانها،  كما حُرموا من التعليم، ما جعل حصولهم على فرص العمل صعباً جداً، وأدى لتدهور أحوالهم النفسية.

وفي هذا الصدد، طالب رستم "بتعديل القوانين الخاصة بالتعامل مع المقابر الجماعية، وتعاون بغداد وأربيل لاكتشاف ما تبقى من المقابر التي تضم رفات المؤنفلين".

كما دعا المجتمع الدولي إلى الاعتراف بعمليات الأنفال التي تعرض لها الكرد كعمليات إبادة جماعية على المستوى الدولي، وأن تعتذر الحكومة العراقية رسمياً من ذوي الضحايا وتعوضهم مادياً ومعنوياً. 

"سرنا مسافة طويلة"

وفي ذكرى عمليات الأنفال، لعام 2021، قال رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الأربعاء، إن "استذكارها سنوياً دافع لكل الحكومات بالعمل الجاد دون عودة الدكتاتورية بأي شكل من أشكالها، ورفض كل ما من شأنه إحياء سياسات التمييز والإقصاء والتهميش".

من جهته، أكد رئيس وزراء إقليم كردستان مسرور بارزاني في بيان، أن "حكومة إقليم كردستان وفي الوقت الذي تطالب بالتعويض المادي والمعنوي لأسر الضحايا، فإنها تعمل على تقديم أفضل الخدمات لها، وضمان توفير حياة كريمة تليق بها".

شيرزاد خورشيد ناج آخر من الأنفال، يروي لموقع "ارفع صوتك" كيف نجا من الإبادة: "كان عمري حينها تسع سنوات حينذاك، وتمكنت من الهرب مع عدد من أطفال قريتنا، وسرنا مسافة طويلة، بعدها تمكنت من التوجه لبيت أحد أقربائنا الذي أوصلني بعد نحو شهرين إلى بيت عمتي في قضاء طوزخورماتو جنوب كركوك حيث أمضيت عندها عدة أشهر".

ونقلت القوات العراقية عائلة خورشيد إلى منطقة "نقرة سلمان" جنوب العراق، التي كانت أحد أبرز مراكز اعتقال المدنيين الكرد قبل دفنهم في المقابر الجماعية، وخلال فترة احتجاز العائلة توفي اثنان من إخوته الأطفال جوعاً ًولم تسمح القوات بدفنهما فأكلتهما الكلاب السائبة في المنطقة".

وبعد نحو عشرة أشهر، تمكن شيرزاد من الالتقاء بوالدته التي نجت أيضاً من الإبادة بعد قرار العفو الذي أصدره النظام السابق نهاية عام 1988 إثر توقف الحرب العراقية الإيرانية.

يتابع خورشيد "ما زلنا نعاني من أوضاع نفسية صعبة بعد ما شهدناه من إبادة لذوينا والخوف الذي عشناه، وزاد الفقر من أوضاعنا سوءاً بعد النجاة؛ لأننا بدأنا من الصفر بعد أن فقدنا كل ما نملك".

"نطالب بإعادة ما تبقى من رفات الضحايا وتعويضهم ماديا ومعنويا ومحاكمة كافة الأشخاص المتورطين والمشاركين في تنفيذ عمليات الأنفال"، هذا ما يريده خورشيد.

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".