سد عراقي أزمة المياه

يحذر خبير الإستراتيجيات والسياسات المائية رمضان حمزة، من تغييرات سلبية ستطال المشهدين الاجتماعي والسياسي في العراق، خلال السنوات القليلة القادمة.

وذلك إثر تفاقم ازمة المياه بسبب السياسة المائية المتبعة من قبل إيران وتركيا تجاه العراق والتغييرات المناخية محلياً وإقليمياً.

ويشهد العراق منذ سنوات انخفاضا كبيرا في مناسيب نهري دجلة والفرات، وجفاف العديد من الأنهر الأخرى، التي تنبع غالبيتها داخل حدود إيران وتركيا ثم تدخل الأراضي العراقية.

والسبب إنشاء طهران وأنقرة للعديد من السدود على منابع هذه الأنهر، إضافة إلى التغييرات المناخية التي تسببت في انخفاض نسب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة وزيادة التصحر.

يقول حمزة، وهو أستاذ في جامعة دهوك بكردستان العراق ويدير معهد إستراتيجيات المياه والطاقة (WESI): "موارد العراق المائية في تناقص مستمر في كمياته المتأتية من نهري دجلة والفرات وروافدهما، وتردي جودة هذه المياه بسبب فشل مشاريع البزل (قنوات تنقية المياه من الملوحة) وزيادة الملوحة ورمي المخلفات بكافة أنواعها الى مجاري الأنهار بدءاً من دخولها الحدود العراقية وصولا الى مصباتها في شط العرب".

ويضيف حمزة لـ"ارفع صوتك"،  أن تركيا وإيران، تعملان على تحقيق "أكبر استغلال للمياه على حساب الواردات المائية الداخلة للعراق، الذي يشهد إهمالا للملف المائ".

وهذا الأمر، حسب حمزة، أسفر عن تحول بعض أنهار العراق إلى مجار لمياه الصرف الصحي غير المعالجة، بينما حُرم البعض الآخر كنهر ديالى (سيروان)، من تدفق مياه الجريان البيئي، وأصبحت ذات تدفق صفري تسبب بهلاك الثروة السمكية أيضاً، في حين لا تزال الأهوار في غرفة الإنعاش بانتظار أن تطلق طهران وانقرة جزء من حصص العراق المائية.

وتشير مصادر عراقية إلى أن إيران جففت خلال السنوات الماضية أكثر من 40 نهرا ورافدا كانت تجري في الأراضي العراقية، عبر تغيير مجراها، منها نهر الكارون الذي يغذي شط العرب في البصرة.

كما أدى إنشاء إيران العديد من السدود داخل حدودها على نهري الزاب الصغير وسيروان، اللذين يجريان في كردستان العراق ويغذيان نهر دجلة، إلى انخفاض كبير في مناسيب النهرين، خاصة سيروان.

 

تأثيرات اجتماعية وسياسية

المعضلة المائية قد تغير المشهدين الاجتماعي والسياسي في العراق خلال السنوات القليلة المقبلة، حسب خبير الإستراتيجيات المائية، وذلك نتيجة تفاقم التوترات الطويلة الأمد بسبب ندرة المياه وتدهور جودتها، خاصة في المحافظات الجنوبية.

ويقول حمزة لـ"ارفع صوتك": "بات انعدام الثقة العام بين المزارع والدولة واضحاً للعيان، ما قد يثير العنف القبلي، بالتالي التأثير في نسيج التماسك الوطني".

ويرى أن ملف المياه "قادر على كسب ثقة المواطنين إذا أُحسن التعامل معه، بينما سيتسبب العكس بتحويله لأحد أخطر العقبات في إدارة البلاد سياسياً، وبالضرورة تدهور القطاعات الأخرى".

ويعتبر حمزة ضمان الأمن الغذائي من خلال ضمان الأمن المائي "البوصلة إلى الإصلاح، لتقوية الحكم الوطني ومعالجة الفساد"، مشيراً إلى أن ملف الموارد المائية سيبقى "أحد أهم الملفات على الصعيدين الخارجي والداخلي الحاسم للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني".

من جهتها، حذرت منظمة الأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة في تقريرها الصادر أوائل أكتوبر الماضي، من الأخطار وحالات الإجهاد المتزايدة المتعلقة بالمياه.

وكشف أن "3.6 مليارات شخص في العالم يعاني من عدم كفاية سبل الحصول على المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً في عام 2018، وبحلول عام 2050 يتوقع أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 5 مليارات شخص".

بعد تعنتها في موضوع قطع الأنهار .. العراق يشتكي إيران لدى محكمة العدل الدولية
يبدو أن الجهود الدبلوماسية والفنية الخاصة بحل أزمة المياه بين العراق وإيران لم تأت بجديد لتمكين بغداد من استحصال حصصها المائية من جارتها الشرقية، بعد أن عمدت الأخيرة إلى قطع وتحويل العديد من الأنهر الداخلة إلى الأراضي العراقية إلى

 

الموارد غير التقليدية

يوضح حمزة أن الوارد المائي من عمود نهر دجلة إلى خزان سد الموصل يبلغ 176 متراً مكعباً في الثانية، فيما تبلغ كمية التصاريف المائية التي تطلق من سد الموصل إلى وسط وجنوب العراق يومياً 400 متر مكعب في الثانية.

وتشير توقعات الأنواء الجوية لهذه السنة الهيدرولوجية (2021-2022) إلى أن معدلات السقوط المطري ستكون أقل بأكثر من 30% من المعدلات العامة للأمطار في البلاد، وهذ الأرقام "تنذر بكارثة مائية في البلاد" على حد تعبير حمزة.

وبناء على السابق، يدعو الخبير العراقي، حكومة البلاد إلى "تغيير المنهجية الحالية والعمل بمنهجية تخدم إستراتجية طويلة الأمد لضمان الحفاظ على سيادة الدولة العراقية من خلال  جملة من الإجراءات".

وتتمثل هذه الإجراءات، كما يبين حمزة بـ"ضمان توقيع اتفاقيات دولية مع التشارك المائي من تركيا  وإيران وسوريا؛ لضمان حقوق العراق المائية وبحضور طرف ثالث، بالإضافة إلى التحول بشكل آني من الزراعة التقليدية السومرية إلى الزراعة الحديثة، والعمل على وضع خطط وبرامج تفصيلية لترشيد استهلاك المياه خاصة مياه الري للزراعة، والبدء الفوري بترميم وصيانة البنى التحتية لمشاريع المياه، وتحديد ميزانية خاصة لوزارة الموارد المائية" .

كما يقترح حمزة لحد من تداعيات الأزمة، التقليل من زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك المائي مثل الأرز وقصب السكر وغيرها، خاصة في مواسم الشحة، ورفع كافة التجاوزات على الأنهر الرئيسة والفرعية وقنوات الري، منها أحواض الأسماك.

"يجب العمل للاستفادة الكاملة من الموارد المائية غير التقليدية، واستقدام شركات متخصصة لإنشاء محطات معالجة مياه الصرف الصحي الخارج من مراكز المحافظات العراقية بشكل عاجل، واستخدامها للزراعة بدلاً من تقليص الأراضي الزراعية"، يتابع حمزة.

ويدعو الحكومة العراقية، إلى استحداث مديرية عامة لحصاد مياه الأمطار والسيول، وتغيير هيكلية وزارة الموارد المائية بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الحالية والمستقبلية.