العراق

كيف يمكن النهوض بالصناعات العراقية؟

02 يونيو 2021

خاص- ارفع صوتك

يأمل العراقيون مع كل خطوة تجريها الحكومة باتجاه إحياء الصناعة، بعودة العراق إلى مصافي الدول الصناعية، لتشغيل عشرات الآلاف من الأيدي العاملة، والتقليل من حجم الاستيراد الذي يراه بعض المراقبين "احتلالاً اقتصادياً".  

وقبل أيام، افتتحت وزارة الصناعة والمعادن مشروعاً لإنتاج "بطاريات بغداد"، بسعة بلغت 500 ألف بطارية سنوياً. 

وحسب مختصين، فإن البطاريات ستكون "بمواصفات عالمية وبضمان مُدته 6 أشهر، كما أن أسعارها تنافسية".

وبينما لاقت هذه الخطوة ردود أفعال إيجابية لدى الأوساط الاقتصادية والمهتمين بدعم الإنتاج المحلي، عاد السؤال ذاته الذي ردده الكثير من العراقيين طيلة 18 عاماً "من يقف ضد قيام ثورة صناعية في العراق؟". 

 

أرض السواد "عاجزة"

يقول علي عبدالحسين (64 عاماً)، وهو موظف متقاعد في وزارة الصناعة، ويعمل حالياً في الحدادة "كنت أعمل ضمن الشُعب المسؤولة عن إحصاء عدد المعامل في العراق والمساهمة في نجاحها، خصوصاً بعد الحصار القوي الذي ضرب البلد بعد اجتياح الكويت". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "نحو 200 ألف معمل ومصنع في العراق كان يعمل بوتيرة واحدة قبيل أيام من دخول القوات الأميركية إلى العراق عام 2003، وبعد الهرج والمرج الذي رافق الغزو وانهيار الدولة، بدأت عمليات الاغتيال المنظمة تطال رجال الأعمال والعقول المنتجة وأًصحاب المعامل في البلاد". 

"سيطرت جهات مسلحة على ملفات المعامل والصناعة العراقية، وحصلت بالقوة على الأرشيف الخاص بوزارة الصناعة، وحتى الآن لا نعرف ما هي الجهة المستفيدة من أخذ الملفات الخاصة بالعقود العراقية لتشغيل معامل الإنتاج والمصانع التي كانت واحدة من أهم عوامل إنقاذ الاقتصاد حينها"، يتابع عبدالحسين.

ويرى أن العراق، الملقب بـ"أرض السواد" وفيه النفط ونهرا دجلة والفرات "عاجز عن إنتاج أعواد ثقاب!"، وهذا بسبب "الأحزاب السياسية والصراع على المناصب وشراء الذمم والصفقات الفاسدة كلها، حيث قتلت الصناعة الحرة"، وفق تعبيره.

ويوجد حالياً في العراق صنفان من معامل القطاع العام، تتمثل بـ 285 معملاً منها 85 معملاً معطّلاً، و72093 مشروعا صناعياً خاصاً، جميعها متوقف عن العمل، بانتظار وضع الوزارة لخطط جديدة لإعادة تشغليها، من أجل رفد خزينة الدولة بمزيد من الأموال، وتشغيل الآلاف من الأيادي العاملة، كما تقول وزارة الصناعة والمعادن.

 

"احتلال اقتصادي"  

يقول سيركو شكري، وهو صاحب معمل لإنتاج أكياس النايلون وعبوات المياه، إن الزبون يأتيه وهو  "محمّل بعروض شتى يقدمها له أصحاب الشركات الخاصة باستيراد البضائع التي ننتجها هنا في منطقة بوب الشام، لذا فهو يخيرنا إما أن نبيع له بأسعار أقل من العروض التي يتلقاها، أو يشتري منهم، لأن بضاعتهم جاهزة بأسعار أقل من الإنتاج المحلي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "هذا احتلال اقتصادي، فإغراق السوق العراقية بالبضائع المستوردة لا يعطي أي حافز للنهوض  بمنتوجاتنا، وأسعار صرف الدولار ارتفعت كثيراً عن السابق، كما ارتفعت أسعار المواد الأولية". 

ويتابع شكري: "إيران سيطرت بجدارة على السوق العراقية، نتيجة هيمنة الأحزاب والجهات التي تسعى لخدمة دول الخارج أكثر من الداخل، فالحكومات المتعاقبة، ورغم مئات المليارات من الدولارات، لم تساهم ولو بجزء بسيط في إعادة الهيبة للاقتصاد العراقي، بل على العكس عملت على تدميره وإنهاء أي أمل بالعودة كما كان سابقاً". 

ووفقاً لوزارة التخطيط، فإن مجموع واردات العراق خلال عام 2018 بلغ، أكثر من 36 مليار دولار، فيما جاء العجز التجاري بقيمة 33 مليار دولار للبضائع والسلع غير التجارية. 

ويؤكد وزير الصناعة والمعادن منهل عزيز الخباز، في تصريحاته الصحافية، وعبر بيانات وزارته، من أن الصناعة لديها  خطة مدعومة من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لتطوير الصناعة العراقية، بعيداً عن ضغوطات الأحزاب والكتل السياسية.  

 

"صنع في العراق" 

في إحدى المقابلات المتلفزة، كشف الخباز عن وجود حرب معلنة بين كبار التجار داخل العراق، تؤثر بشكل مباشر على تطوير الصناعة المحلية وانتشالها من واقعها المرير. 

ولفت الوزير إلى أن "الحرب الدائرة بين التجار العراقيين تهدف إلى منع تقدم العراق اقتصاديا خدمة لأجندات ومصالح شخصية". 

وعبر بيان رسمي، اطلع عليه "رفع صوتك"، أعلنت خلية الإعلام الحكومي، إنجاز 98% من المدينة الصناعية في ذي قار. 

وقالت إن "وزارة الصناعة والمعادن وضعت خطة هادفة ضمن المشروع الوطني لإعادة تأهيل وتشغيل المعامل والمصانع المتوقفة في عموم البلاد، بعد أن تبنت حملةً لتحقيق الشعار (صنع في العراق)، من أجل إعادة إحياء الصناعة العراقية وتعزيز الإنتاج المحلي". 

وأوضح البيان، أن "الوزارة استطاعت خلال الأشهر الستة الأخيرة من سنة 2020 تحقيق تقدم ملموس في تنفيذ منهاجها الحكومي وعدد من الإنجازات للنهوض بالصناعة العراقية وإنعاشها من جديد من خلال تنفيذ خطة تأهيل المعامل المتوقفة البالغة 83 معملا". 

وأشار إلى أن "الخطة تكون على ثلاث مراحل: قصيرة الأمد وشملت (17) معملاً ، ومتوسطة الأمد شملت (24) معملاً، وبعيدة الأمد شملت (42) معملاً، إضافة إلى إنشاء خطوط إنتاجية ومشاريع جديدة ودعم رواد الأعمال والخريجين العاطلين عن العمل ومنح إجازات التأسيس وتخصيص قطعِ أراضٍ للمشاريع الصناعية وتنويع وزيادة منتجات وزارة الصناعة فضلاً عن دعم المشاريع والصناعات المتوسطة والصغيرة، والسعي لتفعيل قوانين حماية المنتجات المحلية والتعرفة الجمركية وإقامة معرض (صنع في العراق)، وإعادة تقويم المشاريع والعقود الاستثمارية وتشجيع ودعم الاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص المتمكن والكفء وغيرها". 

وتابع البيان "الوزارة عملت على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتبني مشروع لدعم الشباب والخريجين، من خلال تحويل الأفكار الريادية للشباب الخريجين إلى مشاريع إنتاجية بتبسيط الإجراءات لمنح إجازات تأسيس المشاريع الصناعية إذ تم منح إجازة تأسيس لـ(416) مشروعاً صناعياً بمختلف المجالات منها (131) مشروعاً للشباب الخريجين ومنح (8) قروض من خلال المصرف الصناعي وتوفير المواقع لـ (7) مشاريع صناعية بأجور رمزية واعادة تأهيل وتشغيل وافتتاح (11) مشروعاً صناعياً من أصل (17) معملاً ضمن الخطة قصيرة الأمد شملت خطوطاً ومعاملَ لإنتاج الكرات الفولاذية وغاز الأوكسجين والأنابيب ومنظومات الري بالرش المحوري والسمنت والمنتجات الأسفلتية في عموم المحافظات وغيرها ما أسهم بتشغيل (608) موظفين فيها". 

وأشار إلى مضيّ الوزارة في تنفيذ خطتها لتأهيل وتشغيل باقي المعامل، كما حققت "تقدماً ملحوظاً" في توفير المنتجات المحلية من خلال شركاتها المختلفة والتي بلغت (816) منتجاً توزعت بواقع (356) منتجاً في مجال  الأدوية و (311) منتجاً نسيجياً و (149) منتجاً متنوعاً.

كذلك استطاعت تحقيق تقدم في تنفيذ مشاريع المدن الصناعية حيث وصلت نسبة إنجاز المدينة الصناعية في محافظة ذي قار إلى (98%) وتنفيذ نسبة (65%) من مشروع المرحلة الأولى للمدينة الصناعية في محافظة الأنبار، فضلاً عن نسب الإنجاز المتقدمة لمدينتي البصرة ونينوى الصناعيتين.

كما أورد البيان أن "الوزارة عملت على إعادة تقويم المشاريع الاستثمارية المتلكئة والمتوقفة وتفعيل العمل بالمشاريع الإنتاجية لتوفير المنتجات المحلية وتعظيم الإيرادات، إذ نفذت الوزارة (145) مشروعاً،  المستمرة منها (42) مشروعاً و (24) مشروعاً وصلت نسب إنجازها إلى ما بين (50 – 90%) و (43) مشروعاً وصلت نسب إنجازها إلى أكثر من (90%) و (36) مشروعاً بنسب إنجاز دون الـ (50%) فضلاً عن تنفيذ خطط أخرى للإنتاج من خلال تقليل المصروفات وزيادة الإيرادات ومعالجة الفائضين ودعم الصناعات التحويلية والستراتيجية كالصناعات البتروكيمياوية وتشغيل معامل الحديد والصلب وبناء القدرات والإصلاح الإداري وغيرها".  

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.