من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998

لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

هذه مفاتيح قد تبدو هي أو القصص التي تقف خلفها، صادمة للبعض، تبرز وجهاً آخر للديكتاتور الذي حكم العراق 24 عاماً، لكنها أيضاً جوانب من حياته، شهدها أحد المقربين غير العسكريين منه، إنه طباخه الشخصي، أبو علي.

وتصلنا ذكريات أبو علي، عبر كتاب "كيف تطعم الديكتاتور" للصحافي والكاتب البولندي فيتولد سافلوفسكي، الصادر في أبريل 2020.

نلخص لك، في "ارفع صوتك"، 23 فصلاً من الكتاب، غير المترجم بعد للعربية، لنستعرضها في التقرير الآتي. 

 

تساؤلات الكاتب

يقول سافلوفسكي في بداية الكتاب، إن البحث عن طباخ صدام حسين استغرق عامين، فيما استغرق إقناعه بأن يروي ذكرياته، عاماً كاملاً، من خلال الصديق ومرافق الكاتب، حسن.

وقبل الحديث، أملى أبو علي شروطه على سافلوفسكي، وهي "ألا يتمشيا في المدينة، وألا يطبخا معاً، وألا يزوره هو أو حسن في بيته"، فما كان منه إلا إجراء المقابلة على مدى أيام في غرفته الفندقية وسط العاصمة بغداد. 

ويضم الكتاب، قصصاً على ألسنة طباخين آخرين، لكل من الرؤساء: عيدي أمين (أوغندا) وأنور خوجة (ألبانيا) وفيدل كاسترو (كوبا) وبول بوت (كمبوديا).

وامتد بحث سافلوفسكي عن هؤلاء الطباخين لسنوات، بعد أن لمعت لديه الفكرة، نتيجة أسئلة خطرت على باله، مثل "ماذا كان يأكل بول بوت بينما كان مليونا كمبودي يموتون جوعاً؟ هل أكل عيدي أمين حقًا لحم الإنسان؟ ولماذا كان فيدل كاسترو مهووسًا بإحدى البقرات؟

ويبدو أن الكاتب لم يصل إلى أجوبته فقط، بل أكثر من ذلك، حيث نجد رواية الطباخين تتنقل بين ماضي البلاد في عهد الديكتاتوريين وحاضرها بعد رحيلهم وتبدل الزعماء والحكومات والحروب والأزمات أيضاً.

كما نقرأ وصفات أطباق شعبية من كل الدول، أبرزها طبعاً، المقدَمة على موائد الزعماء، تحديداً، المحببة لذائقة كل منهم.

صورة الغلاف لكتاب "كيف تطعم الديكتاتور"

 

كيف وصل لقصر صدام؟

تتخلل سيرة عمل أبو علي، الطريق الذي أدى به لأن يصبح الطباخ الأول للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لسنوات طويلة.

وهو الذي تعلّم الطبخ في مطعم صغير لعمّه، ونجح في أن يكون طباخاً ماهراً، يحب طعامه الزبائن، وبعد سنوات قرر أن ينتقل لمستوى آخر، لأنه يحلم باقتناء سيارة، فبحث عن وظيفة جديدة، ليجدها في مركز طبي داخل العاصمة بغداد.

يقول أبو علي "سألوني في المقابلة: هل يمكنك إعداد الأرز لـ300 شخص؟ فأخبرتهم أنني كنت أفعل ذلك يومياً لمدة ثماني سنوات".

حقق حلمه باقتناء سيارة، ونجح في عمله، وبعد سنوات في المركز الطبي، قرر الانتقال لمستوى آخر، وهو العمل في أحد فنادق الخمس نجوم، ووجده بالفعل، وفي تلك اللحظة تماماً، بدأ قدره يتجه لمسار آخر، لم يكن بالحسبان.

طُلب أبو علي للخدمة العسكرية في كردستان شمال البلاد، لاحتواء ثورة شعبية كردية مناهضة للسلطة، كان ملا مصطفى أحد قادتها البارزين.

يقول أبو علي، حسبما ورد في كتاب "كيف تطعم الديكتاتور": "دارت المعارك في الجبال، حيث أُرسلت هناك مع بندقية. لم أكن سعيداً بذلك، حيث كنت في السادسة والعشرين من عمري، ولم أكن ضد الأكراد، بالتالي لا أريد أن أقتل في معركة معهم".

أخبر أبو علي الضابط المشرف عليه، أنه "يتقن الطبخ لا القتال"، لذا يمكنه أن يطبخ للجنود، لا سيما أنهم بالآلاف ولا يوجد طباخ ماهر بينهم. 

وحين انتهى القتال، عاد أبو علي كي لا يجد الوظيفة الفدقية بانتظاره، لكن بسبب نجاحه في الطبخ خلال المعارك، أشار عليه أحد الضباط بالتوجه للحصول على تدريب الطبخ في "قصر السلام" التابع لوزارة السياحة، حيث يتم تخريج أفواج من الطباخين نحو الفنادق التابعة للحكومة.

وهذا ما حصل، ليتميز في التدريب، على يد اثنين من أمهر الطباخين، أحدهما بريطاني والآخر لبناني، ورشحاه كلاهما ليصبح مدرباً في القسم، وفي نفس الوقت أصبح طباخاً في وزارة السياحة.

وبين مجموعة طباخين هم الأفضل في البلاد، عمل أبو علي لسنوات، وتذوق طعامه قادة وعسكريون ورؤساء دول وملوك. 

وفي أحد الأيام طلب منهم، إعداد كعكة، على أن تكون أفضل ما باستطاعتهم، ولم يكونوا على علم بالمناسبة.

يقول أبو علي "أمضينا يومين وليلتين في صنعها"، وكانت بقاعدة مربعة كل جانب منها بطول مترين تقريباً، وارتفاعها حوالي ثلاثة أمتار.

وبعد يومين على إعداد الكعكة الإسفنجية المغمورة بالكريما وأشكال تختزل معالم أثرية في العراق، إضافة لنهري دجلة والفرات، شاهدها معدّوها عبر شاشة التلفاز، يقطعها صدام حسين، لأنها كانت كعكة عيد ميلاده.

من أرشيف وكالة فرانس برس- احتفالات بعيد ميلاد صدام حسين في كركوك 2002

بعد سنوات من التدريب والعمل في وزارة السياحة، قال رئيس فريق الطباخين لـ أبو علي، "اليوم سأصطحبك لمقابلة الرئيس صدام حسين،  وكل ما سيحصل بينكما سر".

لم يصدق أبو علي ما سمعه، وهو الذي لم يلتق البتة طيلة فترة عمله بأي طباخ للرئيس، استعجب أن يحصل ذلك معه فجأة. 

وقبل لقاء صدام، وقع أبو علي على تعهد بألا يخبر أحداً أياً كان بما سيراه في بيت الرئيس، وإذا حصل ذلك، سيواجه عقوبة الإعدام.

حصل الأمر بسرعة وخلال دقائق كان أمام الرئيس. وعن هذه اللحظة يروي أبو علي "قال صدام: إذن أنت أبو علي؟ نعم سيدي الرئيس (أجابه)، فرد عليه: ممتاز، أريد منك إعداد التكة (مشاوي لحم)".

وهذا كان أول طبق أعدّه أبو علي للرئيس، في المطبخ الخاص بالقصر. وهناك، رافقه الحارس الشخصي لصدام، وهو كامل حنا، وأخبره أن والده كان الطباخ الأول، لكنه سيتقاعد قريباً، أما الطباخ الثاني فكان مريضاً، بالتالي فإن أبو علي مرشح لأن يصبح طباخ القصر الآن.

وبعد انتهاء صدام من تناول طعامه، طلب مقابلة أبو علي، وهو ما لم يحدث مع الأخير سابقاً، إذ كان من الغريب بالنسبة له أن يتحدث مع شخص أكل ما أعدّه للتو.

قال صدّام: "شكراً لك، أنت بالفعل طباخ جيد". وأعطاه مغلفاً فيه مكافأة مالية بقيمة 50 ديناراً عراقياً، تساوي آنذاك 150 دولار. 

وأضاف: "هل توافق على العمل لدي؟" أجاب أبو علي من دون تردد "بالطبع سيدي الرئيس".

في تعليقه على هذا الحدث للكاتب فيتولد سافلوفسكي، يقول أبو علي "هل كنت لأرفض طلبه؟ لا أعلم. لكنني فضلت عدم المحاولة".

وهكذا، وجد أبو علي نفسه في قصر الرئيس، طباخاً خاصاً به، بعد أن دفعته الخدمة العسكرية وإعداد الطعام في الوزارات الحكومية، بعيداً عن حلمه الأول: العمل في فندق خمس نجوم.

 

كباب بالتوباسكو

يروي أبو علي عدة قصص عاصرها وكان شاهداً مقرباً من تفاصيلها في حقبة الرئيس العراقي الأسبق، الذي أعدم بعد محاكمة، إثر الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

وفي هذه الحكاية طُلب منه أن يرافق الرئيس وحرسه الشخصي وبعض أصدقائه، في رحلة مركب، عرض فيها صدام أن يعد الكباب بنفسه لهم جميعاً. 

وقيل لـ أبو علي حينها: "أنت اليوم في إجازة" وهي كلمة لم تكن مألوفة لأي من العاملين في القصر، حسب طباخ الرئيس. 

لكن صدام، قام بوضع التوباسكو (الشطة الحارة) على الكباب، ما دفع أبو علي لشرب الماء الكثير، والخوف من أن يكون الطعام مسموماً بسبب أعراض الحرارة واحمرار الوجه الذي أصابه، ليعلم لاحقاً أن التوباسكو هدية تلقاها صدام مؤخراً، ولأنه لا يحب الطعام الحار، قرر أن يقوم بهذا المقلب مع أصدقائه.

كفتة عراقية

سأل سليم، وهو أحد الحراس الشخصيين، أبو علي "هل أعجبتك الكباب" فقال له "لو كنت قدمت نفسها للرئيس، سيضربني على مؤخرتي، ويطلب مني دفع 50 دينار مقابل إفسادي للمقادير".

لم يكن يعلم أن حنا سينقل الكلام بالحرف للرئيس، وهو ما حصل بالفعل، فناداه صدام أما الجميع وسأله عن صحة كلامه. 

هذه اللحظات كانت بمثابة رعب لأبو علي، مما يمكن أن يحصل له، خصوصاً أمام رئيس لا ينتقده أحد، مهما كان منصبه أو درجة قربه منه.

وكان هذا الحوار، حول مائدة الطعام التي ما زالت تحمل أطباق الكباب وزجاجات الويسكي:

صدام: سمعت أنك لم تحب الكباب الذي أعددته؟ (وسط صمت مطبق للجميع)
هنا ازداد أبو علي رعباً، وأخذه تفكيره لعائلته، يا ترى ما الذي سيحل بهم إن قُتل. لا أعرف مالذي قد يحصل لي، لكنه لن يكون حسناً على أي حال.

كرر صدام سؤاله، ثم انفجر ضاحكاً، وعلت ضحكاته على المركب في مساء ربيعي داخل نهر دجلة. ثم بدأ الآخرون بالضحك، ليتراجع خوف أبو علي شيئاً فشيئاً.

حينها قدم صدام 50 دينار إليه، وقال له "كلامك صحيح، إنها حارة، وهذا المال مقابل سعر اللحم الذي أفسدته. سأطبخ لك كباب من دون توباسكو، هل ترغب بذلك؟" فأجاب أبو علي "نعم". وبالفعل أعد له طبقاً من الكباب من دون توباسكو وكان طعمه جيداً، حسب أبو علي.

يقول "في الحقيقة، من المستحيل أن تطهو كبابا سيئا" في إشارة لى سهولة إعداد هذا الطبق العراقي.

 

سميرة وكامل حنّا  

كان كامل حنا "يعرف ذوق صدام حسين بالنساء"، فيجلبهن له في المزرعة، التي كانت مكان استراحته، حسبما يقول أبو علي.

لكن المرأة التي تكررت وظلت وحدها معه، اسمها سميرة. يضيف طباخ الرئيس "كلاهما كان منجذباً للآخر بشدة، وهي كانت متزوجة، لكن ذلك كان غير مهم بالنسبة لها أو لصدام".

ويشير إلى أن صدام تزوجها أخيراً بعد أن طلقت زوجها. ولكن كل ذلك كان سراً دفيناً، لأن صدام يكنّ كل الاحترام لخاله والد زوجته ساجدة، ولا يريد أن يفسد العلاقة مع أو بزوجته. 

صدام حسين برفقة كامل حنا، حارسه الشخصي.

في وصف أبو علي لسميرة، يحكي أنها كانت من عائلة فقيرة، وظلت عاداتها "الفقيرة" ترافقها حتى بعد زواجها بصدام، فمثلاً "كانت تأتي إلى المطبخ وتجمع ما تبقى من الطعام، ثم تقول للسائق أن يرسله لأبيها وأمها"، دون علم صدام.

وحين علم الرئيس بذلك غضب كثيراً، يقول أبو علي، موضحاً "لم يكن ينقص عائلتها شيئ، لقد اشترى لهم صدام بيتاً جديداً وأعطى إخوتها سيارة لكل واحد، ومصروفاً شهرياً، حتى طليقها، الذي مرض في أحد الأوقات، أرسل له طبيباً، وكنا نرسل كل يوم له وجبات الطعام، لأنه يعيش وحده، بينما أطفالها الثلاث انتقلوا للعيش في المزرعة معها، وأرسلوا لمدارس خاصة".

ورغم غضب صدام، الذي تفاجأ من تصرف سميرة باعتبار أن أهلها لا ينقصهم شيء، وهو غير مقصر في حقهم، استمرت بإرسال المتبقي من الطعام لعائلتها، حسبما يقول أبو علي، في كتاب "كيف تطعم الديكتاتور".

أما القصة ككل، فانكشفت خلال أحد الأيام ووصل الخبر لساجدة زوجة صدام وأم أبنائه، ما سبب أزمة داخل العائلة.

وزواج صدام بسميرة لم يكن شأناً شخصياً متعلقاً بزوجته فقط، بل شأناً عائلياً، لأن الرئاسة بحد ذاتها كانت إنجازاً لعائلة التكريتي ككل لا لصدام وحده، وكل مكتسبات الحياة بعدها، اشتركوا جميعاً في تحقيقها. 

ورغم أن ساجدة كانت على علم بعلاقات صدام العديدة، غير المؤكدة أيضاً بالنسبة لها، نظراً لانشغاله الدائم بأمور السياسة وإدارة الحكم. لكن فكرة أن يتزوج إحدى النساء اللواتي يقابلهن، كانت قصة أخرى. 

يقول أبو علي "على أية حال، كانت ممتعضة منه، لأنها لا تلتقيه كثيراً، وللخروج من ذلك، تقوم كلما استطاعت، بالسفر حول العالم بغرض التسوّق".

صدام حسين مع زوجته ساجدة- من أرشيف رويترز

وهنا يتحدث أبو علي عن موت كامل حنا، الحارس الشخصي والصديق المقرب، حيث قتل على يد عديّ، ابن صدام حسين.

وفي الرواية، وصل عديّ إلى بيت حنا غاضباً، فكسر زجاج سيارته في البداية، ثم قتله بهراوة حديدة على رأسه. اعتقاداً منه أنه السبب في زواج أبيه بسميرة. 

يقول أبو علي "كانت المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس يبكي. بكى على كامل حنا. كان يحبه كثيراً، ونحن أيضاً كنا نحبه، فهو شخص جيد وكان يعاملنا جيداً، أصبنا جميعاً بالحزن".

وبعد ذلك قام صدام بحبس ابنه عديّ في السجن، يروي أبو علي "زاره في السجن وكان غاضباً جداً بسبب فعلته، وأوشك على قتله، لكن الأبوّة منعته من ذلك".

"عرفنا لاحقاً بقرار الإفراج عن عديّ وأنه أرسل ليمضي أشهراً عديدة في دولة خارج العراق، عاد بعدها"، يقول أبو علي وفق ما أورد كتاب "كيف تطعم الديكتاتور"، للبولندي فيتولد سافلوفسكي.

وفي فصل آخر، يستذكر شيئاً عن طبيعة ابني صدام، عدي وقصي، إذ أن عديّ قال لأبو علي في إحدى المرات "لولا حماية أبي لكم كنت قتلتكم جميعاً" في إشارتة إلى الطباخين والعاملين مع صدام في مقرّه الرئيسي. 

وعُرف عن عديّ بمعاملته السيئة للعاملين معه، كان أحياناً يضربهم بنفسه بهراوة حديدية، كما اشتهرت قصة عنه حول اختطافه لشابة عراقية كانت تمشي مع خطيبها، لتنتحر لاحقاً، ويُقتل خطيبها من قبل معاوني عديّ.

يؤكد أبو علي "عديّ وقصيّ كانا فظيعين.. خصوصاً عديّ. حقيقة، إن الأفضل من بين جميع أفراد عائلة التكريتي هو صدام، لا أعلم كيف نجا منهم".

صدام حسين، متوسطاً ابنيه عديّ وقصيّ، اللذين قتلا خلال المعارك بين الجيش العراقي والأميركي في 2003

 

هدايا ومكافآت ومزاجيّة صدّام

فريق الطباخين الخاص بمزرعة صدام، تلك التي أقام فيها قبل بناء القصور، ليس نفسه الذي يطبخ في مقر إقامة زوجته ساجدة، حيث لديها طباخان بينما 6 في المزرعة. 

يقول أبو علي "إذا كان الرئيس في مزاج جيد، يقدم لنا المكافآت، حيث يحب أن يفرح من حوله، أما إن كان في مزاج سيء، يصرخ على الطباخين وينتقد الطعام، ويجعل معدّه يدفع 50 دينار مقابل اللحم أو السمك أو الأرز المهدور".

ولكن في نهاية الشهر "أكون حصلت على أكثر من راتبي الشهري" يقول أبو علي، في إشارة إلى أن المكافآت أكثر من العقوبات المالية.

وعمّا يحظى به الطباخون مع صدام، يؤكد أبو علي "عدا عن الراتب الشهري والمكافآت المالية، كنت أحصل على سيارة جديدة كل عام، كما نحصل على ملابس جديدة خصيصاً لنا صنعت في إيطاليا مرتين كل عام، بالإضافة للملابس الخاصة بالطبخ".

"كان الواحد منا يأتي بسيارة وفي آخر النهار حين يعود لمنزله، يجد سيارة جديدة مختلفة عن سابقتها بانتظاره في المرآب قبل أن يرحل، ويتم أخذ مفاتيح السيارة القديمة منّا. حصلت خلالها على ميتسوبيشي وفولفو وشيفروليت"، يضيف أبو علي.

ويتابع: "في كل عام كان خياط إيطالي يأتينا إلى القصر، ويأخذ مقاسات جميع العاملين، ثم ترسل لهم ملابس من إيطاليا بالطائرة". 

 

شبيه صدّام والحرب مع إيران

يسترسل أبو علي في سرد قصص وأحداث عاصرها أثناء عمله مع صدام حسين، إحداها تتعلق بقدرته على السباحة وصحته الجسدية. 

يقول "أطلق الأميركيون إشاعة أن لصدام شبيهاً هو الذي كان يسبح في نهر دجلة، فجسده ليس قوياً كفاية ليقوم بذلك".

"بعدها بأيام قام صدام بدعوة الصحافيين لمؤتمر، ألقى خلاله خطاباً، بشكل يؤكد أنه هو بذاته، وبعد الانتهاء قفز إلى النهر وسبح في الاتجاهين" يضيف أبو علي. 

ويشير إلى أنه ورغم ذلك، قيل إنه استعان بمحركّات مخفية تحته في النهر!

أما الحقيقة حسب أبو علي، فهي أن صدام "كان بصحة ممتازة دائماً، وطيلة سنوات عمله معه لم يره مريضاً سوى مرة واحدة، بعد تناوله طعاماً في المزرعة، تسبب في وعكة له. وكان يسبح كل يوم بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة، وفي كل قصر لديه مسبح، يطل على نهر دجلة".

يبدو أن هذا الفيديو هو ما قصده أبو علي في سرديّته، خصوصاً أن صدّام يتحدث فيه عن الشبيه والأميركيين

وعن الرئيس وقت الحرب، يوضح أبو علي، للكاتب البولندي فيتولد سافلوفسكي "تزامنت بداية عملي طباخاً للرئيس، مع الحرب ضد إيران. ذهب صدام في سيارة عسكرية عادية، وأقام في المعسكر في خيمة مثله مثل باقي الجنود، لم يكن من معالم رفاهية تحيط به".

ويضيف "كان كامل حنا يأتينا صباحاً فيقول، هيا سنذهب إلى الحرب. أعد نفسي وأحياناً إن كان لدي ساعة من الزمن أحضر الأرز، كي أوفر وقتاً ويكون أفضل من إعداده هناك".

"وحين يصل صدام، كان يذهب لزيارة الجنود، بينما أعد الطعام مثل التكة والكباب. وكان عادة يود أن يشعروا باهتمامه بهم وعنايته، فيقوم بالطبخ بنفسه لهم، كأن يعد الأرز، لكن بسبب انشغاله مع ضباط آخرين في دردشات جانبية أو التقاط الصور -كان يحب أخذ الصور كثيراً- يحترق الأرز، أو يضع كيلو كامل من الملح على القدر"، يتابع أبو علي.

وكان الجنود يتناولون الأرز المحترق أو المالح زيادة، من دون اعتراض، فهذا الطعام أعدّه الرئيس. 

ويبيّن أبو علي "سمعت الكثير من الكلام بعد سقوط صدام، مثل أنه لم يكن يحارب إلى جانب الجنود، بل كان يضحي بهم، ولكنني شهدت عكس ذلك".

يوضح "في إحدى المرات بينما كنت أطهو على مقربة من موقع صدام مع بعض الجنود، باغتتنا هجمة من جنود إيرانيين -لقد أقنع الخميني الإيرانيين أن كل من يُقتل في الحرب سيذهب مباشرة إلى الجنة حتى لو لم يكن متديناً أو يعلم أي شيء عن الإسلام، فكانوا يقاتلون بضراوة وكره للعراقيين- فواجههم البعض بإطلاق النار، بينما هرب البقية من ضمنهم أنا".

"لكنني رأيت صدام حين هرب الجميع، بقي ثابتاً في مكانه. وحين عدت بعد انتهاء الهجمة، وجدته في المكان عينه، يتناقش مع بعض الجنود، حتى أنه لم ينظر إلي أو إلى الجنود الذين هربوا. سمعت لاحقاً أن بعضهم أُعدم، لكنني لستُ أكيداً من ذلك، لكن بالنسبة لي لم أواجه أية مشكلة"، يقول أبو علي.

لاحقاً حين أخبر أبو علي زميله في فريق الطبخ، ماركوس، بما حصل، رد عليه مهوّناً "لقد فعلت خيراً، فأنت لست هناك لتحمي الرئيس، إنما هي مهمة الحرّاس الشخصيين، نحن هناك لإعداد الطعام فقط. وإذا حاولت فعل شي آخر، قد تفعله بشكل خاطئ".

"لقد كان  على حق"، يؤكد أبو علي، بعد مرور عقود على تلك الحادثة.

صدام حسين مع ضباط وحرس شخصي، خلال الحرب العراقية الإيرانية- من أرشيف رويترز

"شوربة الحراميّة"

في أحد الأيام، أتت ساجدة، زوجة صدام حسين للمزرعة، وذلك لتعليم أبو علي طريقة إعداد الحساء المفضّل للرئيس، وهو حساء السمك التكريتي، ويسمّيه صدام "شوربة الحراميّة"، وذلك لأن "السارقين في تكريت كانوا يعدّونه"، حسب أبو علي.

ويصف الطريقة، مؤكداً أنه ليس حساءً مألوفاً للعراقيين، ما عدا أهالي تكريت (مولد ونشأة صدام حسين)، وهو نفسه لم يتذوقه قط في حياته. 

وخطوة بخطوة، أوضحت ساجدة، طريقة الإعداد، وهي التي تجنبت محادثة صدام حين رأته في طريقها للمطبخ، بسبب بعض المشاكل العالقة بينهما، كما يقول أبو علي.

ويلفت هنا "أعتقد أنني الوحيد اليوم في الكرة الأرضية الذي يعلم كيف يحب صدام حسين هذا الطبق. أنت الثالث (القارئ)".

وعن السرقة، يُذكر بين صفحات الفصول الخاصة بطباخ صدام حسين في الكتاب (عددها 23)، أنه ترعرع في تكريت، وعاش حياة صعبة جداً مع أمه، بعد طلاقها من أبيه، وزواجها بآخر كان لقبه في المدينة "الكذّاب"، الذي عرف عنه معاملته لصدام في طفولته "بقسوة شديدة، كان يضربه، وأحيانا يجبره على الرقص، وعلمه السرقة، فكان صدام يسرق من أجل إعالة أمه وزوجها".

 

نهاية الرحلة

بعد انتهاء الحرب مع الكويت، كان أبو علي شعر أنه وصل لحدّه من التعب خلال سنوات العمل في قصر الرئيس، لذا قال لأحد الحراس الشخصيين، بأنه يود الاستقالة.

فاستدعاه صدام حسين وكان الحوار بينهما: 

صدّام: سمعت أنك تريد تركي؟

أبو علي: أنا آسف، ولكن هذا صحيح.

- حسناً، أتفهم ذلك. 

وبعد أسابيع، تحقق حلم أبو علي أخيراً، حيث بدأ العمل مع فندق "خمس نجوم". 

يقول "حين تركت العمل، طلب مني شيء واحد. وهو أن أعدّ البسطرما كل سنة، حيث كان صدام يحبها على طريقتي، والبسطرما تصنع عادة في الشتاء".

"وافقت من دون تردد" يضيف أبو علي، مردفاً "ولسنوات بعدها، كنت في كل مرة أحصل على إجازة سنوية، أجهز جميع المقادير اللازمة، وأصنع البسطرما للقصر، التي تكفي لعام كامل".

ويتابع: "لم يتوقف صدام عن كرمه، وحتى بعد مغادرتي القصر، ظل يدفع لي راتباً شهرياً كما لو أنني ما زلت على رأس عملي".

ويستذكر أحداث الغزو الأميركي، بدءاً من العملية الإرهابية في برجي التجارة العالميين، وإعلان جورج بوش الحرب على العراق، وإعدام صدام شنقاً، ورحيل عائلتيه (ساجدة وسميرة) في اتجاهين مختلفين بعيداً عن العراق.

إسقاط تمثال صدام حسين في بغداد، بعد دخول الأميركيين إليها عام 2003- أرشيف رويترز

ويزيد "كانت آخر بسطرما أعدّها بعد الضربة الأميركية الثانية للعراق، وحين دخل الجنود الأميركيون أحد البيوت التي اختبأ فيها صدام داخل ضواحي تكريت، وجدوا بسطرما معلقة في إحدى أشجار النخيل. لقد أخذها معه للنهاية".

وفي هذه المرحلة، كان أبو علي مرعوباً  من أن يتم قتله أو اعتقاله إلى جانب كل من عمل مع صدام حسين، خصوصاً أن يلقى به في سجن غوانتانامو،  ويُعذّب هناك، يقول "اختبأنا جميعاً.. لم يعثروا على أي من فريق الطباخين القديم الذي أعرفه، والوحيد الذي أعرفه واعتقل كان الرجل الذي اعتاد المجيء للقصر من أجل تغيير بطاريات جهاز التحكم بالتلفاز وضبط معايير البث التلفزي".

"ولاحقاً عرفت أن الأميركيين كانوا يبحثون عن كل ما يتعلق بطبيعة حياة صدام، لعله يرشدهم لمكان اختبائه، وواضح أنهم وجدوا شخصاً فعلاً، لكن لا أحد يعلم من هو"، يوضح أبو علي.

ويشير للكاتب فيتولد سافلوفسكي، فيما يحمل الصور نفسها بين يديه، إلى أنه كان يحتفظ بصور خاصة مع صدام حسين، ولكن من شدة خوفه أثناء الحرب، أخفاها داخل مكيّف الهواء. وبعد سنوات، تعطّل الجهاز، وتسرّبت منه المياه، فأتلف كل شيء، بما فيها الصور.

يقول أبو علي "أتذكر بالضبط وقت التقاطها، كانت في الطريق بين تكريت وسامرّاء، ذلك بعد تناول وجبة طعام في أحد الحقول ضمن استراحة. قال صدام بعدها: أبو علي، لقد قمت بعمل جيد، دعنا نلتقط صوراً معاً.. كان يوماً جميلاً مشمساً، والجميع في مزاج جيد".

"انظر إليها.. هذا كل ما تبقى لي، بعد كل تلك السنوات"، يؤشر أبو علي على الصور، في ختام حديثه مع مؤلف "كيف تطعم الديكتاتور".

 

على الهامش: الكتاب متوفر باللغة الإنجيلزية، لم يُترجم بعد للعربية، وقد تقرأه أو تسمعه عبر تطبيق "Audible".

وبالضغط على هذا الرابط، يوجد بعض الفصول المتاحة من قصة طباخ صدام حسين، مكتوبة.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك
جانب من سوق الأنتيكات في العاصمة العراقية بغداد (خان المدلل)- ارفع صوتك

ما إن وقعت عينا الستينية أم أيمن على مدفأة "علاء الدين" النفطية في سوق الأنتيكات والتحف في خان المدلل، حتى عاد بها الحنين إلى طفولتها حين كانت تجلس في حضن والدتها عندما يشتد برد الشتاء في بغداد القديمة.

مدفأة "علاء الدين"

سألت بلهفة عن ثمن المدفأة ثم نادت صديقة كانت ترافقها، وبنبرة حنين قالت "تتذكرينها؟" قبل أن تروي حكايات عن والدتها التي غيبها الموت منذ عشرين عاماً، وكيف كانت مدفأة "علاء الدين" رفيقة لها في المطبخ والصالة وحتى في طقوس الاستحمام  خلال طفولتها.

خرجت أم أيمن من محل رضا الساري للأنتيكات دون أن تتمكن من شراء المدفأة. تقول وهي تخرج من المكان: "لم أتصور أن سعر المستعملة يمكن أن يكون أعلى  من الجديدة بكثير".

بائع الأنتيكات في خان المدلل رضا الساري

يتجاوز سعر المدفأة غير المستعملة من مدفأة "علاء الدين" الإنجليزية مليون دينار عراقي (نحو 750 دولاراً)، بحسب الساري.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن سر هذه المدفأة "ارتباطها بوجدان العراقيين، فهي تذكر أجيال الخمسينات والستينات بأمهاتهم، حيث لم يخلُ أي بيت عراقي منها".

ولهذا السبب، "يتصرف الكثير من المتبضعين بعاطفة وحنين للماضي حين يتم عرض أنواع معينة من التحف والأنتيكات في خان المدلل، فهي تذكرنا بزمن كانت العلاقات الاجتماعية فيه أكثر عمقاً وألفة مما هي عليه اليوم"، يضيف الساري.

 

خان المدلل

يتألف خان المدلل من مبني على الطراز البغدادي القديم من طابقين على شكل غرف متقابلة مع حديقة واسعة في الوسط تحولت بمرور الوقت إلى ساحة لعرض البضائع والسلع المختلفة.

ويقع الخان الذي بني قبل أكثر من مئة عام في ساحة الميدان، التي كانت يوماً تمثل قلب بغداد النابض بالحياة والمحرك الرئيس للحياة الثقافية والسياسية.

صوت الغرامافون في إحدى زوايا المبنى يجذب الأذن لأسطوانة تصدح بأغنية لأم كلثوم  تعود إلى الثلاثينات، وبينما يجذب لمعان النحاس النظر تتدلى ثريات الكريستال من سقوف المحال لتعكس ألوان قوس قزح على الجدران.

يروي بائع الأنتيكات الستيني أبو محمد: "بُني الخان قبل أكثر من مائة عام مع بداية بناء الخانات في بغداد لاستقبال المسافرين من خارج العراق وبقية المحافظات، وكانت ملكيته تعود إلى عائلة المدلل التي اكتسب اسمه منها".

بمرور الوقت تحول إلى فندق ومسرح وملتقى ثقافي، وفي الثمانينيات تحولت ملكية الخان إلى أمانة بغداد التي رممته وحولته إلى سوق تجاري، ومع التسعينيات بسبب تراجع الإمكانات المادية إثر الحصار الاقتصادي، أصبح الخان والمنطقة المحيطة مكاناً لبيع وشراء الأثاث القديم حيث تأتي أغلب البضائع منذ ذلك الوقت وحتى الآن من البيوت البغدادية القديمة، بحسب أبو محمد، الذي يعمل في الخان منذ أربعين عاماً.

أما أكثر أيام الأسبوع في العمل فهي أيام الجمعة والسبت حيث يكتظ الخان بالرواد، بعضهم جزء من التقليد الأسبوعي لشارع المتنبي القريب حيث الندوات الثقافية والفنية.

وينقسم رواد خان المدلل، بحسب أبو محمد، إلى الشباب الذين يجذبهم رونق التحف والأنتيكات ولديهم شغف بالماضي، وإلى كبار السن والسائحين الذين يزورون بغداد حيث لعبت مواقع التواصل دوراً في تعريف الزوار من خارج العراق بالسوق وأكسبته شهرة، فصار مقصد الكثير من السياح لشراء مقتنيات وتحف خصوصاً أعمال النحاس العراقية القديمة المصنوعة يدوياً.

"الرشيد".. شارع يروي تاريخ بغداد الاجتماعي والسياسي والفني
متوازياً مع نهر دجلة، وبخط متعرج يمتد شارع الرشيد التراثي، ليحكي تاريخ العاصمة العراقية بغداد منذ أوج ازدهارها في العهد العباسي، وصولاً إلى آخر الولاة العثمانيين الذي شق الطريق لأهداف حربية، ليتحول إلى أيقونة الثورات وواحداً من أهم شوارع المدينة.

روّاد الخان

تأتي الشابة دعاء إلى شارع المتنبي لاقتناء ما تحتاجه من كتب فهي طالبة في كلية الهندسة بجامعة بغداد، وهي حريصة  على المرور بخان المدلل، تقول لـ"ارفع صوتك": "أنا مولعة بالإكسسوارات القديمة والحلي الفضية والأحجار التي يتم عرضها  في محال خان المدلل التي لا يوجد لها شبيه في أي مكان آخر".

على العكس منها، كان الشاب الثلاثيني خلدون وسام، يبحث عن مسدس قديم الطراز وللحظة علت الابتسامة وجهته حين لمح مسدساً شبيهاً بما يحاول اقتناءه، لكنه بعد تفحصه أعاده للبائع لوجود خلل في الزناد كان من شأنه تقليل قيمته.

بداية ولعه بالأنتيكات كما يوضح لـ "ارفع صوتك"، منذ سن السابعة حين بدأ بجمع الطوابع، ثم كبر وصار زبوناً دائماً في خان المدلل، إذ يهوى جمع الأسلحة القديمة.

ويشير خلدون إلى أن أهم مقتنياته التي يفتخر بها "مسدس من الحرب العالمية الأولى".

"أنا مولع بالأسلحة القديمة وتستهويني أسلحة الحرب العالمية الأولى كما أجمع نياشين الحقبة النازية وعملاتها".

ويعتقد أن الأنتيكات عكس كل ما هو استهلاكي، إذ تزيد قيمتها مع الزمن ولا تنقص، ولا يتوقف الطلب عليها أبداً.