من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998
من أرشيف وكالة رويترز- عام 1998

لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

هذه مفاتيح قد تبدو هي أو القصص التي تقف خلفها، صادمة للبعض، تبرز وجهاً آخر للديكتاتور الذي حكم العراق 24 عاماً، لكنها أيضاً جوانب من حياته، شهدها أحد المقربين غير العسكريين منه، إنه طباخه الشخصي، أبو علي.

وتصلنا ذكريات أبو علي، عبر كتاب "كيف تطعم الديكتاتور" للصحافي والكاتب البولندي فيتولد سافلوفسكي، الصادر في أبريل 2020.

نلخص لك، في "ارفع صوتك"، 23 فصلاً من الكتاب، غير المترجم بعد للعربية، لنستعرضها في التقرير الآتي. 

 

تساؤلات الكاتب

يقول سافلوفسكي في بداية الكتاب، إن البحث عن طباخ صدام حسين استغرق عامين، فيما استغرق إقناعه بأن يروي ذكرياته، عاماً كاملاً، من خلال الصديق ومرافق الكاتب، حسن.

وقبل الحديث، أملى أبو علي شروطه على سافلوفسكي، وهي "ألا يتمشيا في المدينة، وألا يطبخا معاً، وألا يزوره هو أو حسن في بيته"، فما كان منه إلا إجراء المقابلة على مدى أيام في غرفته الفندقية وسط العاصمة بغداد. 

ويضم الكتاب، قصصاً على ألسنة طباخين آخرين، لكل من الرؤساء: عيدي أمين (أوغندا) وأنور خوجة (ألبانيا) وفيدل كاسترو (كوبا) وبول بوت (كمبوديا).

وامتد بحث سافلوفسكي عن هؤلاء الطباخين لسنوات، بعد أن لمعت لديه الفكرة، نتيجة أسئلة خطرت على باله، مثل "ماذا كان يأكل بول بوت بينما كان مليونا كمبودي يموتون جوعاً؟ هل أكل عيدي أمين حقًا لحم الإنسان؟ ولماذا كان فيدل كاسترو مهووسًا بإحدى البقرات؟

ويبدو أن الكاتب لم يصل إلى أجوبته فقط، بل أكثر من ذلك، حيث نجد رواية الطباخين تتنقل بين ماضي البلاد في عهد الديكتاتوريين وحاضرها بعد رحيلهم وتبدل الزعماء والحكومات والحروب والأزمات أيضاً.

كما نقرأ وصفات أطباق شعبية من كل الدول، أبرزها طبعاً، المقدَمة على موائد الزعماء، تحديداً، المحببة لذائقة كل منهم.

صورة الغلاف لكتاب "كيف تطعم الديكتاتور"

 

كيف وصل لقصر صدام؟

تتخلل سيرة عمل أبو علي، الطريق الذي أدى به لأن يصبح الطباخ الأول للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، لسنوات طويلة.

وهو الذي تعلّم الطبخ في مطعم صغير لعمّه، ونجح في أن يكون طباخاً ماهراً، يحب طعامه الزبائن، وبعد سنوات قرر أن ينتقل لمستوى آخر، لأنه يحلم باقتناء سيارة، فبحث عن وظيفة جديدة، ليجدها في مركز طبي داخل العاصمة بغداد.

يقول أبو علي "سألوني في المقابلة: هل يمكنك إعداد الأرز لـ300 شخص؟ فأخبرتهم أنني كنت أفعل ذلك يومياً لمدة ثماني سنوات".

حقق حلمه باقتناء سيارة، ونجح في عمله، وبعد سنوات في المركز الطبي، قرر الانتقال لمستوى آخر، وهو العمل في أحد فنادق الخمس نجوم، ووجده بالفعل، وفي تلك اللحظة تماماً، بدأ قدره يتجه لمسار آخر، لم يكن بالحسبان.

طُلب أبو علي للخدمة العسكرية في كردستان شمال البلاد، لاحتواء ثورة شعبية كردية مناهضة للسلطة، كان ملا مصطفى أحد قادتها البارزين.

يقول أبو علي، حسبما ورد في كتاب "كيف تطعم الديكتاتور": "دارت المعارك في الجبال، حيث أُرسلت هناك مع بندقية. لم أكن سعيداً بذلك، حيث كنت في السادسة والعشرين من عمري، ولم أكن ضد الأكراد، بالتالي لا أريد أن أقتل في معركة معهم".

أخبر أبو علي الضابط المشرف عليه، أنه "يتقن الطبخ لا القتال"، لذا يمكنه أن يطبخ للجنود، لا سيما أنهم بالآلاف ولا يوجد طباخ ماهر بينهم. 

وحين انتهى القتال، عاد أبو علي كي لا يجد الوظيفة الفدقية بانتظاره، لكن بسبب نجاحه في الطبخ خلال المعارك، أشار عليه أحد الضباط بالتوجه للحصول على تدريب الطبخ في "قصر السلام" التابع لوزارة السياحة، حيث يتم تخريج أفواج من الطباخين نحو الفنادق التابعة للحكومة.

وهذا ما حصل، ليتميز في التدريب، على يد اثنين من أمهر الطباخين، أحدهما بريطاني والآخر لبناني، ورشحاه كلاهما ليصبح مدرباً في القسم، وفي نفس الوقت أصبح طباخاً في وزارة السياحة.

وبين مجموعة طباخين هم الأفضل في البلاد، عمل أبو علي لسنوات، وتذوق طعامه قادة وعسكريون ورؤساء دول وملوك. 

وفي أحد الأيام طلب منهم، إعداد كعكة، على أن تكون أفضل ما باستطاعتهم، ولم يكونوا على علم بالمناسبة.

يقول أبو علي "أمضينا يومين وليلتين في صنعها"، وكانت بقاعدة مربعة كل جانب منها بطول مترين تقريباً، وارتفاعها حوالي ثلاثة أمتار.

وبعد يومين على إعداد الكعكة الإسفنجية المغمورة بالكريما وأشكال تختزل معالم أثرية في العراق، إضافة لنهري دجلة والفرات، شاهدها معدّوها عبر شاشة التلفاز، يقطعها صدام حسين، لأنها كانت كعكة عيد ميلاده.

من أرشيف وكالة فرانس برس- احتفالات بعيد ميلاد صدام حسين في كركوك 2002

بعد سنوات من التدريب والعمل في وزارة السياحة، قال رئيس فريق الطباخين لـ أبو علي، "اليوم سأصطحبك لمقابلة الرئيس صدام حسين،  وكل ما سيحصل بينكما سر".

لم يصدق أبو علي ما سمعه، وهو الذي لم يلتق البتة طيلة فترة عمله بأي طباخ للرئيس، استعجب أن يحصل ذلك معه فجأة. 

وقبل لقاء صدام، وقع أبو علي على تعهد بألا يخبر أحداً أياً كان بما سيراه في بيت الرئيس، وإذا حصل ذلك، سيواجه عقوبة الإعدام.

حصل الأمر بسرعة وخلال دقائق كان أمام الرئيس. وعن هذه اللحظة يروي أبو علي "قال صدام: إذن أنت أبو علي؟ نعم سيدي الرئيس (أجابه)، فرد عليه: ممتاز، أريد منك إعداد التكة (مشاوي لحم)".

وهذا كان أول طبق أعدّه أبو علي للرئيس، في المطبخ الخاص بالقصر. وهناك، رافقه الحارس الشخصي لصدام، وهو كامل حنا، وأخبره أن والده كان الطباخ الأول، لكنه سيتقاعد قريباً، أما الطباخ الثاني فكان مريضاً، بالتالي فإن أبو علي مرشح لأن يصبح طباخ القصر الآن.

وبعد انتهاء صدام من تناول طعامه، طلب مقابلة أبو علي، وهو ما لم يحدث مع الأخير سابقاً، إذ كان من الغريب بالنسبة له أن يتحدث مع شخص أكل ما أعدّه للتو.

قال صدّام: "شكراً لك، أنت بالفعل طباخ جيد". وأعطاه مغلفاً فيه مكافأة مالية بقيمة 50 ديناراً عراقياً، تساوي آنذاك 150 دولار. 

وأضاف: "هل توافق على العمل لدي؟" أجاب أبو علي من دون تردد "بالطبع سيدي الرئيس".

في تعليقه على هذا الحدث للكاتب فيتولد سافلوفسكي، يقول أبو علي "هل كنت لأرفض طلبه؟ لا أعلم. لكنني فضلت عدم المحاولة".

وهكذا، وجد أبو علي نفسه في قصر الرئيس، طباخاً خاصاً به، بعد أن دفعته الخدمة العسكرية وإعداد الطعام في الوزارات الحكومية، بعيداً عن حلمه الأول: العمل في فندق خمس نجوم.

 

كباب بالتوباسكو

يروي أبو علي عدة قصص عاصرها وكان شاهداً مقرباً من تفاصيلها في حقبة الرئيس العراقي الأسبق، الذي أعدم بعد محاكمة، إثر الغزو الأميركي للبلاد عام 2003.

وفي هذه الحكاية طُلب منه أن يرافق الرئيس وحرسه الشخصي وبعض أصدقائه، في رحلة مركب، عرض فيها صدام أن يعد الكباب بنفسه لهم جميعاً. 

وقيل لـ أبو علي حينها: "أنت اليوم في إجازة" وهي كلمة لم تكن مألوفة لأي من العاملين في القصر، حسب طباخ الرئيس. 

لكن صدام، قام بوضع التوباسكو (الشطة الحارة) على الكباب، ما دفع أبو علي لشرب الماء الكثير، والخوف من أن يكون الطعام مسموماً بسبب أعراض الحرارة واحمرار الوجه الذي أصابه، ليعلم لاحقاً أن التوباسكو هدية تلقاها صدام مؤخراً، ولأنه لا يحب الطعام الحار، قرر أن يقوم بهذا المقلب مع أصدقائه.

كفتة عراقية

سأل سليم، وهو أحد الحراس الشخصيين، أبو علي "هل أعجبتك الكباب" فقال له "لو كنت قدمت نفسها للرئيس، سيضربني على مؤخرتي، ويطلب مني دفع 50 دينار مقابل إفسادي للمقادير".

لم يكن يعلم أن حنا سينقل الكلام بالحرف للرئيس، وهو ما حصل بالفعل، فناداه صدام أما الجميع وسأله عن صحة كلامه. 

هذه اللحظات كانت بمثابة رعب لأبو علي، مما يمكن أن يحصل له، خصوصاً أمام رئيس لا ينتقده أحد، مهما كان منصبه أو درجة قربه منه.

وكان هذا الحوار، حول مائدة الطعام التي ما زالت تحمل أطباق الكباب وزجاجات الويسكي:

صدام: سمعت أنك لم تحب الكباب الذي أعددته؟ (وسط صمت مطبق للجميع)
هنا ازداد أبو علي رعباً، وأخذه تفكيره لعائلته، يا ترى ما الذي سيحل بهم إن قُتل. لا أعرف مالذي قد يحصل لي، لكنه لن يكون حسناً على أي حال.

كرر صدام سؤاله، ثم انفجر ضاحكاً، وعلت ضحكاته على المركب في مساء ربيعي داخل نهر دجلة. ثم بدأ الآخرون بالضحك، ليتراجع خوف أبو علي شيئاً فشيئاً.

حينها قدم صدام 50 دينار إليه، وقال له "كلامك صحيح، إنها حارة، وهذا المال مقابل سعر اللحم الذي أفسدته. سأطبخ لك كباب من دون توباسكو، هل ترغب بذلك؟" فأجاب أبو علي "نعم". وبالفعل أعد له طبقاً من الكباب من دون توباسكو وكان طعمه جيداً، حسب أبو علي.

يقول "في الحقيقة، من المستحيل أن تطهو كبابا سيئا" في إشارة لى سهولة إعداد هذا الطبق العراقي.

 

سميرة وكامل حنّا  

كان كامل حنا "يعرف ذوق صدام حسين بالنساء"، فيجلبهن له في المزرعة، التي كانت مكان استراحته، حسبما يقول أبو علي.

لكن المرأة التي تكررت وظلت وحدها معه، اسمها سميرة. يضيف طباخ الرئيس "كلاهما كان منجذباً للآخر بشدة، وهي كانت متزوجة، لكن ذلك كان غير مهم بالنسبة لها أو لصدام".

ويشير إلى أن صدام تزوجها أخيراً بعد أن طلقت زوجها. ولكن كل ذلك كان سراً دفيناً، لأن صدام يكنّ كل الاحترام لخاله والد زوجته ساجدة، ولا يريد أن يفسد العلاقة مع أو بزوجته. 

صدام حسين برفقة كامل حنا، حارسه الشخصي.

في وصف أبو علي لسميرة، يحكي أنها كانت من عائلة فقيرة، وظلت عاداتها "الفقيرة" ترافقها حتى بعد زواجها بصدام، فمثلاً "كانت تأتي إلى المطبخ وتجمع ما تبقى من الطعام، ثم تقول للسائق أن يرسله لأبيها وأمها"، دون علم صدام.

وحين علم الرئيس بذلك غضب كثيراً، يقول أبو علي، موضحاً "لم يكن ينقص عائلتها شيئ، لقد اشترى لهم صدام بيتاً جديداً وأعطى إخوتها سيارة لكل واحد، ومصروفاً شهرياً، حتى طليقها، الذي مرض في أحد الأوقات، أرسل له طبيباً، وكنا نرسل كل يوم له وجبات الطعام، لأنه يعيش وحده، بينما أطفالها الثلاث انتقلوا للعيش في المزرعة معها، وأرسلوا لمدارس خاصة".

ورغم غضب صدام، الذي تفاجأ من تصرف سميرة باعتبار أن أهلها لا ينقصهم شيء، وهو غير مقصر في حقهم، استمرت بإرسال المتبقي من الطعام لعائلتها، حسبما يقول أبو علي، في كتاب "كيف تطعم الديكتاتور".

أما القصة ككل، فانكشفت خلال أحد الأيام ووصل الخبر لساجدة زوجة صدام وأم أبنائه، ما سبب أزمة داخل العائلة.

وزواج صدام بسميرة لم يكن شأناً شخصياً متعلقاً بزوجته فقط، بل شأناً عائلياً، لأن الرئاسة بحد ذاتها كانت إنجازاً لعائلة التكريتي ككل لا لصدام وحده، وكل مكتسبات الحياة بعدها، اشتركوا جميعاً في تحقيقها. 

ورغم أن ساجدة كانت على علم بعلاقات صدام العديدة، غير المؤكدة أيضاً بالنسبة لها، نظراً لانشغاله الدائم بأمور السياسة وإدارة الحكم. لكن فكرة أن يتزوج إحدى النساء اللواتي يقابلهن، كانت قصة أخرى. 

يقول أبو علي "على أية حال، كانت ممتعضة منه، لأنها لا تلتقيه كثيراً، وللخروج من ذلك، تقوم كلما استطاعت، بالسفر حول العالم بغرض التسوّق".

صدام حسين مع زوجته ساجدة- من أرشيف رويترز

وهنا يتحدث أبو علي عن موت كامل حنا، الحارس الشخصي والصديق المقرب، حيث قتل على يد عديّ، ابن صدام حسين.

وفي الرواية، وصل عديّ إلى بيت حنا غاضباً، فكسر زجاج سيارته في البداية، ثم قتله بهراوة حديدة على رأسه. اعتقاداً منه أنه السبب في زواج أبيه بسميرة. 

يقول أبو علي "كانت المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس يبكي. بكى على كامل حنا. كان يحبه كثيراً، ونحن أيضاً كنا نحبه، فهو شخص جيد وكان يعاملنا جيداً، أصبنا جميعاً بالحزن".

وبعد ذلك قام صدام بحبس ابنه عديّ في السجن، يروي أبو علي "زاره في السجن وكان غاضباً جداً بسبب فعلته، وأوشك على قتله، لكن الأبوّة منعته من ذلك".

"عرفنا لاحقاً بقرار الإفراج عن عديّ وأنه أرسل ليمضي أشهراً عديدة في دولة خارج العراق، عاد بعدها"، يقول أبو علي وفق ما أورد كتاب "كيف تطعم الديكتاتور"، للبولندي فيتولد سافلوفسكي.

وفي فصل آخر، يستذكر شيئاً عن طبيعة ابني صدام، عدي وقصي، إذ أن عديّ قال لأبو علي في إحدى المرات "لولا حماية أبي لكم كنت قتلتكم جميعاً" في إشارتة إلى الطباخين والعاملين مع صدام في مقرّه الرئيسي. 

وعُرف عن عديّ بمعاملته السيئة للعاملين معه، كان أحياناً يضربهم بنفسه بهراوة حديدية، كما اشتهرت قصة عنه حول اختطافه لشابة عراقية كانت تمشي مع خطيبها، لتنتحر لاحقاً، ويُقتل خطيبها من قبل معاوني عديّ.

يؤكد أبو علي "عديّ وقصيّ كانا فظيعين.. خصوصاً عديّ. حقيقة، إن الأفضل من بين جميع أفراد عائلة التكريتي هو صدام، لا أعلم كيف نجا منهم".

صدام حسين، متوسطاً ابنيه عديّ وقصيّ، اللذين قتلا خلال المعارك بين الجيش العراقي والأميركي في 2003

 

هدايا ومكافآت ومزاجيّة صدّام

فريق الطباخين الخاص بمزرعة صدام، تلك التي أقام فيها قبل بناء القصور، ليس نفسه الذي يطبخ في مقر إقامة زوجته ساجدة، حيث لديها طباخان بينما 6 في المزرعة. 

يقول أبو علي "إذا كان الرئيس في مزاج جيد، يقدم لنا المكافآت، حيث يحب أن يفرح من حوله، أما إن كان في مزاج سيء، يصرخ على الطباخين وينتقد الطعام، ويجعل معدّه يدفع 50 دينار مقابل اللحم أو السمك أو الأرز المهدور".

ولكن في نهاية الشهر "أكون حصلت على أكثر من راتبي الشهري" يقول أبو علي، في إشارة إلى أن المكافآت أكثر من العقوبات المالية.

وعمّا يحظى به الطباخون مع صدام، يؤكد أبو علي "عدا عن الراتب الشهري والمكافآت المالية، كنت أحصل على سيارة جديدة كل عام، كما نحصل على ملابس جديدة خصيصاً لنا صنعت في إيطاليا مرتين كل عام، بالإضافة للملابس الخاصة بالطبخ".

"كان الواحد منا يأتي بسيارة وفي آخر النهار حين يعود لمنزله، يجد سيارة جديدة مختلفة عن سابقتها بانتظاره في المرآب قبل أن يرحل، ويتم أخذ مفاتيح السيارة القديمة منّا. حصلت خلالها على ميتسوبيشي وفولفو وشيفروليت"، يضيف أبو علي.

ويتابع: "في كل عام كان خياط إيطالي يأتينا إلى القصر، ويأخذ مقاسات جميع العاملين، ثم ترسل لهم ملابس من إيطاليا بالطائرة". 

 

شبيه صدّام والحرب مع إيران

يسترسل أبو علي في سرد قصص وأحداث عاصرها أثناء عمله مع صدام حسين، إحداها تتعلق بقدرته على السباحة وصحته الجسدية. 

يقول "أطلق الأميركيون إشاعة أن لصدام شبيهاً هو الذي كان يسبح في نهر دجلة، فجسده ليس قوياً كفاية ليقوم بذلك".

"بعدها بأيام قام صدام بدعوة الصحافيين لمؤتمر، ألقى خلاله خطاباً، بشكل يؤكد أنه هو بذاته، وبعد الانتهاء قفز إلى النهر وسبح في الاتجاهين" يضيف أبو علي. 

ويشير إلى أنه ورغم ذلك، قيل إنه استعان بمحركّات مخفية تحته في النهر!

أما الحقيقة حسب أبو علي، فهي أن صدام "كان بصحة ممتازة دائماً، وطيلة سنوات عمله معه لم يره مريضاً سوى مرة واحدة، بعد تناوله طعاماً في المزرعة، تسبب في وعكة له. وكان يسبح كل يوم بعد الاستيقاظ من النوم مباشرة، وفي كل قصر لديه مسبح، يطل على نهر دجلة".

يبدو أن هذا الفيديو هو ما قصده أبو علي في سرديّته، خصوصاً أن صدّام يتحدث فيه عن الشبيه والأميركيين

وعن الرئيس وقت الحرب، يوضح أبو علي، للكاتب البولندي فيتولد سافلوفسكي "تزامنت بداية عملي طباخاً للرئيس، مع الحرب ضد إيران. ذهب صدام في سيارة عسكرية عادية، وأقام في المعسكر في خيمة مثله مثل باقي الجنود، لم يكن من معالم رفاهية تحيط به".

ويضيف "كان كامل حنا يأتينا صباحاً فيقول، هيا سنذهب إلى الحرب. أعد نفسي وأحياناً إن كان لدي ساعة من الزمن أحضر الأرز، كي أوفر وقتاً ويكون أفضل من إعداده هناك".

"وحين يصل صدام، كان يذهب لزيارة الجنود، بينما أعد الطعام مثل التكة والكباب. وكان عادة يود أن يشعروا باهتمامه بهم وعنايته، فيقوم بالطبخ بنفسه لهم، كأن يعد الأرز، لكن بسبب انشغاله مع ضباط آخرين في دردشات جانبية أو التقاط الصور -كان يحب أخذ الصور كثيراً- يحترق الأرز، أو يضع كيلو كامل من الملح على القدر"، يتابع أبو علي.

وكان الجنود يتناولون الأرز المحترق أو المالح زيادة، من دون اعتراض، فهذا الطعام أعدّه الرئيس. 

ويبيّن أبو علي "سمعت الكثير من الكلام بعد سقوط صدام، مثل أنه لم يكن يحارب إلى جانب الجنود، بل كان يضحي بهم، ولكنني شهدت عكس ذلك".

يوضح "في إحدى المرات بينما كنت أطهو على مقربة من موقع صدام مع بعض الجنود، باغتتنا هجمة من جنود إيرانيين -لقد أقنع الخميني الإيرانيين أن كل من يُقتل في الحرب سيذهب مباشرة إلى الجنة حتى لو لم يكن متديناً أو يعلم أي شيء عن الإسلام، فكانوا يقاتلون بضراوة وكره للعراقيين- فواجههم البعض بإطلاق النار، بينما هرب البقية من ضمنهم أنا".

"لكنني رأيت صدام حين هرب الجميع، بقي ثابتاً في مكانه. وحين عدت بعد انتهاء الهجمة، وجدته في المكان عينه، يتناقش مع بعض الجنود، حتى أنه لم ينظر إلي أو إلى الجنود الذين هربوا. سمعت لاحقاً أن بعضهم أُعدم، لكنني لستُ أكيداً من ذلك، لكن بالنسبة لي لم أواجه أية مشكلة"، يقول أبو علي.

لاحقاً حين أخبر أبو علي زميله في فريق الطبخ، ماركوس، بما حصل، رد عليه مهوّناً "لقد فعلت خيراً، فأنت لست هناك لتحمي الرئيس، إنما هي مهمة الحرّاس الشخصيين، نحن هناك لإعداد الطعام فقط. وإذا حاولت فعل شي آخر، قد تفعله بشكل خاطئ".

"لقد كان  على حق"، يؤكد أبو علي، بعد مرور عقود على تلك الحادثة.

صدام حسين مع ضباط وحرس شخصي، خلال الحرب العراقية الإيرانية- من أرشيف رويترز

"شوربة الحراميّة"

في أحد الأيام، أتت ساجدة، زوجة صدام حسين للمزرعة، وذلك لتعليم أبو علي طريقة إعداد الحساء المفضّل للرئيس، وهو حساء السمك التكريتي، ويسمّيه صدام "شوربة الحراميّة"، وذلك لأن "السارقين في تكريت كانوا يعدّونه"، حسب أبو علي.

ويصف الطريقة، مؤكداً أنه ليس حساءً مألوفاً للعراقيين، ما عدا أهالي تكريت (مولد ونشأة صدام حسين)، وهو نفسه لم يتذوقه قط في حياته. 

وخطوة بخطوة، أوضحت ساجدة، طريقة الإعداد، وهي التي تجنبت محادثة صدام حين رأته في طريقها للمطبخ، بسبب بعض المشاكل العالقة بينهما، كما يقول أبو علي.

ويلفت هنا "أعتقد أنني الوحيد اليوم في الكرة الأرضية الذي يعلم كيف يحب صدام حسين هذا الطبق. أنت الثالث (القارئ)".

وعن السرقة، يُذكر بين صفحات الفصول الخاصة بطباخ صدام حسين في الكتاب (عددها 23)، أنه ترعرع في تكريت، وعاش حياة صعبة جداً مع أمه، بعد طلاقها من أبيه، وزواجها بآخر كان لقبه في المدينة "الكذّاب"، الذي عرف عنه معاملته لصدام في طفولته "بقسوة شديدة، كان يضربه، وأحيانا يجبره على الرقص، وعلمه السرقة، فكان صدام يسرق من أجل إعالة أمه وزوجها".

 

نهاية الرحلة

بعد انتهاء الحرب مع الكويت، كان أبو علي شعر أنه وصل لحدّه من التعب خلال سنوات العمل في قصر الرئيس، لذا قال لأحد الحراس الشخصيين، بأنه يود الاستقالة.

فاستدعاه صدام حسين وكان الحوار بينهما: 

صدّام: سمعت أنك تريد تركي؟

أبو علي: أنا آسف، ولكن هذا صحيح.

- حسناً، أتفهم ذلك. 

وبعد أسابيع، تحقق حلم أبو علي أخيراً، حيث بدأ العمل مع فندق "خمس نجوم". 

يقول "حين تركت العمل، طلب مني شيء واحد. وهو أن أعدّ البسطرما كل سنة، حيث كان صدام يحبها على طريقتي، والبسطرما تصنع عادة في الشتاء".

"وافقت من دون تردد" يضيف أبو علي، مردفاً "ولسنوات بعدها، كنت في كل مرة أحصل على إجازة سنوية، أجهز جميع المقادير اللازمة، وأصنع البسطرما للقصر، التي تكفي لعام كامل".

ويتابع: "لم يتوقف صدام عن كرمه، وحتى بعد مغادرتي القصر، ظل يدفع لي راتباً شهرياً كما لو أنني ما زلت على رأس عملي".

ويستذكر أحداث الغزو الأميركي، بدءاً من العملية الإرهابية في برجي التجارة العالميين، وإعلان جورج بوش الحرب على العراق، وإعدام صدام شنقاً، ورحيل عائلتيه (ساجدة وسميرة) في اتجاهين مختلفين بعيداً عن العراق.

إسقاط تمثال صدام حسين في بغداد، بعد دخول الأميركيين إليها عام 2003- أرشيف رويترز

ويزيد "كانت آخر بسطرما أعدّها بعد الضربة الأميركية الثانية للعراق، وحين دخل الجنود الأميركيون أحد البيوت التي اختبأ فيها صدام داخل ضواحي تكريت، وجدوا بسطرما معلقة في إحدى أشجار النخيل. لقد أخذها معه للنهاية".

وفي هذه المرحلة، كان أبو علي مرعوباً  من أن يتم قتله أو اعتقاله إلى جانب كل من عمل مع صدام حسين، خصوصاً أن يلقى به في سجن غوانتانامو،  ويُعذّب هناك، يقول "اختبأنا جميعاً.. لم يعثروا على أي من فريق الطباخين القديم الذي أعرفه، والوحيد الذي أعرفه واعتقل كان الرجل الذي اعتاد المجيء للقصر من أجل تغيير بطاريات جهاز التحكم بالتلفاز وضبط معايير البث التلفزي".

"ولاحقاً عرفت أن الأميركيين كانوا يبحثون عن كل ما يتعلق بطبيعة حياة صدام، لعله يرشدهم لمكان اختبائه، وواضح أنهم وجدوا شخصاً فعلاً، لكن لا أحد يعلم من هو"، يوضح أبو علي.

ويشير للكاتب فيتولد سافلوفسكي، فيما يحمل الصور نفسها بين يديه، إلى أنه كان يحتفظ بصور خاصة مع صدام حسين، ولكن من شدة خوفه أثناء الحرب، أخفاها داخل مكيّف الهواء. وبعد سنوات، تعطّل الجهاز، وتسرّبت منه المياه، فأتلف كل شيء، بما فيها الصور.

يقول أبو علي "أتذكر بالضبط وقت التقاطها، كانت في الطريق بين تكريت وسامرّاء، ذلك بعد تناول وجبة طعام في أحد الحقول ضمن استراحة. قال صدام بعدها: أبو علي، لقد قمت بعمل جيد، دعنا نلتقط صوراً معاً.. كان يوماً جميلاً مشمساً، والجميع في مزاج جيد".

"انظر إليها.. هذا كل ما تبقى لي، بعد كل تلك السنوات"، يؤشر أبو علي على الصور، في ختام حديثه مع مؤلف "كيف تطعم الديكتاتور".

 

على الهامش: الكتاب متوفر باللغة الإنجيلزية، لم يُترجم بعد للعربية، وقد تقرأه أو تسمعه عبر تطبيق "Audible".

وبالضغط على هذا الرابط، يوجد بعض الفصول المتاحة من قصة طباخ صدام حسين، مكتوبة.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك
صورة مركبة للكاتب اللبناني حازم صاغية- ارفع صوتك

في طفولته، تسلّل العراق إلى الكاتب والمثقف اللبناني حازم صاغية من باب "العروبة ووحدة العرب" وبسبب علاقة البيت الذي تربّى فيه بحزب البعث.

صاغية المولود عام 1951 في لبنان، حمل العراق في انشغالاته الثقافية والسياسية ما يقارب السبعين عاماً، وأسَالَ في الكتابة عن العراق وأحواله حبراً كثيراً، ترجمه في مقالات وتحليلات نقدية وكتب خصصها للعراق وتاريخه ومآلات مستقبله.

في  2003 بعد سقوط نظام صدّام حسين، أصدر صاغية كتابه "بعث العراق: سلطة صدّام قياماً وحطاماً"، الذي عرض حكاية حزب البعث في العراق منذ بداياته الأولى عام 1949 حتى سقوط النظام.

كما عرض تحليلاً لسياسات البعث ودوره في إحكام قبضته على الحكم في العراق وتأثيره "الكارثي" بحسب وصف صاغية، على حياة ملايين العراقيين.

"العراق أبعد من العراق في أسئلته وتحدياته، كما انطوت عليها قصة البعث- قصتنا جميعاً بمعنى من المعاني"، يكتب صاغية في مقدمة كتابه. حول هذا العراق، الأبعد من نفسه، يحلّ صاغية ضيفاً على "ارفع صوتك" في حوار موسّع، يتخلله قراءة نقدية لماضي العراق وحاضره، ومحاولة استشراف للتحديات المستقبلية التي تنتظره.

 

من أين حضر "الهمّ العراقي" إلى حازم صاغية، ولماذا يشغل حيزاً ليس بقليل من كتاباته؟

جاءني العراق من أمكنة كثيرة. أمّا المكان الأوّل فتلك القصص التي كانت تُروى في بيتنا عن قريب لنا، هو الكاتب الناصريّ اللاحق والراحل نديم البيطار. فهو سافر إلى العراق، ولم أكن قد وُلدت، طلباً للدراسة والعيش في ظلال الملك غازي بن فيصل الأوّل الذي شبّهتْه الخفّة والحماسة العربيّتان بغاريبالدي، وقيل إنّه سيوحّد "أمّتنا" على النحو الذي وُحّدت فيه إيطاليا.

فإبّان عهد غازي القصير وُصف العراق بأنّه "بيادمونت العرب"، من قبيل القياس على تلك الإمارة الشماليّة التي حكمها "بيت سافوي"، ومنها انطلقت حركة التحرير من النمسويّين تمهيداً للوحدة القوميّة الإيطاليّة. ويبدو أنّ نديم، الشابّ والقوميّ العربيّ المتحمّس، أصرّ بعد عودته على اعتمار "الفيصليّة" التي درج على لبسها حينذاك شبّان قوميّون عرب، وذلك وسط اندهاش أهل القرية ممّن لم يكونوا قد سمعوا بفيصل وغازي ولا لبسوا قبّعات من أيّ نوع.

كان لتلك المرويّات عن نديم ورحلته ممّا تداوله كثيراً أهل بيتنا، أن وسّعت مخيّلتي لبلد اسمه العراق يضجّ بصُورٍ ومعانٍ غائمة الدلالة إلاّ أنّها واضحة الوجهة، وما الوجهةُ تلك إلاّ العروبة ووحدة العرب التي يُحجّ إليهما هناك.

وبسبب علاقة بيتنا بالبعث، باتت أسماء نوري السعيد وعبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف أسماء بيتيّة: الأوّل شتمناه، والثاني والثالث أحببناهما قبل أن نكرههما. والمشاعر حيال العراقيّين مشاعر عراقيّةٌ، بمعنى أنّها قويّة وحادّة ومتقلّبة، تماماً كما المشاعر الرومنطيقيّة.

وبشيء من التعميم أسمح لنفسي بالقول إنّ العراقيّ أشدّ العرب رومنطيقيّةً، وهو ما نلمسه في قسوته ورقّته، وفي أغانيه وأشعاره، وفي تديّنه إذا تديّن وإلحاده متى ألحد. وهكذا، حين حصل انقلاب 14 تمّوز الجمهوريّ في 1958، شعرت بفرح في بيتنا مردّه إلى أنّ أصدقاء جمال عبد الناصر أطاحوا نوري السعيد، صديق كميل شمعون. وحين حصل انقلاب 14 رمضان 1963، وكان لي من العمر ما يتيح لفرحي أن يستقلّ عن فرح أهلي، أحسست أنّ العراق مصدرُ ثأرنا من الانفصال السوريّ وممّا اعتبرناه خيانة الشيوعيّين وقاسم للقوميّة والوحدة العربيّتين.

وجاء اهتمامي بالعراق من تعرّفي إلى عراقيّين كثيرين في بريطانيا، كان أوّلهم الصديق الراحل فالح عبد الرحمن، ولم يكن آخرهم الصديق كنعان مكيّة. ومن خلالهم  تحوّلت المعرفة بالعراق إلى أشباح وكوابيس تُروى عن حكم البعث وعن أفعال صدّام حسين – "السيّد النائب" ثمّ "السيّد الرئيس" ثمّ "السيّد الله".

ومن خلال تجارب سياسيّين وحزبيّين أتيح لي أن أعرفهم عن كثب، كالصديقين الراحلين هاني الفكيكي، وهو بعثيّ سابق، وعامر عبد الله، وهو شيوعيّ سابق، بتُّ أملك ما يشبه توثيق الفظاعات التي يرويها عراقيّون آخرون أقلّ ضلوعاً منهما في السياسة. فهنا يعثر السامع والناظر على تجارب شاملة تتعدّى السياسة والعقائد إلى آلام البشر الشخصيّة ومآسيهم.

والشمول المذكور مرآةٌ تعكس حقيقة نظام صدّام بوصفه أقرب نماذجنا العربيّة إلى التوتاليتاريّة. ففي ذاك اللامعقول بدا مشروعاً أن يسأل المرء نفسه (هل يوجد فعلاً هذا الكائن المدعو صدّام حسين أم أنّ الإرث الميثولوجيّ لما بين النهرين هو ما يحضّ العراقيّين على اختراعه كيما يؤسطروا حياتهم؟).

وجاءني العراق أيضاً من شعر كثير، تقاسمَ أبياته شعراء انجذبت إلى قصائدهم في هذه المرحلة من حياتي أو تلك، لكنّ المؤكّد أنّ أشدّهم أثراً كان بدر شاكر السيّاب الذي لا يزال الحبّ لعراقه ولجيكوره يلازمني حتّى اللحظة.

"كيف تطعم الديكتاتور؟".. طباخ صدام حسين يتحدث
لحظات رعب انتهت بـ50 دينار عراقي (ما يعادل 150 دولاراً في حينه)، وصدام حسين الذي يضحك ويبكي ويحاول إثبات ألا شبيه له، وصدام "الأفضل في عائلة التكريتي"، وحساء اللصوص أو "شوربة الحرامية" التكريتية، وقصة سميرة التي تركت زوجها لأجل صدام، والرجل الذي ظل واقفاً حين هرب الجميع، وغير ذلك.

"بعث العراق" ربما يكون الكتاب الأكثر تخصصاً في تأريخ ظاهرة البعث العراقي، وقد خصصت كتاباً آخر للبعث السوري. ما الذي يمكن أن يتعلمه قارئ من جيل الألفية الجديدة حول هذا التاريخ؟

 ما يمكنني التحدّث عنه هو ما تعلّمته أنا، وهو أنّ البعث كان أقوى جسورنا في المشرق العربيّ الآسيويّ إلى الكارثة التي لا نزال نرزح تحتها، كما كان، عربيّاً، ثاني أقوى جسورنا إليها بعد الناصريّة.

لقد جمع البعث بين حداثة الحزب والعقيدة وقدامة القبيلة والخرافة، ما جعله يُطبق علينا من جهات كثيرة. لكن ما يرعبني أنّ الدور الفظيع للبعث، بوصفه الطرف الذي صادر تاريخ العراق وسوريا، وأفسد البلدين وألغى احتمالاتهما، لا يستوقف الكثيرين بوصفه هذا، بل في أحيان كثيرة لا يستوقف بعض معارضي البعث وضحاياه ممّن لا زالوا يرونه حركة تحرّر أخطأت الوسيلة لكنّها لم تخطىء الهدف، أو يرونه قاطرة لهيمنة طائفيّة يُردّ عليها بهيمنة طائفيّة معاكسة.

 

هل خرج العراق من تداعيات حزب البعث، أم لا يزال يعاني؟

هذه أنظمة تدمّر الماضي والحاضر والمستقبل بيد واحدة: الماضي بكتابتها للتاريخ، والحاضر بقمعها وقهرها السكّان المواطنين، والمستقبل بتفتيتها المجتمع وسدّها باب الاحتمالات.

بهذا المعنى، لا أظنّ أنّ العراق يخرج "من تداعيات البعث" إلاّ بمباشرة واحدٍ من اثنين: إمّا مراجعة وطنيّة راديكاليّة صارمة تطال القواسم المشتركة بين البعث وخصومه، لا سيّما الأطراف الراديكاليّة الشيعيّة الموالية لإيران، أو تطوير الفيدراليّة العراقيّة وإكسابها مزيداً من الصدقيّة والجديّة، بحيث تبدأ كلّ واحدة من الجماعات حياتها السياسيّة في مواجهة أبناء جلدتها من قامعيها ومُضطهِديها بعيداً من التذرّع بالآخر الطائفيّ والإثنيّ. والخياران، للأسف، ضعيفان جدّاً.

 

هل كان يمكن لنظام البعث أن يسقط من دون غزو عسكري أميركي؟ هل كانت هناك طرق أخرى لإسقاطه؟

لا أظنّ ذلك، بدليل أنّ ذاك النظام عاش ما بين 1968 و2003، وخاض خلال تلك المرحلة عديد الحروب ولم يسقط. لكنّ هذا الواقع، على ما فيه من مأسويّة، لا يكفي لتبرير مبدأ التدخّل لإسقاط النظام، ولا يكفي خصوصاً لتبرير الأخطاء والحماقات الهائلة التي رافقت ذاك التدخّل.

 

 هل كان خاطئاً قرار "اجتثاث حزب البعث" الذي أصدره الحاكم الأميركي بول بريمر بعد سقوط النظام؟ وكيف يجب على العراقيين التعامل مع التركة الثقيلة للحزب؟

يصعب على من يسمّي نفسه ديمقراطيّاً أن يوافق على سلوكٍ أو إجراء اسمه "اجتثاث"، وبالنظر إلى تاريخ الأحقاد الطائفيّة التي رسّخها نظام صدّام، لم يكن من الصعب توقّع انقلاب ذاك الاجتثاث اجتثاثاً للسنّيّة السياسيّة في العراق.

فليكن بعثيّاً من يؤمن بـ"الوحدة والحريّة والاشتراكيّة"، ولا تكون يداه ملوّثتين بالدم والفساد. أمّا الحياة السياسيّة نفسها فتستطيع أن تتولّى تنظيف نفسها بنفسها. غير أنّ مبدأ كهذا يبدو اليوم بعيداً جداً بسبب التعفّن الذي يضرب الحياة السياسيّة والوطنيّة والإدارة الإيرانيّة النشطة لهذا التعفّن.

المؤرخ العراقي عادل بكوان: الميليشيات والفساد يهددان العراق
صدرت حديثاً عن دار "هاشيت أنطوان/ نوفل" النسخة المترجمة إلى العربية من كتاب المؤرخ وعالم الاجتماع العراقي-الفرنسي عادل بكوان. الكتاب صادر أساساً باللغة الفرنسية، وحمل بالعربية عنوان "العراق: قرن من الإفلاس من عام 1921 إلى اليوم"، وهو يوثق لمئة عام من تاريخ العراق الحديث. هنا حوار مع الكاتب.

 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط البعث العراقي، لا يزال حضوره في الشارع العربي لافتاً، خصوصاً في الأردن ولبنان، حيث يمكن رؤية صور صدام حسين في كثير من الأماكن، كما أن "الترحم" على زمن صدام شائع على مواقع التواصل الاجتماعي. ما تفسيرك لهذه الظاهرة؟

لا أظنّ أنّ حضور البعث، كحزب وكأيديولوجيا هو الظاهرة اللافتة. اللافت أمران كثيراً ما يتقاطعان، أوّلهما شعور بالمظلوميّة السنيّة المحتقنة، وهو ما تتقاسمه الصداميّة مع الحركات الأصوليّة والراديكاليّة السنيّة على أنواعها. ومن هذه المظلوميّة تأتي فكرة التحدي ورد التحدي بوصفها "ديانة" أنتجها موت صدام وظروف إعدامه، بوصفه "مشروع حسين بن علي سني". وتزدهر نظرة كهذه على ضوء قراءة البعض مآسي سوريا ومآسي غزة بوصفها مآسي سنية لا يوجد طرف سني قويّ يرفعها عن كاهل السنّة.

أمّا الأمر الثاني فتلخّصه النتائج البائسة لتجربة العراق بعد تحريره من صدّام وحكمه، ما يرى البعض فيه سبباً وجيهاً للترحّم عليهما، إذ هل يُعقل احتمال كلّ تلك المآسي وبذل كلّ تلك الأكلاف للوصول إلى بلد على هذا النحو؟

 

يُعتبر العراق اليوم في أكثر فتراته السياسية ما بعد ٢٠٠٣ "استقراراً"، بعد سنوات من العنف والفوضى. ما التوازنات التي أرست هذا "الاستقرار" النسبي برأيك، وهل يمكن البناء عليه؟

لا أظنّ ذلك لأنّ هذا "الاستقرار" تعبير عن تجميد للحياة السياسيّة، وهو مقرون بجعل طهران مصدر التحكيم الأخير في الشأن الشيعيّ. أمّا عنصر الإزعاج الذي مثّلته انتفاضة أواخر 2019 فعُطّل بالقوّة، فيما المكوّنان الآخران، الكرديّ والعربيّ السنّي، يلزمان الحدود التي أملاها تقسيم العمل القائم.

 

تحضر في العراق أزمة إنتاج النخب السياسية السنية، في وقت يبدو أن التطرف والإرهاب يملآن، في أحيان كثيرة، الفراغ الذي يتركه غياب هذه النخب. ما سبب عدم قدرة العراق على إنتاج زعامة سنية منذ سقوط صدام، وهل الخيارات محدودة إلى هذه الدرجة؟

يشبه وضع السنية السياسيّة العراقيّة وضع المسيحية السياسية اللبنانية قبل خروج الأمن والجيش السوريين من لبنان سنة 2005، أي التهميش الذي يبتر العلاقة بالسياسة كما يبتر الحراك السياسيّ في داخل الجماعة المهمّشة.

وأظنّ، مع توسّع حالة المَيْلَشَة في العراق كما في عموم المشرق العربي، أن السياسة تغدو أقرب إلى الاستحالة، ولا يتسع المجال، إذا اتسع، إلاّ للمداخلات المتطرفة الإرهابية وشبه الإرهابية.

"مسرحة الرعب" لدى صدام حسين.. صناعة الديكتاتورية بأعواد المشانق
أثر هذه الاعدامات ترك صداه على أجيال عراقية لسنوات قادمة، اذا تكتب هاديا سعيد في كتابها "سنوات مع الخوف العراقي" أنها كانت تسمع كلمة الإعدام "تتكرر مع رشفة استكان الشاي ومجة السيجارة وأمام صواني الطعام وبين سطور ما نقرأ أو نكتب". وتتابع أن الخوف "التحم بالنبضة والنظرة"،

 تحل في العراق هذه الأيام الذكرى العاشرة على اجتياح داعش، والذكرى السابعة على تحرير مدينة الموصل. هنا تحضر إشكالية الأقليات ومصائرها، هل يمكن للعراق أن يتعافى ويستعيد تنوعه الإثني والطائفي. أم أن المسألة أبعد من داعش؟

كانت "داعش" تعبيراً مكثفاً وحاداً وشديد البدائية عن انسداد أبواب السياسة، وعن اتخاذ المنازعات شكلاً يجمع بين العنفية وتعدي الإطار الوطني. وواقع كهذا يُستأنف بأشكال ألطف، والجميع يدفعون أكلاف ذلك، لا سيما الأقليات الأضعف والأصغر، خصوصاً في ظل تماسك جماعة الأكثرية (الشيعيّة) وتسلحها وتواصلها المباشر مع إيران، فضلاً عن الوعي الطائفي النضالي لفصائلها.

 

في المسألة الكردية، كيف تقيم تجربة الحكم الذاتي وعلاقة أربيل بالحكومة الاتحادية في بغداد. وهل يشكل العنصر الاقتصادي مأزقاً لفكرة الاستقلال الكردي؟

هناك سياسة من التحايُل على الحقوق الفيدراليّة للكرد، والمالُ بعض أشكال هذا التحايُل الذي يستكمله الابتزاز الآيل إلى استضعاف الكرد عبر تعييرهم بعلاقاتهم مع الولايات المتّحدة واتّهامهم الذي لا يكلّ بعلاقات مع إسرائيل.

في الوقت ذاته، وهو مصدر لارتفاع أسهم التشاؤم، لم ينجح الكرد في بناء تجربة أرقى من تجارب العرب، تجربة تكون أقلّ قرابية واعتماداً على الرابط الدموي مع ما يتأدى عن ذلك من إضعاف للشفافيّة، أو أقدر على توحيدهم من السليمانيّة إلى أربيل في نموذج بديل واعد.

هذه حال مدعاة للأسى، لكن ليس لليأس، لظنّي أنها قابلة للإصلاح والاستدراك في زمن لا يطول كثيراً، أو أن هذا ما آمله وأرجوه.

 

كيف تقرأ الدور الإيراني في العراق؟ وهل ترى أن العراق يشكل جبهة جدية من جبهات محور الممانعة؟

لا نبالغ إذا قلنا إنّ الدور الإيرانيّ في العراق يعادل منع العراق من التشكّل. أما جرّه لأن يصير جبهة من جبهات الممانعة فجديته الأكبر تكمن في هذا الهدف بالضبط، أي في إبقائه بلداً متعثّراً ومتنازعاً داخلياً ومرتَهَناً لطهران، أمّا إذا كان المقصود بالجدية فعاليته العسكرية كجبهة ممانعة فهذا ما تحيط به شكوك كثيرة.

وفي هذا لا تُلام إيران بل يُلام العراقيّون الذين تسلّموا في 2003 بلداً كبيراً يملك شروط القوّة والغنى، فأهدوه إلى جيرانهم. وهي واقعة تنبّه مرة أخرى إلى مدى تغلّب الرابط المذهبيّ العابر للحدود في منطقة المشرق على الرابط الوطنيّ.

 

هل من دور تلعبه دول الخليج العربي في العراق لموازنة الحضور الإيراني؟

لا أعرف. أظن أنها، من خلال متابعة إعلامها وفي حدود ما هو متاح لها دبلوماسياً، تحاول ذلك.

العراق و5 قضايا عالقة منذ تحرير الموصل
لا تقتصر تركة التنظيم الإرهابي داخل العراق، على العبوات الناسفة والذخائر، بل تتجاوز ذلك إلى ملفات عالقة كثيرة، بينها ملف إعادة الإعمار وعودة النازحين وإنهاء محاكمة مقاتلي التنظيم، وحلّ معضلة مخيم "الهول" الذي يضم عائلات وأبناء وزوجات "داعش"، من دون أن ننسى خطر الخلايا النائمة للتنظيم التي لا تزال تشكّل تهديداً لأمن العراق والأمن العالمي.

بعد هجوم السابع من أكتوبر في إسرائيل، عاد إلى الواجهة الحديث عن الإخوان المسلمين في العراق، واتصالهم بالقضية الفلسطينية. هنا يحضرني سؤالان: الأول عن علاقة العراق بالقضية الفلسطينية وهل هي في صلب اهتمامات الشارع العراقي أم أنها مادة للاسثمار السياسي؟ والسؤال الثاني: هل ترى أن تجربة "الإخوان" ممكنة في عراق اليوم؟

بطبيعة الحال يتفاعل العراقيّون بقوّة، شأنهم شأن باقي المشارقة، مع القضية الفلسطينية. لكنني أظن، وفي البال تاريخ الحقبة الصدامية وما تلاها من أعمال ثأرية وعنصرية نزلت بفلسطينيي العراق، أنّ المسألة الطائفية هي التي تقرر اليوم هذا التفاعل، وهي التي توظفه بما يلائمها.

أليس من المريب أن البيئة التي هاجمت الفلسطينيّين في 2003 و2004 واتهمتهم بالصدامية كما أخذت على صدام إهداره أموال العراقيين على فلسطين والفلسطينيّين، هي التي تخوض اليوم معركة غزّة!؟ أمّا الإخوان المسلمون العراقيون فلا أملك اليوم ما يكفي من معلومات عن أحوالهم بما يتيح لي الرد على السؤال، لكنّني أظن أن فرصة لعب الإخوان دوراً أكبر متاحة وممكنة مبدئياً في ظل غياب قوى سياسية سنية منظمة وفي المناخات التي تطلقها حرب غزة ودور حركة حماس ذات الأصل الإخواني فيها.

إذا أجريتَ مراجعة نقدية لرؤيتك السياسية حول العراق، هل ترى أنك اخطأت في مكان ما؟ أين؟

بطبيعة الحال أخطأت كثيراً. فإذا كان المقصود أطوار الماضي، حين كنت متعاطفاً مع الناصرية والبعث ثم إبان ماركسيتي، فكلّ ما فعلته وقلته كان خطأ. وأمّا إذا كان القياس على وعيي الراهن، أي ما يعود إلى قرابة 45 عاماً إلى الوراء، فأظن أن الأخطاء لم تكن من نوع "إستراتيجيّ" إذا صحّ التعبير، بل طالت درجات الحماسة والاندفاع وسوء التقدير في بعض الأحيان.

 

برأيك هل يمكن للعراق أن يستقر ويأخذ سيادته الكاملة في ظل تجربة ديمقراطية رائدة، أم أن الأوان قد فات على ذلك؟

ليس هناك ما "يفوت" في ما أظن، لكن الحديث في المستقبل هو ما تعلمنا التجارب أن نتروى ونتردد كثيراً فيه. ما يمكن قوله إن تجارب كبرى فاتت وتعويضها يستلزم جهوداً جبارة لا يبدو لي أن ثمة ما يشير إليها أو يوحي بها راهناً.