العراق

هل ينجح العراق في الحد من النمو السكاني؟

26 مايو 2021

منذ سنوات، وتحذيرات متتالية من مؤسسات عراقية حكومية وأهلية، من إمكانية حصول انفجار سكاني داخل العراق.

وفي آخر مرة أعلن البنك الدولي عن احتمالية وصول نسبة الفقر في العراق إلى 50%، ترددت كثيراً عبارة "النمو السكاني" في إطار السعي لتقليل النسبه التي وصلت خلال السنوات الأربع الماضية 2.6% من مجموع عدد السكان الذي تجاوز 40 مليون نسمة، حسب تقديرات وزارة التخطيط.

وانتقدت وزارة التخطيط "استمرار النمو السكاني بهذا الشكل غير المتوقع". 

وقال وزير التخطيط العراقي خالد بتال النجم "لا يمكن للعراق استيعاب تلك الزيادات وتوفير فرص العمل عبر قنوات التوظيف الحكومي".

وأوضح أن البلد "يشهد زيادات سكانية كبيرة، لا تتناسب مع حجم الموارد، لاسيما مع اتساع رقعة شريحة الشباب، التي ينبغي تحويلها إلى قوة رافعة ودافعة للتنمية، وليس عبئا على الموارد الاقتصادية".

وأكد النجم على "ضرورة الأخذ بعين الاعتبار المشاكل الديموغرافية الناجمة عن وجود تنظيم داعش الإرهابي، فيما يتعلق بقضية النازحين". 

 

دينياً وعشائرياً

وقررت اللجنة الوطنية للسياسات السكانية، إعداد الوثيقة الوطنية للسياسات السكانية في العراق ومتابعة تنفيذها، ودعم تنفيذ التعدادات والمسوح السكانية للحصول على المعلومات الدقيقة وأحدث البيانات.  

ولكن تلك المساعي ستظل متلكئة وغير مجدية تجاه التحديات التي تواجهها البلاد، كما تقول الناشطة الحقوقية نادية عبد لـ "ارفع صوتك".

وتضيف، أن "الحد من زيادة السكان، يعني الخوض في النواحي الدينية والعشائرية التي تستند على فكرة إنجاب المزيد من الأطفال". 

وتأتي التشريعات الدينية التي ترفض تحديد النسل وتحرم الإجهاض متناغمة مع التوجهات العشائرية التي تدعو أفرادها الى إنجاب المزيد من الذكور لتعزيز سلطتها، حسب عبد.  

وترى أن "الأولوية" هي استيعاب النمو السكاني قبل التفكير في الحد منه، وذلك لأن مسألة تحديد النسل من الأمور الاجتماعية الخطيرة التي بحاجة لخطط مدروسة وحكيمة، وليست مسألة قرارات أو تحذيرات فقط.

 

مبالغ تشجيعية

في المقابل، اقترحت لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية، منح مبالغ تشجيعية بهدف التحفيز على تنظيم النسل.

وقالت نائبة رئيس اللجنة انتصار الجبوري، إن "الكثير من البحوث والدراسات والنقاشات أشارت إلى إمكانية حصول انفجار سكاني خلال السنوات المقبلة في البلد، يقابلها ضعف إدارة الإمكانات والمالية والثروات، ما ينعكس سلبياً على واقع المجتمع بزيادة حالات الفقر، مقابل زيادة في أعداد الأسر التي تعيش تحت هذا المستوى".

وأضافت أن "من واجب المؤسسات والدوائر المعنية التي تهتم بالموضوعات الاقتصادية وضع حدٍ لموضوع الزيادة السكانية غير الطبيعية"، مستدركة "بعض الجهات تمنع وضع الحلول كونها تدخل في جوازها وشرعيتها دينيا".

وبينت الجبوري أن "العراق جزء من هذا العالم الذي يدعو دائماً إلى تنظيم الأسرة، التي باتت في الوقت الحالي لا تستطيع إعالة ثلاثة أطفال، في حين لو كان لديها طفل واحد أو اثنان يمكن أن ينعكس على واقع التربية والصحة والخدمات وغيرها مما يحتاجه المواطن". 

وشددت على "ضرورة أن تكون هناك مبالغ تشجيعية لتحفيز الأسر على التنظيم، من خلال وضع سياسات محكمة لذلك"، متوقعة أن تتجه الحكومة إلى مثل هذه الطرق لاحقاً.

 

تعديل القوانين

من جهتها، لا تتفق الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي، مع مقترح لجنة المرأة والأسرة والطفولة النيابية في منح مبالغ تشجيعية بهدف التحفيز على تنظيم الأسرة.

تقول لـ "ارفع صوتك" إن منح مبالغ تشجيعية "فرصة للفساد المالي والإداري، وقد يتسبب بمشكلات كثيرة بالمجتمع". 

كما ترى أن هذه المبالغ قد تسبب "ضياع حقوق من لهم الأولوية باستلام هذه المنحة، كما حدث ويحدث دوماً في مثل هكذا مشاريع حكومية". 

وتشير الصالحي في نهاية حديثها، إلى أهمية تعديل بعض القوانين النافذة في قضايا الأسرة، مثل قانون يسمح للنساء بالإجهاض الذي يعد جريمة وفق المادة (417) من قانون العقوبات العراقي.  

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".