العراق

"يتحكم بحياتنا".. بصريون يتحدثون عن رعب السلاح المنفلت

24 مايو 2021

"لا يعرف ليل البصرة الهدوء ابداً، مناطق تتحول بالكامل إلى ثكنات عسكرية تسيطر عليها جهات غير مرتبطة بالدولة لا من قريب ولا من بعيد، مناطق أكملها تسقط ليلاً، هذه هي الحقيقة، البصرة مختطفة من الجميع ولا أحد يدرك أن سكانها يعيشون أياماً مرعبة، هكذا يبدأ الطبيب بإحدى مستشفيات محافظة البصرة خالد.س حديثه عن يوميات البصريين.

ويوم الأربعاء الماضي، أعلنت وزارة الكهرباء انفصال خط الهارثة قرنة (400 كي.في) في البصرة (جنوبي العراق) بسبب نزاعٍ عشائريٍ كبير.

وذكر بيان للوزارة، أن "منظومة الطاقة الكهربائية تعرضت إلى انفصال خط الضغط الفائق (400 كي في) (هارثة/قرنة) الناقل للطاقة الكهربائية عن العمل بسبب نزاع عشائري واشتباكات مسلحة أدَّت إلى سقوط البرجين المرقمين (٦٦و٦٧)،في منطقة الشافي بالبصرة".

"البصرة مدينة موت"

ويقول الطبيب خالد، "نتعامل في المستشفيات مع العديد من حالات الإصابات جراء النزاعات العشائرية والسلاح المنفلت والجرائم الجنائية وأخرى تتعلق بالرصاص الطائش والرمي العشوائي، وأنا شخصياً ألاحظ أن البصرة تعاني من نزف دماء يومي لا أحد يستطيع إيقافه".

ويضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "أفكر جدياً بأخذ عائلتي والسفر من هنا، إلى بلاد يمكن أن أجد فيها ما فقدناه في البصرة، هذه المحافظة المخذولة من قبل أهلها وحكوماتها وجيرانها، نعم، البصرة تحولت إلى مدينة موت، وأنا شاهد عيان على الحالات اليومية التي تأتي للعيادات الطبية الخاصة والمستشفيات".

ويتابع، "أمراض السرطان منتشرة بشكل مخيف، الحوادث المرورية تقتل العشرات سنوياً، النزاعات العشائرية تحول ليل البصرة نهارا، وايضاً سطوة الميليشيات تحرمنا من العيش بهدوء وحرية، والفساد ينهي آخر آمال النهضة العمرانية بالمحافظة، لذلك صار لزاماً عليّ ان أفكر بعائلتي ومستقبلها".

القصور الرئاسية

أما صاحبة الاربعين عاماً، رشا السعدون، فتقول لـ(ارفع صوتك)، "أعمل في مجال الازياء، لكنني متوقفة عن العمل، ويقتصر دوري على ارشاد المهتمين بالأزياء على الماركات والأقمشة الجيدة، في البصرة كانت هناك عروضاً للأزياء وداراً مهتمة بها، أمام الآن فما حدث في القصور الرئاسية يختصر كل شيء ومنه يبدأ كل شيء".

وتوضح، "هناك حربان في البصرة، بين الدولة وعصابات المخدرات والجرائم المختلفة والمهربين، وبين الجهات المسلحة والمجتمع البصري، وهذه حقيقة"، مضيفة "أمّا الحديث عن وجود ملاحقات عسكرية لمطلوبين من الميليشيات فهذا أمر مستبعد، الميليشيات تتحكم بحياتنا ولا أحد يستطيع ردعها ولا حتى الدولة نفسها، هناك نفوذ مخيف لشخصيات سيطرت على مقدرات المحافظة، وهذا واضح لدى جميع البصريين".

وما زالت تفاصيل حادثة اشتباكات القصور الرئاسية في البصرة بين جهة مسلحة والاستخبارات الاتحادية لم تتضح حتى الآن، رغم انها انتهت بصدور أمر من قبل القائد العام للقوات المسلحة بإقالة قائد عمليات البصرة اللواء أكرم صدام.

ومع إرسال لجنة تحقيقية عليا، وصدور أوامر بالكشف عن ملابسات ما جرى داخل مجمع القصور الرئاسة في منطقة البراضعية، لكن الغموض ما زال يلف القضية.

فيما بيّن مصدر أمني لـ(ارفع صوتك)، أن "السبب الرئيس وراء ما حدث هو محاولة قوة أمنية خاصة قدمت من بغداد اعتقال شخصية بارزة تنتمي  لجهة مسلحة ذات نفوذ كبير في البصرة".

ولم يكشف البيان الصادر من قيادة عمليات البصرة وقتها، أي تفاصيل تحدد هوية الفاعلين ومنفذي الهجوم المسلح ضد عناصر الاستخبارات، لكنه أشار بأن "عملية إطلاق النار داخل القصور الرئاسية تعود إلى قيام قوة أمنية خاصة أتت من بغداد لاعتقال شخص مطلوب للقوات الأمنية وعند ذهاب تلك القوة إلى منزل المطلوب لم تجده وبالتالي غادرت دون اعتقال هذا المتهم".

وأضافت "لكن معلومات وردت لأحد الفصائل الموجودة في القصور بأن القوة المداهمة لهذا المطلوب والمنتمي لهم هي من خلية الصقور وبالتالي تم إطلاق النار على خلية الصقور الموجودة داخل القصور الحكومية رغم أن الصقور لم يكن لهم اي علم بعملية المداهمة وبالتالي تم تدخل القيادات الأمنية وحل تلك القضية دون أي إصابات كما تحدث البعض".

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.