العراق

في العراق .. خسائر الحرائق تزداد في ظل غياب ثقافة التأمين

14 يونيو 2021

شهد العراق خلال السنوات القليلة الماضية ارتفاع معدلات الحرائق في الأملاك العامة والخاصة.
وتعزو مديرية الدفاع المدني أسباب هذا الارتفاع إلى عدم الالتزام بشروط السلامة والأمان الواجب اتباعها للوقاية والحد من هذه الحرائق، إضافة إلى المخالفات الفنية لمعايير الأمان.

ويقول مدير الدفاع المدني اللواء كاظم بوهان لموقع (ارفع صوتك)، إن "ارتفاع معدلات الحرائق في العراق يعود إلى وجود العديد من المخالفات التي ساعدت على انتشار الحرائق، ومنها عدم اعتماد المعايير الهندسية في بناء المنشأت والمؤسسات العامة والخاصة، إضافة إلى تذبذب التيار الكهربائي نتيجة اعتماد ملايين العراقيين على توفير الطاقة الكهربائية من المولدات الأهلية".

ويشير بوهان إلى أن "انتشار المجمعات والأسواق العشوائية وافتقارها إلى شروط السلامة والأمان والدفاع المدني، أسهم كثيرا في اتساع نطاق الحرائق التي خلفت خسائر مادية كبيرة".

ويؤكد مدير الدفاع المدني "أهمية رفع الوعي المجتمعي بضرورة الالتزام بمعايير وشروط السلامة والدفاع المدني لدى المواطنين بشكل عام، إضافة إلى اصحاب المجمعات والمنشات الخاصة، تلافيا لحدوث الحرائق وتجنب الخسائر المادية والبشرية".

ويتابع أن "رفع المخافات والالتزام بشروط السلامة كفيل بتقليل الحرائق وتجنب مخاطرها".
غياب ثقافة التامين

وأمام ارتفاع معدلات الحرائق في العراق والتي تسببت بالأضرار المادية الكبيرة للمواطنين، خصوصا أصحاب المجمعات التجارية التي أتت النيران على ممتلكاتهم وبضائعهم، لا تزال ثقافة التامين على الحياة أو الأملاك ضعيفة أو تكاد لا تذكر برغم وجود العشرات من شركات التأمين في البلاد.

وتقول القائمة بأعمال شركة التامين الوطنية إسراء صالح لموقع (ارفع صوتك)، إن "العراق من البلدان الرائدة في المنطقة في تأسيس شركات التأمين، وتنتشر في العراق نحو سبعة وعشرين شركة تعود للقطاع الخاص، إضافة إلى وجود شركات وساطة التأمين وممثلين لشركات تأمين عربية وأجنبية، فضلا عن وجود ثلاثة شركات حكومية عائدة إلى وزاة المالية، لكن وبرغم هذا العدد الكبير من الشركات لاتزال ثقافة التأمين ضعيفة لدى العراقيين".

وتعزو صالح أسباب تراجع ثقافة التأمين على الحياة والأملاك في العراق إلى "تدهور الاقتصاد وضعف الواقع المعاشي للمواطنين الذين يعجزون عن تسديد أقساط التأمين للشركات سواء الحكومية أو الخاصة".

وتتابع "إضافة إلى ضعف السياسات الحكومية وقدم المنظومات التشريعية التي من شأنها أن تسهم في  النهوض بواقع شركات التأمين، بوصفها شريكا اقتصاديا مهما يساعد في تعظيم واردات الدولة".

وتضيف صالح، أن "شركات التأمين في العراق تعاني من ضعف السياسات التسويقية، وأنها تتعامل مع عروض التأمين التقليدية التي لم تعد قادرة على مواكبة التطور الحاصل في النظام العالمي للتأمين، والذي من شأنه حث المواطنين على ضرورة اللجوء إلى شركات التأمين لضمان حقوقهم في التعويض عن أية خسائر مادية أو بشرية يتعرضون لها جراء الحوادث".

وبرغم تراجع ثقافة التامين لدى الكثير من العراقيين، لكن وبحسب إحصائيات شركة التأمين الوطنية العراقية، تم دفع نحو ستة مليارات دينار كتعويضات للمواطنين عام 2019 عن مختلف الحوادث، فيما دفعت الشركة نحو أربعة مليارات دينار كتعويضات خلال العام الماضي.

الأوضاع الاقتصادية

وشهد العراق تراجعا ملحوظا في الأوضاع الاقتصادية طيلة السنوات الماضية نتيجة غياب الاستقرار الأمني والسياسي في البلاد، الأمر الذي انعكس بشكل واضح على الواقع المعاشي لملايين العراقيين الذين يعانون من ارتفاع معدلات البطالة.

ويعيش نحو 30% منهم تحت خط الفقر بحسب الاحصائيات الرسمية، وتعد هذه الأسباب مقدمات منطقية لتراجع ثقافة التأمين في العراق.

ويرجع مواطنون أسباب عدم لجوئهم إلى التأمين على ممتلكاتهم إلى "اتساع فجوة الثقة بينهم وبين السياسات الحكومية التي لا تولي اهتماما واضحا لضمان حقوقهم، إضافة إلى تراجع أساليب الترويج الدعائية لشركات التامين، فضلا عن ضعف مواردهم المالية التي لا تمكنهم من توفير مبالغ التأمين التي قالوا بأنها مرتفعة جدا قياسا بمدخولاتهم الشهرية".

وكانت الحرائق قد تسببت بخسائر كبيرة في الممتلكات العامة والخاصة إضافة إلى حقول الحنطة والشعير والبساتين.

وألقت الجهات المختصة بأسبابها إلى ضعف الالتزام بشروط السلامة والأمان.

كما حددت ارتفاع درجات الحرارة التي تصل معدلاتها إلى خمسين درجة مؤية خلال فصل الصيف من مسببات الحرائق، خصوصا التي طالت المحاصيل الزراعية في عدد من الحقول.

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.