العراق

في يوم البيئة العالمي.. إصلاح النظام البيئي العراقي "أشبه بالمستحيل"

05 يونيو 2021

يحيي العالم في الخامس من يونيو كل عام، الموافق السبت، اليوم الدولي للبيئة لتعزيز الوعي والعمل من أجل البيئة.

وركزت الأمم المتحدة في العام الحالي 2021 على استعادة النظام البيئي الذي يعني منع ذلك الضرر وتغيير عواقبه، انتقالا من استغلال الطبيعة إلى علاجها تحت شعار(إعادة التصور. إعادة الإنشاء. الاستعادة).

وبحسب الأمم المتحدة سيكون هذا العام هو بداية المهمة العالمية في إحياء مليارات الهكتارات من الغابات والأراضي الزراعية، من أعالي الجبال إلى أعماق البحار.إ ذ يمكننا من خلال النظم البيئية الصحية فقط تعزيز سبل عيش الناس ومواجهة تغير المناخ ووقف انهيار التنوع البيولوجي.

 

"أشبه بالمستحيل"

لكن مع الانتهاكات الخطيرة التي تواجه النظام البيئي في العراقي يقول الخبير البيئي حسن علوان إن إمكانية استعادة النظام البيئي ومعالجة الضرر "أشبه بالمستحيل". 

"التلوث البيئي في البلاد، يتعاظم يوماً بعد آخر جراء النشاطات البشرية الضارة ولا توجد مساعي جادة أو دراسات وحلول حكومية والرصد البيئي لإيقافه على مستوى الأرض أو الهواء والمتمثل بالغازات الكيميائية والانبعاثات السامة والنفايات البيولوجية والضوضاء وغير ذلك"، يؤكد علوان لـ"ارفع صوتك". 

ويرى أن المشكلة أيضا ناجمة عن "قلة الوعي بأهمية الحفاظ على بيئة سليمة والممارسات الخاطئة التي يرتكبها الأفراد بحق المساحات الخضراء وتسببت بالجفاف والتصحر، فضلا عن المتاجرة بالحيوانات والطيور البرية". 

وتشكل مساحة الأراضي المهددة بالتصحر في العراق ما يقارب (94.3) مليون دونم، بينما مساحة الغابات الكلّية (الطبيعية والاصطناعية) عدا المياه الإقليميةفتشكل (1.6) مليون دونم، بحسب مؤشرات الإحصاءات البيئية للعراق (المؤشرات الزراعية) لسنة 2019.  

في المقابل، فان التخصيصات السنوية للقطاع البيئي لا تتناسب مع حجم الدمار والتدهور الحاصل في البيئة، كما يقول علوان. 

وكانت اللجنة الوطنية للتنمية المستدامة (2030) لوزارة التخطيط، قد أشرت العديد من الأسباب التي أدت إلى التلوث البيئي في العراق منها ازدياد اعداد السكان (الضغط السكاني) الذي بحاجة الى موارد الغذاء والطاقة والإسكان والماء وتزايد الضغط على البيئة نتيجة زيادة المخلفات والفضلات الصلبة والسائلة واتباع السكان ممارسات تهدد استمرار الحياة في النظم البيئية مثل قطع الأشجار والاحراش وتدهور التربة والصيد الجائر للحيوانات والطيور البرية والرعي الجائر وعدم توفر انظمة وتقنيات مناسبة للري والبزل.

وكذلك ضعف الوعي البيئي على النطاق المجتمعي (افراد ومؤسسات) فقد لوحظ ضعف مستوى الوعي الجماهيري على الرغم من الجهود الحثيثة التي تقوم بها وزارة البيئة ودوائر واقسام البيئة في مختلف الوزارات وكذلك منظمات المجتمع المدني وان اهم اسباب هذا الضعفيعود إلى حداثة مفهوم الوعي البيئي في المجتمع العراقي وانحسار مفهوم الوعي البيئي الفردي والمؤسساتي نتيجة للأولويات الاقتصادية والامنية السائدة في الظروف الحالية، وعدم دمج البعد البيئي في الإطار التربوي الذي يهدف الى رفع الوعي البيئي لدى جميع مستويات المجتمع، واتباع المجتمع والافراد انماط سلوكية شائعة ذات اثار سلبية على البيئة والصحة.

 

قانون حماية البيئة

غير أن كل هذه المخاطر تعتمد اعتمادا كبيرا على تفعيل دور القانون للحد منها، يقول القانوني وعد حميد لـ "ارفع صوتك" إننا لن نتمكن من حل مشكلة التلوث البيئي المتعلقة بالنشاطات البشرية إلا بالمحاسبة وفق قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لعام 2009، لكل من يخل بالتوازن البيئي. 

لكنه يعود ويضيف أن "وجود التشريعات القانونية لا يعني بالضرورة تنفيذها، وهو ما يحدث دائما في البلاد. الأمر الذي يعكس التدهور الحاصل في النظام البيئي".

"لو تخلصنا من الفساد المالي والإداري المستشري في المؤسسات الحكومية، لكان للقوانين دور فعال في الحد من الكثير من الانتهاكات والتجاوزات الخطيرة ومنها الاخلال بالتوازن البيئي في البلاد"، وفق تعبيره.

وينص قانون حماية وتحسين البيئة رقم (27) لسنة 2009 في المادة (33) أولاً: للوزير أو من يخوله إنذار أية منشأة أو معمل أو أي جهة أو مصدر ملوث للبيئة لإزالة العامل المؤثر خلال (10) عشرة أيام من تاريخ التبليغ بالإنذار وفي حالة عدم الامتثال فللوزير إيقاف العمل أو الغلق المؤقت مدة لا تزيد على (30) ثلاثين يوما قابلة للتمديد حتى إزالة المخالفة.

ثانياً: مع مراعاة الأحكام المنصوص عليها في البند (أولا) من هذه المادة للوزير أو من يخوله ممن لا تقل وظيفته عن مدير عام فرض غرامة لا تقل عن (1000000) مليون دينار ولا تزيد على (10000000) عشرة مليون دينار تكرر شهريا حتى إزالة المخالفة على كل من خالف أحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات والبيانات الصادرة بموجبه. 

أما المادة (34) أولاً: مع عدم الإخلال بأية عقوبة اشد ينص عليها القانون يعاقب المخالف لأحكام هذا القانون والأنظمة والتعليمات والبيانات الصادرة بموجبه بالحبس لمدة لا تقل عن (3) ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن (1000000)   مليون دينار ولا تزيد على (20000000) عشرين مليون دينار أو بكلتا العقوبتين.

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".