Security forces try to disperse the anti-government protesters during protests in Tahrir Square in Baghdad, Iraq, Tuesday, May…
ساحة التحرير، الثلاثاء 25 أيار/ مايو بعدسة مصور وكالة أسوشييتد برس في العراق

يركض متظاهر عراقي هرباً، يحيطه هلع متظاهرين آخرين حوله. يرى الدم والجروح والوجوه التي لا تعرف مصيرها، تتقطع أنفاسه، ويلهث أثناء وصفه ما يجري، فيما يعلو صوت إطلاق النار الكثيف على كل شيء.

وعبر هاتفه الذكي، ينقل كل شيء، ليسمعه أكثر من ألف شخص، اجتمعوا في غرفة "تغطية مباشرة لثورة الشهيد إيهاب الوزني" على تطبيق "كلوب هاوس".

يأتي صوت متظاهر آخر، بنفس الوتيرة، ثم تفتح ميكروفونات أخرى لمتظاهرين من محيط ساحة التحرير وسط بغداد، ويستمر صوت الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، ما يثير ذعر المنصتين، ويحبس أنفاسهم، ليقول بعضهم "انسحبوا لخاطر الله"، قلقاً من احتمالات أسوأ. 

وكانت ساحة التحرير في العاصمة بغداد قد شهدت اشتباكات، الثلاثاء، بين قوات حفظ النظام، ومتظاهرين عراقيين يطالبون بالكشف عن قتلة الناشطين، ومحاسبة "الفاسدين".

ما الذي يجري وكيف بدأ كل شيء؟ يقول المتظاهر منتظر،  الذي شهد بداية قمع التظاهرات إن العملية كانت "ممنهجة".

ويوضح "قبل اندلاع المواجهات، كانت هناك قنوات فضائية عراقية تغطي تجمع المتظاهرين في ساحة التحرير (وسط بغداد) مباشرة، إلا أن القوات الأمنية المتواجدة في محيط الساحة، أعلمتها بتوقيف البث، وبعدها حدث كل شيء".

وتعليقاً على ما نُشر حول تهجم عدد من المتظاهرين على عناصر القوات الأمنية، قال منتظر إن هذا "لم يحصل".

وكان نشطاء عراقيون قد قالوا إن "مندسين" بين المتظاهرين "هم من قام بالاعتداء على عناصر الأمن، بهدف تصعيد العنف وإنهاء الاحتجاج".

متظاهر آخر، كان في ساحة التحرير، يُدعى أحمد، قال "أنا من الكوت وذهبت للتظاهر في بغداد، لكن بحلول المساء خرجت من التحرير عائداً لبيتي، إذ ليس لدي أصدقاء للمبيت عندهم، ولكن على بُعد نحو 600 متر فقط من الساحة، مررت بحاجز للقوات الأمنية، كانت تمنع أي شخص يحاول دخول التحرير، من بينهم سائقو تكاتك، وبسبب إصرارهم على الدخول، تعرضوا للاعتداء على يد عناصر الأمن".

وأكد عدد من المتظاهرين أن العنف بحقهم بدأ مع حلول الساعة السادسة مساءً، بتوقيت العراق، والهدف منه "منع البقاء في الساحة" في إشارة لتخوّف القوات الأمنية من تكرار سيناريو 2019 حيث الاعتصام المفتوح في ساحة التحرير امتد لشهور، قبل حلول جائحة كورونا، التي فرضت الهدوء النسبي.

وعبر تطبيق تلغرام، أداة التواصل الأبرز عند العراقيين لنقل الأحداث من ساحات التظاهر، توالت مقاطع الفيديو من بغداد، توثق مقتل وإصابة العديد من المتظاهرين، ووصول بعضهم للمستشفيات، بالإضافة لإصابة أحد عناصر الأمن. 

وأكدت مصادر أمنية وطبية، لوكالة فرانس برس، مقتل متظاهر واحد وإصابة 13 آخرين على الأقل، جرّاء الغاز المسيل للدموع. 

وقال مصدر طبي إن المتظاهر  قُتل "نتيجة إصابته بطلق ناري في الرقبة" بعد مضيّ نصف ساعة من وصوله للمستشفى، فيما أكد مراسل "ارفع صوتك" مقتل متظاهرين اثنين في ساحة التحرير، وسط تداول أنباء عن مقتل عدد أكبر. 

كما أصيب أيضاً خمسة عناصر أمن بجروح، حسبما نقلت فرانس برس.

وكان آلاف المتظاهرين العراقيين تجمهروا في مراكز محافظات عراقية ووسط بغداد، للمطالبة بالكشف عن قتلة المتظاهرين والنشطاء الذين استهدفوا خلال "انتفاضة تشرين" عام 2019، أو ما بعدها عبر استهدافهم بالاغتيال،  وآخرهم الناشط البارز في محافظة كربلاء إيهاب الوزني. 

كما طالب المتظاهرون بإنهاء الإفلات من العقاب، وهو ما يراه الكثيرون سبباً أساسياً في استمرار مسلسل الاغتيالات.

مقاطع فيديو توثق بعض مشاهد العنف في تظاهرات بغداد، وقام "ارفع صوتك" بالتأكد من صحتها عبر مشرفين على قنوات النشر في "تلغرام"

 

 

 

 

"التحرير تقمع" 

وفي موقع تويتر، تصدّر هاشتاغ #التحرير_تقمع الترند العراقي، نقل المغردون عبره كل ما يجري من قمع في ساحات التظاهر، موثقينه بصور ومقاطع فيديو. 

ووجه المتظاهرون الاتهام لقوات "حفظ النظام" أو ما يُعرف بقوات "مكافحة الشغب" الحكومية، باستخدام العُنف ضدهم.

 

 

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".