العراق

البصرة.. المدينة التي "تعطي كل شيء ولا تأخذ إلا الفتات"

19 أكتوبر 2021

خاص- ارفع صوتك

"كانت محافظة البصرة قبلة للسائحين من داخل وخارج البلاد، حيث أن طبيعتها الجغرافية وتنوعها السكاني يؤهلانها لتكون في طليعة المدن العراقية، لكنها اغتيلت من قبل مافيات الفساد والفوضى وتجار الدين والسياسية، وتحولت مناطقها إلى بؤر للمخدرات والجريمة"، يقول فرقد كاظم، بينما يقف على إحدى ضفاف شط العرب.  

والتقى مراسل "ارفع صوتك" العديد من مواطني البصرة، الذين اشتكوا من "عدم اهتمام الحكومات المحلية بالجانب الترفيهي للمحافظات عموماً (المتنزهات والخدمات)" وخصوصاً محافظتهم. 

تقول أيمان قاسم (40 عاماً)، وهي صاحبة شركة سياحة في البصرة، وأم لأربعة أطفال: "يدرك البصريون جيداً أن لا تغيير في واقع المحافظة الخدمي أو الترفيهي، وليس أمامهم خيار سوى الذهاب إلى محافظات اقليم كردستان، لقضاء أوقات ممتعة مع عوائلهم". 

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أعمل في وزارة المالية، لكنني أسست شركتي الخاصة بالسياحة أيضاً، وذلك بعد أن مررت بجربة مرة فيما كنت أحاول إيجاد متنزه قريب على منطقة سكني (مناوي باشا)، حتى أصطحب أطفالي في الهواء الطلق".

وتوضح قاسم، وهي منفصلة عن زوجها منذ سنوات: "بصراحة، النساء اللاتي يعشن وحدهن من المطلقات والأرامل، يجدن صعوبة في التنقل بين الحدائق والمتنزهات، لأسباب لا أود ذكرها، لذلك أفضل الذهاب سنوياً برفقة أطفالي إلى اقليم كردستان، حيث أجد مساحة أكبر معهم". 

وتشير إلى أن "عشرات العائلات تعبر عن ضجرها بشكل مستمر من واقع البصرة الترفيهي وعدم وجود أماكن ملائمة لأوضاعهم المالية، عدا عن الازدحام الدائم حول المتوفر من مدن ألعاب ومولات تجارية وغيرها، لذلك يفضل معظمهم الذهاب إلى كردستان".

 

"نعطي النفط ونجني الفساد" 

يتحدث عضو لجنة الخدمات والإعمار النيابية السابق جاسم البخاتي لـ"ارفع صوتك"، عن أسباب غياب المشاريع الاستثمارية للسكن والسياحة والاستثمار في البصرة، قائلاً: "البصرة تمنح النفط والمليارات من الدولارات كل عام للمحافظات بينما يأكلها الفساد والفقر وأمراض السرطان". 

ويؤكد أن "هناك جزراً ومنافذ بحرية وأهواراً، لم تحدث فيها أية مشاريع استثمارية، بسبب الفساد والمحاصصة والمحسوبية، وهروب الشركات الاستثمارية بسبب المواجهات العشائرية وعمليات التهديد المستمرة التي تتعرض لها من مختلف الجهات". 

من جهته، يقول المختص في الاستثمار السياحي فرقد كاظم، وهو مواطن بصريّ أيضاً: "أعتقد أن أمام الحكومات المركزية والمحلية المتعاقبة، مشوار طويل لإعادة رونق البصرة وألقها مجدداً، فالسلاح المنفلت يهدد كل شيء في هذه المدنية التي تعطي كل شيء ولا تأخذ إلا الفتات". 

ويوضح أن "مئات المليارات من الدولارات خصصت لتنمية الأقاليم منذ أول حكومة عراقية، لكنها ذهبت لجيوب الفاسدين وحملة السلاح المنفلت، فمن يزرع وردة في البصرة عليه أن يدفع ضعف ثمنها للمافيات حتى يتمكن من زرع الثانية، هذه هي الحقيقة المرة التي على الجميع إداركها". 

"منذ 18 عاماً بلغت موازنات العراق أكثر من 1500 تريليون دينار أي نحو 1262 مليار دولار أميركي، وهذه الأرقام المخيفة لم يجن منها العراقيون سوى المزيد من الحروب والتفرقة وفقدان الشعور بالدولة، وعدم وجود أي مشاريع استثمارية حقيقة على المستوى الترفيهي والسياحي والسكني والتعليمي، لذلك أنا أدعو الجميع إلى نهضة حقيقية قبل فوات الأوان"، يتابع كاظم.

مواضيع ذات صلة:

Iranian President Pezeshkian visits Erbil
من زيارة الرئيس الإيراني لكردستان العراق- رويترز

استخدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال زيارته الحالية إلى العراق اللهجة الكردية ليقول إن بين طهران وكردستان "علاقات جيدة"، في مؤشر واضح على تحسّن روابط بلاده مع الإقليم العراقي الذي يتمتع بحكم ذاتي واستهدفته ضربات إيرانية مرّات عدّة في السنوات الأخيرة.

فكيف تمكّن الإيرانيون وأكراد العراق من تسوية خلافاتهم؟

 

تقارب حقيقي؟

شهدت العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وإقليم كردستان العراق، وهو تقليدياً حليف لواشنطن والأوروبيين في الشرق الأوسط، تحسناً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة.

وكثرت الزيارات التي أجراها مسؤولون من الجانبين والتصريحات الإيجابية.

وحضر كلّ من رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني وابن عمّه رئيس الوزراء مسرور بارزاني جنازة الرئيس الإيراني ابراهيم رئيسي الذي قضى مع مسؤولين بينهم وزير خارجيته حسين أمير عبداللهيان في تحطّم طائرتهم في 19 مايو الماضي.

كذلك زار القائم بأعمال الخارجية الإيرانية علي باقري أربيل عاصمة الإقليم في يونيو الفائت.

ولدى خروجه الأربعاء من القصر الرئاسي في بغداد حيث اجتمع بنظيره العراقي عبد اللطيف رشيد، قال بزشكيان بالكردية لقناة "رووداو" المحلية الكردية "لدينا علاقات جيدة مع كردستان وسنعمل على تحسينها أكثر".

وزار نيجيرفان طهران ثلاث مرات في غضون أربعة أشهر، والتقى بارزاني المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية آية الله علي خامنئي.

يقول مدير "المركز الفرنسي لأبحاث العراق" عادل بكوان لوكالة فرانس برس: "أصبحنا حالياً في مرحلة التطبيع" في العلاقات.

ويعود ذلك بالنفع على أربيل من ناحية "حماية أمنها واستقرارها ونموها الاقتصادي، ما يجعل تطبيع العلاقات مع جمهورية إيران الإسلامية ضروريا للغاية"، بحسب بكوان.

 

لماذا قصفت طهران إقليم كردستان؟

في السنوات الأخيرة، تعثّرت العلاقات بين أربيل وطهران بسبب الخلاف حول مجموعات مسلحة من المعارضة الكردية الإيرانية تتمركز في كردستان العراق منذ ثمانينيات القرن المنصرم بعد اندلاع حرب استمرت ثماني سنوات بين العراق وإيران.

على جانبي الحدود، كان الأكراد العراقيون والإيرانيون يتكلّمون اللهجة نفسها ويتشاركون روابط عائلية.

واستمرت المجموعات الإيرانية المعارضة وغالبيتها يسارية الميول وتندّد بالتمييز الذي يعاني منه الأكراد في إيران، في جذب الفارّين من القمع السياسي في الجمهورية الإسلامية. من هذه المجموعات حزب "كومله" الكردي والحزب الديموقراطي الكردستاني الإيراني اللذان تعتبرهما طهران منظمتين "إرهابيتين".

وكان لهذه المجموعات مقاتلون مسلحون، إلا أنهم كانوا ينفون تنفيذ أي عمليات ضد إيران عبر الحدود.

واتّهمت طهران هذه المجموعات بتهريب أسلحة بالتسلّل إلى أراضيها انطلاقاً من العراق وبتأجيج التظاهرات التي هزت إيران في أعقاب وفاة الشابة الكردية الإيرانية مهسا أميني في 16 سبتمبر 2022 بعدما أوقفتها شرطة الأخلاق لعدم امتثالها لقواعد اللباس الصارمة في الجمهورية الإسلامية.

في نهاية عام 2023، وبعد ضربات عدّة نفذتها إيران في العراق، تعهدت السلطات العراقية بنزع سلاح هذه الفصائل وإخلاء قواعدها ونقلها إلى معسكرات.

وقال مستشار الأمن القومي العراقي قاسم الأعرجي للتلفزيون الإيراني الرسمي، الثلاثاء الماضي، إن الحكومة العراقية أغلقت 77 من قواعد هذه المجموعات قرب الحدود مع إيران ونقلت المجموعات إلى ست معسكرات في أربيل والسليمانية.

وأكّد أن استعدادات تجري لمغادرتها العراق إلى بلد ثالث.

 

ما التحديات التي لا تزال قائمة؟

في ظلّ اضطرابات جيوسياسية في الشرق الأوسط، استهدفت طهران كردستان مرّات أخرى، متهمة الإقليم بإيواء مواقع للاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (موساد).

في يناير 2024 ووسط توترات إقليمية على خلفية الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل وحركة حماس الفلسطينية، شنّت القوات الإيرانية هجوما على مواقع في إقليم كردستان العراق، مشيرة إلى أنّها استهدفت "مقرا لجهاز الموساد". 

من جانبها، نفت الحكومة المركزية في بغداد وحكومة كردستان أن يكون "الموساد" متواجدا في الإقليم.

ويمكن كذلك قراءة التقارب الذي بدأته أربيل مع طهران في ضوء "الانسحاب" الأميركي المحتمل من العراق، بحسب عادل بكوان.

وتجري بغداد وواشنطن منذ أشهر مفاوضات بشأن التقليص التدريجي لعديد قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن في العراق.

وتطالب فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران بانسحاب هذه القوات.

وقال وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في مقابلة تلفزيونية، الأحد الماضي، إن العاصمتين توصلتا إلى تفاهم حول جدول زمني لانسحاب قوات التحالف الدولي من العراق "على مرحلتين".

وأوضح أن التفاهم يتضمّن مرحلة أولى تمتدّ من سبتمبر الجاري حتى سبتمبر 2025 وتشمل "بغداد والقواعد العسكرية للمستشارين"، يليها انسحاب "في المرحلة الثانية من سبتمبر 2025 حتى سبتمبر 2026 من كردستان العراق".

ولم تعد أربيل في السنوات الأخيرة في موقع قوة أمام الحكومة المركزية في بغداد التي تربطها بها علاقات متوترة.

يقول بكوان "كلما انسحبت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بالتالي من العراق بالتالي من كردستان العراق، أصبحت أربيل أضعف في مواجهة بغداد (...) المدعومة بقوة من جمهورية إيران الإسلامية" المعادية لواشنطن.