العراق

"تصعيد" صدري غير مسبوق ضد الميليشيات

19 نوفمبر 2021

نقلا عن موقع الحرة

خطاب "تصعيدي" وجهه زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الخميس، للقوى الخاسرة في الانتخابات العراقية، التي جرت الشهر الماضي. وبحسب مراقبين، فإن رسالة الزعيم الشيعي الفائز بأكبر عدد من مقاعد البرلمان العراقي المقبل، تنطوي على "تحذير واضح".

ودعا الصدر الفصائل الشيعية العراقية المسلحة الموالية لإيران إلى حل نفسها إن أرادت الانضمام لحكومته المقبلة، وطالبها أيضا بتسليم أسلحتها لقوات الحشد الشعبي، التابعة للحكومة، عبر القائد العام للقوات المسلحة.

وطلب الصدر من قوات الحشد الشعبي "تطهير" صفوفها من "العناصر غير المنضبطة" وتسليم "الأفراد الفاسدين" إلى القضاء.

وهذا هو الظهور العلني الثاني للصدر منذ إجراء الانتخابات في العاشر من أكتوبر الماضي، بعد ظهوره في خطاب في 11 أكتوبر، أعلن فيه فوز كتلته بأكبر عدد من المقاعد خلال انتخابات البرلمان العراقي الأخيرة.

خلال خطابه الأول تطرق الصدر أيضا لوجود الفصائل المسلحة ولو بشكل غير مباشر عندما دعا "لحصر السلاح بيد الدولة، ويمنع استخدامه خارج هذا الإطار، وإن كان ممن يدعون المقاومة".

يرى مراقبون أن تصريحات الصدر، الخميس، تشير بما لا يقبل الشك إلى اتجاهه لـ"التصعيد" مع الفصائل الموالية لإيران والتي من المؤكد أنها سترفض مطالب زعيم التيار الصدري.

يصف الكاتب والمحلل السياسي المقيم في ولاية فيرجينيا عقيل عباس كلام الصدر بأنه "جريء جدا"، ويشير إلى أنه يتضمن "دلالات" على التصعيد.

يقول عباس لموقع "الحرة" إن الصدر أبدى هذا الموقف بعد أن "أحس أن القوى الرافضة لنتائج الانتخابات بدأت توصل رسائل بأنها مستعدة للضغط على الزناد في حال لم يتم النزول عند مطالبها".

ترفض الكتل السياسية الممثلة للحشد الشعبي، وهو تحالف فصائل شيعية موالية لإيران ومنضوية في القوات المسلحة، النتائج الأولية التي بينت تراجع عدد مقاعدها.

ويقيم مناصرون للفصائل اعتصاما أمام بوابات الخضراء منذ نحو ثلاثة أسابيع، احتجاجا على "تزوير" يقولون إنه شاب الانتخابات التشريعية المبكرة، ويطالبون بفرز كامل للأصوات.

وخلال الأسبوعين الماضيين وقعت صدامات بين المعتصمين التابعين لتلك الفصائل، وقوات الأمن إثر تصديها لمحاولاتهم اقتحام المنطقة الخضراء حيث المقرات الحكومية وسفارات أجنبية، منها السفارة الأميركية.

ومع نحو 20 مقعدا، سجلت القوى الموالية لطهران، والتي يعد تحالف "الفتح" بزعامة هادي العامري أبرز ممثليها في البرلمان، تراجعا قويا بحسب النتائج الأولية، بعدما كانت القوة الثانية (48 نائبا) في برلمان 2018.

في المقابل نال تحالف رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر المركز الأول في الانتخابات بأكثر من 70 مقعدا في البرلمان المقبل المكون من 329 مقعدا، بحسب النتائج الأولية.

يشير عباس إلى أن "الصدر حاول أن يرسل رسالة مبطنة لهؤلاء وأخرى داعمة للحكومة مفادها، إذا تحركتم عسكريا فبإمكان الجيش العراقي مواجهتكم".

ويبين عباس أن هناك مخاوف داخل الأوساط الإقليمية والدولية والداخلية من أن هؤلاء سيلجؤون للتصعيد العسكري في حال لم تنفذ مطالبهم".

"ظهور الصدر اليوم يقول لهم إن هناك قوى أكبر منكم عسكريا"، وفقا لعباس.

ولم يصدر حتى الآن أي رد رسمي سواء من قوى الإطار التنسيقي، الذي يضم أحزابا وتيارات شيعية معترضة على الانتخابات، ولا حتى من تلك الجهات بشكل منفرد.

ويقول رئيس المركز العراقي للتنمية الإعلامية، عدنان السراج، إن "شروط الصدر قاسية وصعبة ومن المؤكد أن قوى الإطار التنسيقي لن تقبل بها.

ويضيف السراج في حديث لموقع "الحرة" أن الشروط التي حددها زعيم التيار الصدري "تعجيزية ولا يمكن تطبيقها وبعضها خارج صلاحيات الإطار التنسيقي وبعضها تتعلق بالوضع الإقليمي والدولي والمحلي ولا يمكن حسمها بليلة وضحاها".

يصف السراج ما جاء على لسان الصدر بأنه "تصعيد، ليس بهدف التصعيد وانما الغرض منه تليين المواقف واستغلاله في إطار مفاوضات تشكيل الحكومة".

وتسعى كتلة الصدر إلى ضم شركاء آخرين من الفائزين في الانتخابات في ائتلاف حاكم وتسمية، رئيس الوزراء المقبل وتشكيل حكومة "أغلبية".

ويؤكد مراقبون أن الاحتجاجات التي خرج بها أنصار المليشيات المتشددة الموالية لإيران هدفها الضغط على الصدر لضمان حجز مقعد لها في الحكومة المقبلة عبر تشكيل حكومة توافقية تضم الجميع.

لكن الصدر جدد الخميس التأكيد على خيار واحد وهو أما تشكيل حكومة "أغلبية" كما وعد قبل الانتخابات أو الذهاب للمعارضة، وهذا يعني عمليا أنه سيستبعد القوى الخاسرة، أو معظمها، من التشكيلة الحكومية المقبلة.

ومع ذلك يرى عقيل عباس أنه "حتى لو وافق الصدر على تشكيل حكومة توافقية، فإنه سيصر على إعادة هيكلة الحشد الشعبي، وهذا سيشكل ضربة كبيرة وقوية" للفصائل الموالية لإيران.

ويشير عباس إلى أن "تطبيق الشروط التي وضعها الصدر مستحيل بالنسبة للطرف الآخر، الذي وضع في زاوية حرجة".

ويؤكد عباس "هم حاليا في حيرة شديدة كيف سيردون. أنا أشك في أنهم سيتحدون الصدر، لأنه ذلك يعني الانتحار بالنسبة لهم".

من جهته، يقول المحلل السياسي عصام الفيلي إن الصدر "يمتلك من الأدوات الكثيرة لمواجهة الفصائل المسلحة، ومنها امتلاكه لقواعد شعبية وجماهيرية قادرة على المواجهة".

ويضيف الفيلي أن "الصدر يريد أن يرى دولة حقيقية خالية من السلاح المنفلت الذي يشكل تهديدا للسلم الأهلي".

وتضم قوات الحشد الشعبي فصائل معظمها شيعية تعمل رسميا بتخويل من رئيس الوزراء، تأسست أثناء الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) المتطرف في 2014. 

وهزم التنظيم في النهاية، لكن الجماعات المكونة من آلاف المقاتلين شبه العسكريين، وأغلبهم من الشيعة، لم تحل، كما لم يسلم أي منهم أسلحته.

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".