يحمل عراقي نحو 30 شعلة يصل وزنها مجتمعة إلى 85 كيلوجراما على عارضة يثبتها على كتفيه ويمشي على دقات الطبول في مسيرة نحو ضريح الإمام علي.
تجهٍز العشائر في النجف الأشرف بالعراق المشاعل قبل إضاءتها في الموكب الذي يسير عشية يوم عاشوراء أحد أقدس الأيام في التقويم الشيعي.
قال ضرغام كريم كرماشة الذي ثبت الحقائب المصنوعة من الخيش الملفوف فوق العارضة قبل نقعها بالماء إنه اكتسب هذه المهارة وورث هذا الحب لموكب الشعلة من أجداده.
وأكد أن هذا الطقس ظهر في النجف وأُقيم للمرة الأولى في 1914. وبعد حظره في السبعينيات وطوال فترة حكم صدام حسين، عاود الظهور بعد نهاية حكم صدام في 2003.
وأضاف "له تاريخ قديم من سنة ١٩١٤.. إحنا توارثناه عن أجدادنا وآباءنا.. آباءنا علمونا على لفة المشعل.. لفة الكونية نقعه بالماء وبعدين بالنفط الأسود".
تفانى من بقوا على قيد الحياة في تعليم الطقوس لمن بعدهم وزادت أعداد المجموعات التي تتقن السير بموكب الشعلة من بضع عشرات فقط في السبعينيات إلى أكثر من 100 اليوم.
وبينما يقول البعض إن المشاعل التي تحترق فيها النار تهدف في الأصل لإضاءة الطريق أمام السائرين لإحياء ذكرى وفاة الإمام الحسين، يعتقد البعض أيضا أن نيران المشاعل رمز للمعاناة التي شعر بها الإمام الحسين ومن معه عندما احترقت خيامهم عندما تعرضوا للهجوم.
وقال زمان كرماشة أحد أفراد عشيرة كرماشة "تمثل حرق الخيم.. زينب (شقيقة الإمام الحسين) عليها السلام من احترقت عليه الخيم وهربت من الشمر اللعين.. هذا الرأس يعتبر خيمة الحسين عليه السلام الكبيرة.. وباقي الرؤوس تمثل خيم أصحاب الحسين وآل بيته".
من جانبه قال حازم كرماشة من عشيرة كرماشة أيضا "باقي المواكب تطلع بإسم الأئمة كأن يكون هذا الموكب بإسم الحسن.. هذا الموكب الحسين.. وهذا الموكب بإسم فاطمة الزهراء.. لكن نلاحظ المشاعل المميزة إلي تمتاز بيه تطلع باسم القبائل العربية إلي موجودة بالنجف".
في سنة 680، في اليوم الأول من شهر محرم، حاصر جيش يزيد الإمام الحسين حفيد النبي محمد وأتباعه في الصحراء بالقرب من كربلاء.
قُتل الحسين بعد ذلك بعشرة أيام بعد أن رفض مبايعة يزيد. وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم.
وقال ضرغام كرماشة إن مجموعته تقبل أعضاء جددا كل عام يتدربون لبضع سنوات قبل أن يُسمح لهم بحمل المشاعل.
وأضاف "ويا الدهن ويا الماي ويا الكونية تقريبا 80.. 85 كيلو يعني إحنا شبابنا المدربين صار لهم ٤ إلى ٥ سنوات يتغيرون كل سنة إحنا نشوف وجه جديد يشيل المشعل".
اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.
وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.
صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".
بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"،
ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.
كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".
ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".
في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.
من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".
وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".
وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام".
لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".
ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".
أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.
كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها".
وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".
وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.
وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".
ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".