العراق

ولدت ميتة".. ما مستقبل "الورقة البيضاء" في العراق؟ "

دلشاد حسين
19 أغسطس 2021

في الوقت الذي تواصل الحكومة العراقية خطواتها لتنفيذ فقرات "الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي"، من خلال تشكيل الفرق الخاصة بمتابعتها وانطلاقها بوتيرة واحدة، يتوقع خبراء اقتصاديون وسياسيون أن إجراء الإصلاح الاقتصادي يحتاج سنوات عديدة.

وأقر مجلس الوزراء العراقي "الورقة البيضاء للإصلاح الاقتصادي" في نوفمبر 2020، وأعدتها خلية الطوارئ للإصلاح المالي. 

وتعرفه الحكومة "الورقة البيضاء" بأنها  "خارطة طريق شاملة تهدف إلى إصلاح الاقتصاد العراقي، ومعالجة التحديات الخطيرة التي تواجهه، التي تراكمت على مدى السنوات الماضية بسبب السياسات الخاطئة وسوء الإدارة والفساد وغياب التخطيط والاعتماد شبه الكلي على النفط كمصدر أساسي لإيرادات الدولة".

وكشف علاء عبد الحسين الساعدي مستشار رئيس الوزراء، المدير التنفيذي لخلية الإصلاح، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، أوائل أغسطس الحالي، أن "جميع برامج الورقة البيضاء ستنطلق بوتيرة واحدة وفق المديات الزمنية المحددة".

وأشار إلى أن "الورقة تتألف من 64 مشروعاً، لذلك شكلت الحكومة 64 فريقاً لمتابعة تنفيذها" بحيث يحظى كل مشروع بفريق. 

 

و"الحكومة الجديدة؟"

من جهته، يستبعد الخبير الاقتصادي همام الشماع تمكن الحكومة الحالية برئاسة مصطفى الكاظمي، من تنفيذ خطة الإصلاح الاقتصادي خلال الفترة المتبقية من عمرها.

ويوضح الشماع لـ"ارفع صوتك": "تحتاج إعادة الهيكلة الاقتصادية لإعادة بناء الاقتصاد العراقي، أي تطوير قطاعي الصناعة والزراعة والقطاعات الأخرى المساندة، كالتجارة والنقل والخدمات والمالية، كي يتضاءل دور قطاع النفط ويهبط من مساهمة 70% إلى أقل من 20-25% تدريجياً".

ويضيف "هذا يحتاج إلى سنوات طويلة؛ لأن الإصلاح يتطلب التدرج وليس إحداث صدمة في الواقع العراقي."، متسائلاً "من يضمن أن الحكومة الجديدة ستوافق على خطة الإصلاح التي تقدم بها وزير المالية دون تعديل أو تغيير أو إجراءات كبيرة جدا في جوهرها؟".

ويرى الشماع،  أن "الورقة البيضاء مقتبسة من دراسات أعدت سابقاً من قبل أكاديميين وأساتذة جامعات لإصلاح الاقتصاد، ولم تأتِ بشيء جديد، باستثناء تخفيض سعر الصرف الذي أدى إلى إيذاء الاقتصاد وإحلال الركود التضخمي الذي تسبب بارتفاع الأسعار وتناقص فرص العمل في آن واحد".

وركزت دراسات الأكاديميين العراقيين التي اقتبست منها الورقة، على معالجة الخلل الذي يتمثل بسيطرة قطاع واحد وضمور مساهمة بقية القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي، الذي يعتمد بنسبة كبيرة على ما يدره قطاع الاستخراج (النفطي بالذات) من واردات، حسب الشماع.

 

"ولدت ميتة"

وكان الكاظمي، أعلن مطلع أغسطس الحالي، عن البدء بتطبيق الآليات الإدارية والتنفيذية لخطة الإصلاح الاقتصادي ضمن "الورقة البيضاء".

وأضاف خلال اجتماع اللجنة العليا للإصلاح، أن "الحكومة تطمح وبقوة إلى إعادة اقتصاد البلد لقوته بعد أن وصل به الحال إلى مستويات متدنية جداً نتيجة الفساد المستشري".

في هذا السياق، يعتبر الخبير السياسي ثامر الدليمي أن "الورقة البيضاء ولدت ميتة لأن تطبيقها غير واقعي وبعيدة كل البعد عن المشهد العراقي".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك": "لا يستطيع الكاظمي وحكومته الإقدام على أي خطوات تضر بمصالح المليشيات أو أحزاب السلطة، لأنه يسعى إلى ولاية أخرى ويعلم أن طريقها من خلالهم" 

ويرى الدليمي، أن إصلاح الاقتصاد في العراق "مستحيل في ظل الأوضاع الحالية ونظام المحاصصة"، مضيفاً  "الكاظمي أو أي رئيس وزراء آخر سيكون عاجزا أمام نظام المحاصصة، إذا أراد الإصلاح الحقيقي".

ويواجه العراق منذ سنوات أزمات اقتصادية ومالية يعزو الخبراء أسبابها لعدة أمور، منها السياسات الاقتصادية الخاطئة التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة وسوء الإدارة والفساد وغياب التخطيط، والصراعات السياسية بين الأحزاب، وسيطرة المليشيات والجماعات المسلحة على إمكانيات البلد الاقتصادية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي خطاب عمران الضامن، لـ"ارفع صوتك"، أن "الورقة البيضاء تحتاج من الناحية العملية لفترات تمتد لعمر أكثر من حكومة واحدة، نظراً لما تضمنته من أهداف تتعلق بالإصلاح الهيكلي للاقتصاد العراقي، بما في ذلك تقليص دور القطاع العام في الحياة الاقتصادية وتقليص نفقاتها، وخلق فرص العمل من خلال حماية الإنتاج الوطني الزراعي والصناعي".

ويلفت إلى أن  "الكاظمي تمكن حتى الآن من تحقيق هدف واحد من أهداف الورقة البيضاء، وهو خفض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار، وذلك لتغطية النفقات العامة المتزايدة أمام انخفاض الإيرادات العامة الناجم عن انخفاض أسعار النفط خلال عام 2020، أما الأهداف الأخرى للورقة فما زالت قيد الانتظار".

ويعتبر الضامن، أن قرار خفض سعر الدينار،  تسبب بـ"زيادة نسبة الفقر"، نتيجة ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، منها الغذاء والدواء والملابس.

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

رحل النظام العراقي السابق أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران.

بعد نحو 12 عاما على تشكيلها وأكثر من 20 عاما على سقوط نظام صدام حسين، صادقت وزارة العدل العراقية مؤخراً على توصيات اللجنة المعنية بإزالة الآثار السلبية عن الكرد الفيليين، ممن صودرت أراضيهم أو بيوتهم من قبل النظام السابق.

وإضافة إلى التوصية الخاصة بمعالجة الآثار المترتبة على قراري مجلس قيادة الثورة المنحل المرقمين (489) و(617) لسنة 1981 المتعلقين بمصادرة البساتين والأراضي الزراعية في منطقتي خانقين ومندلي في محافظة ديالى وتسوية الحقوق التصرفية فيها، تضمنت التوصيات النظر في إمكانية إعمار المناطق الفيلية المنكوبة وتنميتها ونزع الألغام منها وشمولها بالمشروعات الإستراتيجية. كذلك العمل على مراعاة تعيين هذه الشريحة في الدرجات الوظيفية الشاغرة في الوزارات وغيرها من الجهات الرسمية.

وفي الوقت الذي ينظر سياسيون وأكاديميون من الكرد الفيليين بإيجابية للمصادقة "المتأخرة" على توصيات اللجنة، فهم يشككون أيضاً في إمكانية تنفيذها بشكل يؤدي لتحقيق العدالة والإنصاف للضحايا.

 

تاريخ الاضطهاد

بدأ الاضطهاد "الممنهج" للكرد الفيليين في العراق عام 1970 وتواصل حتى سقوط النظام البعثي في 2003.

يقول القيادي في الحزب الكردستاني العراقي والمدافع عن قضية الكرد الفيليين، علي الفيلي، إن "الاضطهاد الذي تعرضوا له كان الأعنف ضد أقلية في العراق، لقد اضطهدوا بشكل ممنهج لفترات طويلة، حُرموا من حقوقهم الأساسية، وتمت مصادرة ممتلكاتهم، وجُردوا من جنسيتهم نتيجة شكوك ومخاوف ابتدعها النظام السابق".

وينتقد الفيلي تعامل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد سقوط النظام مع قضية الكرد الفيليين، مبيّناً لـ"ارفع صوتك": "كان يفترض أن تكون قضيتهم أولوية بعد سقوط النظام كدليل على جدية العهد الجديد في إزالة الظلم".

بحسب دراسة "الإبادة الجماعية للكرد الفيليين في العراق" الصادرة عن مركز "حمورابي" للبحوث والدراسات الاستراتجية، تعرض آلاف الكرد الفيليين إلى حملات إعدام مممنهجة من قبل النظام السابق منذ 1968، إضافة إلى ترحيل أكثر من 350 ألف كردي فيلي إلى إيران، والاختفاء القسري الذي طال نحو 15 ألفاً لا يزال مصيرهم مجهولاً.   

يؤكد الفيلي أن "غالبية المختفين قسراً هم من الأطفال الذكور الذين اختطفهم النظام السابق بتهمة محاولتهم حمل السلاح ضد الدولة".

وفي مطلع ثمانينيات القرن الماضي أصدر مجلس قيادة الثورة المنحل قرارات لتثبيت واقع اضطهاد الكرد الفيليين، فعلاوة على مصادرة البساتين والأراضي الزراعية وفقاً للقرارين (489) و(617) لسنة 1981، أصدر المجلس عام 1980 القرار (666) القاضي بإسقاط الجنسية العراقية عن "كل عراقي أجنبي إذا تبين عدم ولائه للوطن والشعب والأهداف القومية والاجتماعية  العليا للثورة"، وهو القرار الذي طُبق بشكل أساسي على الكرد الفيليين، حيث أسقطت الجنسية عن نحو نصف مليون كردي فيلي، كما تنقل الدراسة عن مصادر كردية.

وتعيد الدراسة جذور الاضطهاد إلى جملة من العوامل، في مقدمتها العامل القومي حيث "تشير الدلائل على أنهم من أقدم وأعراق سكان العراق، غير أن تواجدهم الجغرافي في نقاط التماس الجيوسياسية للصراع العراقي- الإيراني، شجع الإبادة ضدهم، وكذلك تنوعهم الثقافي والاجتماعي الذي مكنهم من الاندماج مع باقي المكونات بشكل صعب على النظام مهمة اجتثاثهم".

أما العامل الأخير فكان "عنصرية وطائفية النظام عندما رسخ تهمة تبعية الكرد الفيليين لإيران بدعوى وجود مناطق كردية في الجانب الإيراني المحاذي للحدود العراقية تربط الكرد الفيليين بصلات قرابة.

 

مخاوف بعد انتظار طويل

رغم حديثه عن إيجابيات المصادقة على التصويات كخطوة على طريق رفع الظلم الواقع على الكرد الفيليين، يقول أستاذ الفكر السياسي عصام الفيلي إن "المشكلة لا تكمن في التشريعات والقوانين إنما في الممارسة والتطبيق".

يضيف لـ"ارفع صوتك": "عند الحديث عن تعويضات عن سنوات محدودة فإن ذلك ليس من الإنصاف، كذلك فإن التشريعات لم تعالج المساحات الكبيرة من الأراضي التي جرى الاستيلاء عليها وهي غير مسيجة من قبل أصحابها وتحولت إلى أملاك للدولة".

ويعتقد عصام الفيلي أن الضرر النفسي والمعنوي الذي خلفته الإبادة على الكرد الفيليين "تتجاوز ما قدمته اللجنة"، مشدداً على "ضرورة إنشاء لجنة عليا لرعاية الكرد الفيليين بمهام متعددة تتجاوز مسألة التعويض والأراضي إلى دمجهم في الوظائف الحكومية وتضمينهم في المناهج التعليمية وتحسين الخدمات في أماكن تواجدهم".

يتابع: "المطلوب قبل كل شيء تأسيس ثقافة تؤكد على أن العراق بلد لجميع المكونات، حينها يشعر الكرد الفيليون بمواطنتهم ويسترجعون حقوقهم، فمنذ سقوط النظام حتى اليوم لا يوجد تحسّن حقيقي في حياتهم".

الأمر ذاته يكرره القيادي في الحزب الكردستاني العراقي، علي الفيلي، بقوله: "التعويض المالي مهم لكن التعويض النفسي والمعنوي أكثر أهمية".

ويرى أن "بداية التعويض المعنوي تتمثل في أن تتوقف دوائرة السلطة عن معاملتهم معاملة الأجانب حيث يواصلون مراجعة دائرة شؤون الأجانب لإتمام معاملاتهم".