تواجه مهنة صناعة السفن والزوارق الخشبية في محافظة البصرة جنوب العراق، جملة من التحديات من أجل البقاء والحفاظ على ما تبقى من إرثها الممتد آلاف السنين.
ورغم أن هذه الصناعة بدأت تضعف مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الحرفيين في هذا المجال كانوا حتى السنوات القليلة الماضية ينتشرون على ضفاف شط العرب، يمارسون مهنتهم.
إلا أن هذه المهنة بدأت تختفي بشكل شبه كامل منذ 8 أشهر، بالتزامن مع بدء مشروع إعادة تأهيل كورنيش شط العرب.
التغير المناخي سبباً
يخشى محمود عدنان وهو أحد المختصين بصناعة السفن الخشبية، من اختفاء المهنة بشكل كامل حتى بعد انتهاء أعمال تأهيل الكورنيش، الذي كان قبل سنوات مركزا رئيساً من مراكز استخدام هذه السفن والتجارة بها.
يقول عدنان لـ"ارفع صوتك" وهو من عائلة بصرية توارثت المهنة أباً عن جد: "أصبحت هذه المهنة من التراث، نتيجة التغير المناخي المتمثل بارتفاع الملوحة في شط العرب وانخفاض مناسيب المياه".
"بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل قلة المواد الأولية التي تدخل في صناعة السفن أو ارتفاع أسعارها، وغياب الدعم الحكومي.. لذلك، نحن متخوفون من زوالها بالكامل"، يضيف عدنان.
وكان استخدام السفن والزوارق المصنوعة من الخشب يدوياً في البصرة والمدن الواقعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، رائجة ومزدهرة، حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتلقى إقبالاً كبيراً من العراقيين والأجانب.
وكانت تستخدم لأغراض السياحة وصيد الأسماك والنقل البحري والتجارة والتبضّع من الدول المطلة على الخليج العربي، بينما استعملت السفن الكبيرة في سحب الناقلات البحرية.
يوضح عدنان: "كان الصيادون الأكثر استخداماً للسفن والزوارق المصعنعة محلياً، وظلوا متمسكين بها حتى السنوات القليلة الماضية، لكن ارتفاع الملوحة والتلوث في شط العرب يستدعي صيانتها بشكل دوري كل ستة أشهر، وهذه العملية تحتاج لرفع الزوارق فوق الرصيف".
ويتابع "لأنه لا يوجد مكان مخصص للصيانة، اضطر الصيادون إلى ترك هذه السفن، بالتالي لم يتبق سوى القليل من الصيادين الذين يستخدمونها حالياً".
هل من حلول؟
تحتضن ضفاف شط العرب خاصة في منطقتي أبي الخصيب والداكير، منذ سنوات، مراكز صناعة وإعادة تأهيل السفن والزوارق.
وحسب عدنان، يستخدم صانع السفن المعروف محليا بـ"كلاف"، أنواعاً متنوعة من الخشب كخشب الساج والجندل والجاوي والتوت والجوز والزعرور في صناعة الزوارق، مع تطعيمه بنسبة قليلة من الحديد.
كما يستخدم القطن في تعبئة مسامات الزوارق، بينما تُطلى الزوارق من الداخل والخارج بالقار وزيوت طبيعية قبل نزولها الماء، إلا أنها استبدلت قبل سنوات بمواد وزيوت صناعية، وفق عدنان.
ويعتبر "الزورق العشاري" أبرز الزوارق الكبيرة المصنوعة في البصرة، ويدخل خشب الساج والتوت في صناعته، فيما يبلغ طوله نحو 13 متراً، ويستخدم لنقل الركاب والبضائع.
يقول عدنان لـ"ارفع صوتك": "شهد العشاري مع احتلال الإنجليز للعراق بعض التغييرات، كإضافة دكة للجلوس ومكان لقيادة الزورق ومدخل، وإضافة قمارة للزورق ومحرك ذي قدرة أعلى".
"كما استخدم لنقل الركاب بين ضفتي شط العرب من القضاء وإلى مركز المدينة، واستفاد الحرفيون العراقيون من الزوارق الإنجليزية المعروفة باللندنية (نسبة إلى لندن)، في استحداث هذه التغييرات على الزورق العشاري"، يتابع عدنان.
ويشير إلى أن سبب تسمية "العشاري" بذلك "كثرة تواجده في نهر العشار أحد أشهر أنهار البصرة"، وتوسع انتشاره ليشمل غالبية جنوب العراق.
وعبر "ارفع صوتك"، يطالب الحرفيّ عدنان الحكومة، بـ"تخصيص مراسٍ للزوارق والسفن في البصرة، ودعم الصناعة التقليدية، كي تبقى المهنة جزءاً من تاريخ العراق وحضارته".
ويلفت في نهاية حديثه، أن عائلته كانت تعتمد في توفير دخلها سابقاً على هذه المهنة بنسبة 90%، لكن مع تراجع المهنة وسوقها، يضطر إلى التنقل من عمل لآخر، معتمداً على ما يتقنه من النجارة أو السياقة، لتوفير دخل بديل.
