العراق

تحذيرات من تفاقم أزمة "التلوث وملوحة المياه" في البصرة.. ما الحل؟

29 يوليو 2021

خاص- ارفع صوتك 

بينما تطفو محافظة البصرة جنوبي العراق على بحر من النفط، يعاني نصف سكانها من الفقر المدقع، و يهاجم مرض السرطان نحو أكثر من 2000 مواطن بصري سنوياً بسبب الانبعاثات النفطية والمخلفات الحربية، ليتحول الكنز الأسود الهائل إلى نقمة تهدد حياة ملايين المواطنين.   

وفي بيان سابق، حذرت مفوضية حقوق الإنسان، من ارتفاع نسبة الفقر في محافظة البصرة، وطلبت وضع خطة عاجلة لتوزيع الثروات بـ"عدالة" بين أفرادها. 

وقالت إنها "تتابع وترصد تفاقم الأوضاع الاقتصادية السيئة والزيادة المستمرة في نسبتي الفقر ودون خط الفقر في مدينة أصبح الخوض بوصف خيراتها وحجم ثرواتها لهذه الثروات لا ينفع أهلها، إلا بالمزيد من الآثار القاتلة من الأمراض والبطالة ونقص في الحرث والنسل". 

يقول الخبير الاقتصادي باسم أنطوان، لـ"ارفع صوتك"، إن "البصرة تعد مركز صناعة النفط في العراق، وتنتج نحو 3.4 ملايين برميل يومياً، كما أنها المنفذ البحري الوحيد بالعراق المطل على الخليج العربي، وهذا ما يحولها إلى واحدة من أغنى المدن في العالم". 

ويضيف "لكن فشل الحكومات والفساد المتفشي في مختلف مؤسسات الدولة وسيطرة الأحزاب على الوزارات السيادية والخدمية، وعلى صناعة القرار في العراق، حوّل النفط إلى نقمة تضرب سكان البصرة، فالسرطان والفقر وانعدام الأمن وانهيار الخدمات هو الشيء الغالب على ما كانت تعرف سابقاً بـ(عروس الشرق)". 

"وبحسب الإحصائيات الرسمية، فإن الفقر في البصرة تمكن من 40% من سكان المحافظة، لكن وعلى أثر اشتداد الأزمة الصحية بسبب جائحة كورونا التي ضربت المحافظات العراقية، فإن النسبة يمكن أن تشمل حالياً نحو 50% من سكان هذه المحافظة الغنية بالنفط، الذي لو استغل بشكل صحيح، لضاهت البصرة بعمرانها وثقافتها ومناطقها أجمل مدن العالم". يتابع أنطوان.

 

2000 إصابة بالسرطان سنوياً  

يقول أبو عمار (54 عاماً)، وهو موظف في إحدى مستشفيات المحافظة، إن "السرطان يفتك بالبصريين، ويطيح بالآلاف منهم سنوياً، وكل ما فعلته حكومة البصرة المحلية أنها أتت بجهاز حديث واحد في مستشفى البصرة لعلاج المصابين بالأمراض السرطانية، بينما ينتظر المئات في طوابير طويلة، وبعضهم قد يموت بالمرض قبل أن يكمل رحلته العلاجية". 

امرأة تحمل طفلاً في مستشفى سرطان الأطفال بالبصرة
البصرة: التلوث يقتلنا
يقول الناشط المدني عمار سرحان لموقع "ارفع صوتك": "البصرة غير صالحة للعيش، كل شيء ملوث، الأراضي الزراعية جرفت وتحولت إلى سكنية على طول شط العرب وصولاً إلى الفاو، بسبب عدم توزيع أراضي سكنية على أبناء المحافظة، بالتالي انخفضت نسبة المساحات الخضراء بشكل كبير جداً".

وفي حديث لوكالة الأنباء العراقية، قال مدير عام دائرة بيئة الجنوب، وليد حميد، إن "البصرة وحدها تسجل 2000 إصابة بالسرطان في البصرة سنوياً بسبب الشعلات النفطية التي تطلق الكثير من الغازات السامة المستخرجة". 

وأضاف أن " الغازات السامة المستخرجة تؤدي لإصابات مباشرة بسرطان الرئة والأنواع الأخرى منه". 

 وعن الحلول المتاحة للسيطرة على انتشار الأمراض السرطانية، دعا حميد  إلى "التزام الشركات النفطية المستخرجة بالمنظومات والضوابط البيئية والصحية المعتمدة، ومراعاة المعايير الصحية". 

 

كارثة التسمم  

وفي بيان صحافي اطلع عليه "ارفع صوتك"، حذرت مفوضية حقوق الإنسان من كارثة تسمم في البصرة. 

وقال عضو المفوضية، فاضل الغراوي "نحذر من ارتفاع نسبة الملوحة في شط العرب في محافظة البصرة بشكل خطير، مما ينذر بكارثة بيئية وصحية وإنسانية تلحق بسكان المحافظة". 

وأضاف أن "امتداد اللسان الملحي إلى قضاء أبي الخصيب وقلة ضخ المياه العذبة ينذر بكارثة تسمم كبيرة جدا". 

من جهتها، طالبت لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية، الحكومة والجهات المعنية بخطوات سريعة لإنعاش الأهوار قبل تلوثها وجفافها. 

وقال رئيس اللجنة سلام الشمري، إن "موسم المياه والزراعة الحالي والمستقبلي ينذر بالأسوأ نتيجة النقص الحاد في حصة العراق من المياه، التي أدت إلى جفاف مناطق كاملة وزحف التصحر عليها وعلى غيرها". 

وتابع أن "دولتي منبع النهرين والروافد تركيا وإيران لا تزالان على موقفهما من عدم الالتزام الواضح بحصص العراق التي تحتاج إلى موقف حكومي واضح للتعامل مع هذا الملف، الذي بات أزمة مستعصية دون حلول منذ سنوات عديدة". 

 

"غليان شعبي" 

يقول عفيف القريني وهو أحد وكلاء المواد الغذائية في منطقة التنومة المحاذية لشط العرب في البصرة "لم أعهد البصريين ناقمين هكذا على الوضع مثلما يحدث الآن. هناك غليان شعبي سينفجر في أية لحظة". 

ويضيف القريني (55 عاماً) لـ"ارفع صوتك": "البصريون هادئون وأطباعهم سمحة، لذلك فإن الأحزاب التي جاءت من الخارج وحكمتنا، استغلت نقطة الضعف هذه، وسلبت من البصريين حقوقهم من النفط وبقية الثروات". 

ويتابع "الشباب البصري يهرب من حر الصيف اللاهب نحو شط العرب فيصطدم بملوحة المياه اللاذعة هناك، وبين انقطاع الكهرباء وحرارة الصيف وملوحة المياه، وفساد الأحزاب، يزداد التوتر الأمني شيئاً فشيئاً، ويجعل البصرة تغلي وقد يتحول هذا الغليان إلى احتجاجات أقوى من سابقاتها". 

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".