زوارق صيادين راسية عند إحدى ضفاف شط العرب- من أرشيف فرانس برس 2020
زوارق صيادين راسية عند إحدى ضفاف شط العرب- من أرشيف فرانس برس 2020

تواجه مهنة صناعة السفن والزوارق الخشبية في محافظة البصرة جنوب العراق، جملة من التحديات من أجل البقاء والحفاظ على ما تبقى من إرثها الممتد آلاف السنين.

ورغم أن هذه الصناعة بدأت تضعف مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن الحرفيين في هذا المجال كانوا حتى السنوات القليلة الماضية ينتشرون على ضفاف شط العرب، يمارسون مهنتهم.

إلا أن هذه المهنة بدأت تختفي بشكل شبه كامل منذ 8 أشهر، بالتزامن مع بدء مشروع إعادة تأهيل كورنيش شط العرب.

حرفيّون عراقيون أثناء صناعتهم أحد السفن- البصرة

التغير المناخي سبباً

يخشى محمود عدنان وهو أحد المختصين بصناعة السفن الخشبية، من اختفاء المهنة بشكل كامل حتى بعد انتهاء أعمال تأهيل الكورنيش، الذي كان قبل سنوات مركزا رئيساً من مراكز استخدام هذه السفن والتجارة بها.

يقول عدنان لـ"ارفع صوتك" وهو من عائلة بصرية توارثت المهنة أباً عن جد: "أصبحت هذه المهنة من التراث، نتيجة التغير المناخي المتمثل بارتفاع الملوحة في شط العرب وانخفاض مناسيب المياه".

"بالإضافة إلى عوامل أخرى مثل قلة المواد الأولية التي تدخل في صناعة السفن أو ارتفاع أسعارها، وغياب الدعم الحكومي.. لذلك، نحن متخوفون من زوالها بالكامل"، يضيف عدنان.

وكان استخدام السفن والزوارق المصنوعة من الخشب يدوياً في البصرة والمدن الواقعة على ضفاف نهري دجلة والفرات، رائجة ومزدهرة، حتى نهاية سبعينيات القرن الماضي، وتلقى إقبالاً كبيراً من العراقيين والأجانب.

وكانت تستخدم لأغراض السياحة وصيد الأسماك والنقل البحري والتجارة والتبضّع من الدول المطلة على الخليج العربي، بينما استعملت السفن الكبيرة في سحب الناقلات البحرية.

يوضح عدنان: "كان الصيادون الأكثر استخداماً للسفن والزوارق المصعنعة محلياً، وظلوا متمسكين بها حتى السنوات القليلة الماضية، لكن ارتفاع الملوحة والتلوث في شط العرب يستدعي صيانتها بشكل دوري كل ستة أشهر، وهذه العملية تحتاج لرفع الزوارق فوق الرصيف".

ويتابع "لأنه لا يوجد مكان مخصص للصيانة، اضطر الصيادون إلى ترك هذه السفن، بالتالي لم يتبق سوى القليل من الصيادين الذين يستخدمونها حالياً".

 

هل من حلول؟

تحتضن ضفاف شط العرب خاصة في منطقتي أبي الخصيب والداكير، منذ سنوات، مراكز صناعة وإعادة تأهيل السفن والزوارق.

وحسب عدنان، يستخدم صانع السفن المعروف محليا بـ"كلاف"، أنواعاً متنوعة من الخشب كخشب الساج والجندل والجاوي والتوت والجوز والزعرور في صناعة الزوارق، مع تطعيمه بنسبة قليلة من الحديد.

كما يستخدم القطن في تعبئة مسامات الزوارق، بينما تُطلى الزوارق من الداخل والخارج بالقار وزيوت طبيعية قبل نزولها الماء، إلا أنها استبدلت قبل سنوات بمواد وزيوت صناعية، وفق عدنان.

ويعتبر "الزورق العشاري" أبرز الزوارق الكبيرة المصنوعة في البصرة، ويدخل خشب الساج والتوت في صناعته، فيما يبلغ طوله نحو 13 متراً، ويستخدم لنقل الركاب والبضائع.

يقول عدنان لـ"ارفع صوتك": "شهد العشاري مع احتلال الإنجليز للعراق بعض التغييرات، كإضافة دكة للجلوس ومكان لقيادة الزورق ومدخل، وإضافة قمارة للزورق ومحرك ذي قدرة أعلى".

"كما استخدم لنقل الركاب بين ضفتي شط العرب من القضاء وإلى مركز المدينة، واستفاد الحرفيون العراقيون من الزوارق الإنجليزية المعروفة باللندنية (نسبة إلى لندن)، في استحداث هذه التغييرات على الزورق العشاري"، يتابع عدنان.

ويشير إلى أن سبب تسمية "العشاري" بذلك "كثرة تواجده في نهر العشار أحد أشهر أنهار البصرة"، وتوسع انتشاره ليشمل غالبية جنوب العراق.

وعبر "ارفع صوتك"، يطالب الحرفيّ عدنان الحكومة، بـ"تخصيص مراسٍ للزوارق والسفن في البصرة، ودعم الصناعة التقليدية، كي تبقى المهنة جزءاً من تاريخ العراق وحضارته".

ويلفت في نهاية حديثه، أن عائلته كانت تعتمد في توفير دخلها سابقاً على هذه المهنة بنسبة 90%، لكن مع تراجع المهنة وسوقها، يضطر إلى التنقل من عمل لآخر، معتمداً على ما يتقنه من النجارة أو السياقة، لتوفير دخل بديل. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.