صورة قديمة للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، متداولة في مواقع التواصل.
صورة قديمة للشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، متداولة في مواقع التواصل.

يستعيد آلاف العراقيين، اليوم الجمعة، في داخل البلاد وخارجها، صور وصوت وابتسامة وكلمات الشاعرة العراقية، لميعة عباس العمارة، التي توفيت عن عمر 92 عاماً، بعد أسابيع على تدهور حالتها الصحية. 

وكان نجلها زكي مبارك، نقل خبر وفاتها عبر صفحته في فيسبوك.

وقال في منشورات سابقة إنها "دخلت في غيبوبة ليلة أول أيام عيد الفطر المبارك، بسبب مشاكل في جهازها الهضمي وضعف بنيتها وقلة الأكل"، وبعد يومين أعلن استعادتها للوعي. كان ذلك في منتصف مايو الماضي. 

وكتب مبارك "ببالغ الأسف و الأسى أنبئكم بوفاة والدتي، الشاعره لميعة عباس عمارة. خسارة لكل من عرفها من العراق و كل الدول العربيه و العالم، الذين أحبتهم و أحبوها (....) هي التي بذرت فينا مخافة الله، و محبة الناس، و احترام كل خلقه".

وتصدر هاشتاغ #لميعة_عباس صفحات العراقيين في تويتر وفيسبوك، الذين احتفوا بشعرها وتميّزها، وبصمتها في الشعر العراقي الحديث، باعتبارها "شاعرة الأنوثة" على حد وصف الكثيرين. 

 

 

 

 

من هي لميعة عباس؟

ولدت الشاعرة لميعة عباس عمارة، لعائلة صابئية مندائية في منطقة الكريمات وسط البلدة القديمة في العاصمة بغداد،  عام 1929. وجاء لقبها "عمارة"، لأن والديها من مدينة العمارة في محافظة ميسان شرق العراق.

حصلت على شهادة الثانوية العامة في بغداد، وبعدها على إجازة دار المعلمين العالية سنة 1950، وعينت مدرسة في دار المعلمات.

تخرجت في دار المعلمين العالية سنة 1955، وهي ابنة خالة الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، وكتب عنها في مذكراته الكثير. (موقع المعرفة)

ومما كتبه عبد الواحد عن عمارة "على الرغم من أن لميعة لم تكن تكبرني بأكثر من ثلاث سنوات، فقد استطاعت بسرعة فائقة، وفي سنّ مبكرة جداً، أن تلفت إليها الأنظار، ثم أن تحتل بعد ذلك مكانة مرموقة على صعيدَي الإبداع والدراسة، وعلى صعيد الحياة الاجتماعية كذلك".

صورة قديمة تظهر فيها على اليسار الشاعرة لميعة عباس، ووالدها على كتفه الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

وكانت عمارة، عضوة الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء العراقيين في بغداد (1975 – 1963)، وعضوة الهيئة الإدارية للمجمع السرياني في بغداد، والنائبة الممثلة الدائمة للعراق في منظمة اليونسكو في باريس (1973-1975)، وفي عام 1974 منحت درجة "فارس" من دولة لبنان. 

وبدأت الشاعرة كتابة الشعر في وقت مبكر من حياتها منذ أن كانت في الثانية عشرة، ترسل قصائدها إلى الشاعر المهجري إيليا أبو ماضي الذي كان صديقاً لوالدها.

ونشرت لها مجلة "السمير" العراقية أول قصيدة وهي في الرابعة عشر من عمرها، وعززها أبو ماضي بنقد وتعليق مع احتلالها الصفحة الأولى من المجلة، مستبشراً بها في "نهضة شعرية" داخل العراق. (موقع المعرفة).

وفي مقابلة لعمارة مع مجلة "جدلية"، نُشرت في 2015، تحدثت عن بعض محطات حياتها والصداقة القوية التي ربطتها بالشاعر العراقي بدر شاكر السيّاب، وأيضاً عن دورها في الحياة السياسية داخل البلاد.

وقالت عمارة باعتبارها يسارية، خلال المقابلة "أنا مع الحرية، مع الديمقراطية، مع الديمقراطية المفتوحة وليس الديمقراطية الاستعمارية. أنا ضد أي حزب لأني أدافع عن الطرف الآخر دائماً. مثلاً القوميون، لا أؤمن برسالتهم، من غير الممكن أن أقبل بغير عراقي يحكم العراق".

"أنا ضد انتماء الشاعر لحزب. الشاعر حر والحزبي ببغاء، الشاعر قيادي والحزبي مُقاد. ثم أنا لا أؤمن بمبادئ الشيوعية لأنها ضد غريزة الإنسان ضد صفتين إنسانيتين، صفة التملك وهي غريزة تظهر عند الإنسان منذ الطفولة، وصفة العبادة وهي فطرة يستوي فيها الجاهل والمتعلم.  لماذا نرفض الغريزة والفطرة الإنسانية؟ فعلاً انتهى الاتحاد السوفييتي ليس فقط بسب التدخلات الخارجية، ولكن لأنه ضد طبيعة الإنسان" تابعت عمارة.

وعن تعرضها للتمييز الديني باعتبارها من الصابئة المندائية في بلد تعداده الأكبر من المسلمين، قالت عمارة "طبعاً تعرضت للتمييز العنصري وإن كان مُبطناً. مثلاً كان يُسمح للصابئة في المدارس والجامعات بنسبة 2%  فقط. أنا مثلاً وآخر درسنا والبقية في الشارع، والصابئة يتمركزون في الجنوب بالأخص في العمارة، بهذا القرار تكون نسبة المندائين المتعلمين في العراق 2% فقط وهذه سياسة مُتعمدة". 

وعن عائلتها، قالت عمارة لمجلة "جدلية": "كانوا صاغة ذهب وفضة أباً عن جد، واحترفوا المهنة منذ قديم الزمن. والدي لم يكتف بمتجري صياغة في العراق، واحد في المعسكر الإنكليزي المسمى معسكر الهنيدي (معسكر الرشيد لاحقاً) وآخر في شارع النهر في بغداد، إنما أخذ الصياغة العراقية إلى أنحاء العالم وحصل على جوائز عالمية".

وأضافت "حتى هنا في المهجر في مدينة سان دييغو هناك أكثر من صائغ مندائي. الصابئة المندائيون يواكبون التطور، مثلا الطقوس الدينية كانت صعبة والأهل كانوا متشدّدين وأنا شهدت وعشت هذا ثم حدثت تسهيلات كثيرة لتواكب العصر. جدي كان من رُؤساء الطائفة. أنا من سلالة نظيفة إن صح التعبير".

وعاشت عمارة آخر سني حياتها في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية، ووصفت نفسها هناك بأنها "امرأة بلا ماض".

قالت "أعيش حياة بسيطة مع أولادي وأخواتي وعوائلهم. السكن والمكان متواضع وبسيط، شقة بغرفة نوم واحدة وراتب أميركي. أعتز أني لم أكن أداة بيد أي طرف. كتبت ما ألهمت ولم أكتب رغبة غيري. ارتضيت الحياة البسطة هنا في الغربة. تركت كل ما أملك ورائي في العراق ولم أحمل إلا القليل. كتبي، التذكارات التي أهديت لي من شعراء وأدباء عرب كلها ذهبت. حتى صوري وصور العائلة المعلقة على جدران بيتنا سُرقت. أنا امرأة بدون ماض.".

وأوضحت عمارة "هذا التاريخ الطويل الذي حمل اسم العراق في محافل الأدب والشعر انتهى به المطاف للعيش تحت رحمة تقاعد خدمة المسنين الأميركي".

 

ما الذي يوحد العراقيين؟

من خلال حديثها عن العراق، رأت عمارة أن التغيير يبدأ من الجذر، وأن هناك أرضاً خصبة في العراق لنمو الفرقة والرغبة بالهدم بدل البناء، وهو ما جعله مكاناً مناسباً لتنظيمات إرهابية مثل داعش.

 وفي هذا استشهدت بمقولة لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي "سلطة الاستعمار تسيطر على الوزير العراقي والوزير يطلع حرقته بالموظف والموظف بزوجته والزوجة بأطفالها وهكذا تستمر سلسلة من القسوة والعنف".

وهذا لا ينفي حبها للعراق والثقافة التي ترعرت عليها سواءً في بغداد أو في العمارة، ولاحقاً حين اتسعت رقعة معرفتها بالعراقيين الذين قرأت لهم الشعر وأحبوا شعرها وأحبوها، كلمة وصوتاً ووجهاً جميلاً.

وقالت عمارة في لقاء "جدلية" نفسه: "أنا عراقية وأخلاقي عراقية ولكن أقول عندنا قسوة وحب للتهديم. عندنا لطف أيضاً والكثير منه ولكن يجب أن نواجة الحقيقة".

وفي هذا الفيديو تتحدث عمارة عن محبتها وذكرياتها في العراق:

واليوم عند رحيلها، طغى هذا اللطف، واختفت القسوة، وكأن العراق كله واحد، حيث احتفى آلاف العراقيين بشعرها وجمال شخصها.

وفي مراقبة الصفحات العراقية على مواقع التواصل، نجد الكثير من أسباب التفرقة والجدل، لكن الأيام الأخيرة، وحدتهم ثلاث مرات بشكل لافت، أولاها عند رحيل الشاعر سعدي يوسف،  ثم أثناء متابعة مباراة كرة القدم بين المنتخب العراقي "أسود الرفدين" والمنتخب الإيراني، واليوم بعد رحيل الشاعرة لميعة عباس.

ويتزامن كل ذلك مع احتفاء عراقي كبير بمعرض بغداد الدولي للكتاب (10-20/6/2021) الذي يستضيف المئات من دور النشر العراقية والعربية والأجنبية.

ورغم بروز انتقادات بين الفينة والأخرى لحال الأدب العراقي والثقافة بشكل عام، إلا أن أكثر المتفاعلين مع الإنجازات الأدبية هم من الجيل الشاب، الذي يعاني أساساً من سطوة المليشيات والصراعات السياسية، التي تتسبب في غياب الاستقرار الأمني وتداعي الحال الاقتصادي في البلاد، كأن الأدب والفن والرياضة، ملجأ العراقي الوحيد من أزماته الحادّة.

ويجدر الذكر هنا، أن أحد أبرز شخصيات "انتفاضة تشرين" وملهم الآلاف من العراقيين المشاركين والمؤيدين لاحتجاجات 2019 وما بعدها، كان شاعراً ورساماً وهو صفاء السراي، وحدث ذلك بعد مقتله في 28/10/2019.

وربما معظم من تأثر بصفاء لم يعرفه سابقاً، لكن سيرة حياته ومنشوراته في مواقع التواصل والقصص التي رواها أصدقاؤه عنه، كانت سبباً رئيساً في اعتباره "أيقونة الثورة"، كما أطلق عليه.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".