العراق

العراق يسعى لدور الوسيط في الشرق الأوسط من خلال قمة بغداد

23 أغسطس 2021

بعدما أضعفته الأزمات والحروب المتتالية خلال الأعوام الأربعين الماضية، يسعى العراق اليوم إلى الاضطلاع بدور الوسيط في الشرق الأوسط من خلال قمة إقليمية تهدف إلى "نزع فتيل" الأزمات في المنطقة.

وترى المحللة السياسية العراقية مارسين الشمري بأن القمة تشكّل رسالة مفادها أن عراق صدام حسين "الذي كان يثير الخوف والاحتقار" قد انتهى، وأن حقبة "الدولة الضعيفة التي يدوس عليها جيرانها" بعد الغزو الأميركي في العام 2003، قد ولّت أيضاً.

ويطمح رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الذي وصل السلطة في أيار/مايو 2020 في أعقاب حراك احتجاجي مناهض للنظام في تشرين الأول/أكتوبر 2019، إلى جعل العراق نداً لطهران والرياض وأنقرة وواشنطن.

وتهدف القمة المقررة في بغداد نهاية الشهر إلى منح العراق "دوراً بناء وجامعاً لمعالجة الأزمات التي تعصف بالمنطقة"، على ما أكدت مصادر من محيط رئيس الوزراء.

لكن ذلك يشكل تحديا لهذا البلد الذي تمارس فيه إيران نفوذا كبيرا وحيث تبدو السلطات عاجزة عن تلبية تطلعات الشعب على صعيد العمل والخدمات الأساسية والإفلات من العقاب وغيرها من المجالات.

وحتى الآن، تأكد فقط حضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اللاعب الوحيد غير الإقليمي المشارك في الحدث، إلى جانب نظيره المصري عبد الفتاح السيسي والملك الأردني عبدالله الثاني.

ودعي للمشاركة أيضا الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والإيراني إبراهيم رئيسي فضلا عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، لكنهم لم يؤكدوا حضورهم بعد بحسب مصدر عراقي.

"وسيط"

وفي حال حضر الخصمان الإيراني والسعودي معاً على طاولة واحدة في هذه القمة، سيشكل ذلك حدثاً بحدّ ذاته، وقد يعزز موقع بغداد "كوسيط"، على ما يشرح الباحث في مركز "شاتام هاوس" ريناد منصور.

وكانت بغداد أصلاً، خلال الأشهر الماضية، مسرحاً للقاءات مغلقة بين ممثلين عن الرياض وطهران.
ويرى منصور أن هدف العراق الحالي هو التحول من موقعه كـ"مرسال" إلى "محرّك" للمحادثات بين إيران والسعودية اللتين قطعتا علاقاتهما في العام 2016.

وحتى الآن، لم يكشف المنظمون العراقيون عن المواضيع التي ستطرح خلال القمة.

ويرجح أن بغداد تنوي أيضاً طرح النفوذ الإيراني على أراضيها والذي بات بالنسبة لكثير من العراقيين، حضوراً سلبياً.

وأوضح مراقب غربي متابع للملف طلب عدم كشف هويته بأن "العراق يريد الإمساك بزمام الأمور في تحديد مساره، ولا يرغب بعد اليوم أن يخضع لتأثيرات التوترات الإقليمية".

كذلك يفترض أيضاً أن تطرح خلال القمة قضية سيادة العراق.

الجارة إيران

هدفت التظاهرات المناهضة للنظام في العام 2019 إلى توجيه رسالة حازمة لإيران، التي بات نفوذها واضحاً أكثر فأكثر على الفصائل المسلحة الموالية لها والمنضوية في الحشد الشعبي الذي بات بدوره جزءاً من القوات العراقية الرسمية.

ومنذ بدء الاحتجاجات، تعرض أكثر من 70 ناشطاً للاغتيال أو محاولة الاغتيال فيما خطف عشرات الآخرين لفترات قصيرة.

ولم يتبن أحد تلك العمليات لكن الناشطين المنادين للديموقراطية يعتبرون أن القتلة معروفين لدى قوات الأمن ولا يتم توقيفهم رغم وعود الحكومة لأنهم مرتبطون بطهران.

ويعتقد بأن فصائل الحشد الشعبي المناهضة بشدة للوجود الأميركي في العراق، تقف خلف عشرات الهجمات التي طالت المصالح الأميركية في البلاد خلال الأشهر الماضية، على الرغم من أنها لم تتبنها قط.

وتطالب الفصائل بالانسحاب الكامل لـ2500 عسكري أميركي متبقين في العراق، والذين يفترض أن يحصر دورهم في تدريب الجيش العراقي اعتباراً من العام 2022.

فساد وأزمة اجتماعية

وقد يطرح في القمة ملف حساس آخر هو العمليات العسكرية التي تخوضها تركيا في شمال العراق وفي كردستان العراق ضدّ متمردي حزب العمال الكردستاني المصنف "إرهابياً" من قبل أنقرة.

وتثير الضربات التركية المتكررة التي تودي أحياناً بحياة مدنيين على الأراضي العراقية استياء بغداد لكنها لم ترفع النبرة كثيراً في هذا الملف ضد جارتها تركيا التي هي أحد أبرز شركائها التجاريين.

وعلى الصعيد الداخلي تأتي القمة، قبل أقل من شهرين على الانتخابات التشريعية المبكرة التي تنظم فيما يعيش العراق أزمة اجتماعية واقتصادية وسط تفشي وباء كوفيد-19.

ويشير ريناد منصور إلى أن "العراقيين لا يشعرون بأن هذه الحكومة تمثلهم"، مضيفاً أن "الكثير من العراقيين يجدون أنفسهم ضحايا للفساد" المزمن المستشري في كل مفاصل المجتمع، فيما شهد العراق صيفا حارا وجافا تخللته حرائق في مستشفيات اسقطت ضحايا، وانقطاع لللكهرباء.

وعلى الرغم من أن الكاظمي غير مرشح لمقعد برلماني، لكنه قد يسعى إلى العودة رئيساً للوزراء لولاية كاملة من خلال "ائتلاف حكومي جديد تتفق عبره كل الأحزاب على رئيس للوزراء"، على ما توضح مارسين الشمري، فيما عليه الموازنة في الوقت بين الاهتمام بالقضايا الداخلية الطارئة والقضايا الإقليمية، بدون تغليب الأخيرة على أزمات الداخل.

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.