العراق

ما وسائل المساعدة المتوفرة في العراق لنجدة المعنَّفات؟

دلشاد حسين
24 نوفمبر 2021

تعتبر نساء عراقيات أن الوسائل المتوفرة لحماية المرأة من العنف وتمكينها لمواجهته في العراق ليست كافية، مطالبات بتمكين المرأة اقتصاديا وتوعيتها للإفصاح عن تعرضها للعنف كي تستفيد من الوسائل المتاحة لنيل حقوقها.

وتقتصر وسائل المساعدة المتاحة للمرأة في العراق على الخطوط الساخنة وأرقام الشرطة المجتمعية والملاجئ الخاصة بإيواء النساء.

وتستعد المديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة والأسرة، التابعة لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، لإطلاق تطبيق إلكتروني خاص بحماية المرأة من العنف، والمقرر أن يشمل كافة مناطق العراق كافة، نهاية العام الحالي، ويجري ذلك بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA).

وتشير الإحصائيات الصادرة عن مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري في وزارة الداخلية العراقية إلى تسجيل 15 ألف حالة عنف أسري خلال عام 2020 الماضي.

وكشف مدير حماية الأسرة، العميد علي محمد سالم، لجريدة "الصباح" الرسمية، أواخر 2020، أن الوزارة أحالت أربعة آلاف حالة مسجلة إلى القضاء، وبلغت حالات اعتداءات الرجال على زوجاتهم تسعة آلاف حالة من العدد الكلي للحالات المسجلة، ولم تعلن الحكومة العراقية حتى الآن أي إحصائيات رسمية للعام 2021.

 

"لا دور حقيقي"

تعتبر الصحافية ميمونة الباسل، أن وسائل المساعدة المتاحة لحماية المرأة في العراق "لا تلعب دورا حقيقا لحماية المرأة من العنف". 

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "تمنع العادات والتقاليد والمجتمع المحافظ المرأة غالباً من الإفصاح عن العنف الّذي تتعرض له، فليست هناك حماية حقيقية لها، حتى مع وجود بعض وسائل الحماية كالمحاكم مثلا، أو الخجل والخوف، فضلا عن أن التقاليد تمنعهن من الشكوى، بالتالي يصبحن أسيرات للعنف". 

وترى الباسل أن "التمكين الاقتصادي أول ما تحتاجه المرأة من وسائل لحماية نفسها من العنف بكافة أشكاله، لأنه يعزز من أمنها".

وتؤكد على ضرورة ضمان حقوق المرأة بالقانون وتثبيت نفقة الزوجة ضمن عقد الزواج كمتوسط دخل شهري يؤمن لها احتياجاتها. 

وحسب بيانات صادرة عن الأمم المتحدة، تتعرض واحدة من بين كل ثلاث نساء للعنف الجسدي أو الجنسي خلال حياتهن، ويكون العشير هو المعنّف في معظم الأحيان.

فيما ازدادت الاتصالات بأرقام المساعدة بما يتصل بالعنف الأسري في بلدان عديدة منذ بدء جائحة كورونا.

وتشير المنظمة الأممية إلى أن 52% من النساء المتزوجات أو المرتبطات يتخذن بحرية قراراتهن بشأن العلاقات الجنسية واستخدام وسائل منع الحمل والرعاية الصحية، فيما تشكل النساء والفتيات 71%  من جميع ضحايا الاتجار بالبشر في العالم، و3 من أصل 4 منهن يتعرضن للاستغلال الجنسي.

 

لا تطبيقات أو وسائل مساعدة

في نفس السياق، تقول الناشطة الحقوقية نور نافع الجليحاوي، لـ"ارفع صوتك": "لا توجد أي وسائل إلكترونية أو تطبيقات لحماية النساء من العنف في العراق".

"وغالبا توجد أرقام الطوارئ بصورة كبيرة لكن أرقام الشرطة المجتمعية ليست موجودة بكثرة ويصعب الحصول عليها أيضا. والمرأة العراقية بحاجة إلى توعية بالحقوق لتفهم ما عليها فعله إذا تعرضت للانتهاكات أو العنف المباشر" تتابع الجليحاوي. 

ورغم التقارب بين إقليم كردستان وأنحاء العراق الأخرى من حيث وجود الخط الساخن للإبلاغ عن العنف ضد النساء والملاجئ الخاصة بإيواء المعنفات والشرطة المجتمعية، إلا أن الأول يختلف في كونه نجح بتشريع قانون مناهضة العنف الأسري، بينما لا تزال مسودته بانتظار تصويت البرلمان المقبل في بغداد.

من جهتها، تبين الناشطة الحقوقية سوزان سفر لـ"ارفع صوتك"، أنه ورغم وجود مراكز دعم نفسي في كردستان والمديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة والأسرة والشرطة المجتمعية ومنظمات المجتمع المدني، إلا أنها "غير كافية".

والسبب أن "العنف ضد النساء ازداد خلال العامين الماضيين خاصة بعد جائحة كورونا، وفئة قليلة من النساء لديها علم بوجود مراكز الحماية" حسب سفر.

وتقول "نحن بحاجة إلى حملات توعية أكبر وأوسع لتصل أكبر عدد من النساء، ليتعرفن على هذه المراكز وآلية عملها والثقة بها أيضاً". 

وطالما أكدت دائرة تمكين المرأة في الأمانة العامة لمجلس الوزراء العراقي، على أن مديرية حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري التابعة لوزارة الداخلية وأقسامها، ترسل المرأة المعنفة بعد تسجيل  الدعوى والتحقيق إلى المستشفى، لفحصها ومعالجتها واستحصال تقرير طبي أولي بإصابتها وإثبات تعرضها للعنف.

ثم تتخذ إجراءات قانونية بحق المعنِّف وإلقاء القبض عليه، بينما تودع المرأة المعنفة في الملاذ من أجل الحفاظ على حياتها في القضايا والحالات التي تستوجب ذلك، خصوصا في جرائم الاغتصاب والاعتداءات الجنسية. 

تقول المديرة العامة لدائرة تمكين المرأة، يسرى كريم محسن: "عملنا على تشكيل لجنة برئاسة الأمانة العامة لمجلس الوزراء وعضوية الجهات ذات العلاقة؛ للمتابعة والتنسيق والتثقيف مع المؤسسات التشريعية والتنفيذية، من أجل الإسراع بتشريع قانون الحماية من العنف الأسري، والتنسيق والمتابعة لفتح ملاذات آمنة للنساء في كافة المحافظات، والتشبيك بين تمكين المرأة وأقسام الحماية من العنف الأسري في المحافظات كافة".

"بالإضافة إلى إعادة العمل بمحاكم الأسرة عبر استحداث محكمة في كل رئاسة استئناف، واستحداث محكمة تحقيق ومحكمة جنح خاصة للنظر بقضايا العنف الأسري في كل دائرة استئنافية"، تتابع محسن لـ"ارفع صوتك".

وتشير إلى أن الدائرة شكلت لجنة لدارسة إمكانية تفعيل تطبيق إلكتروني يتم تحميله على الهواتف الذكية سريعاً، استجابة لحالات العنف الأسري، كي يساعد في تقديم إغاثة عاجلة للأسرة العراقية.

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".