العراق

تحقيق: عقارات المسيحيين في العراق.. استيلاء منظم بالتزوير وقوة السلاح

19 ديسمبر 2021

تحقيق: أسعد زلزلي

أكثر من عام ونصف قضتها بيرونيا إبراهيم أوديشو (67 عاماً) تدور بين المحاكم والدوائر العقارية لاسترجاع منزل العائلة الكائن في بغداد بعدما فوجئت بأنه تم بيعه ثلاث مرات منذ 2012 بتزوير توقيعها وتواقيع اخوتها العشرة.

هاجرت بيرونيا، وهي عراقية مسيحية في سبعينيات القرن الماضي، ثم التحق بها أفراد عائلتها في التسعينيات، وتركوا مستأجراً في منزلهم الواقع بمنطقة الأثوريين في مدينة الدورة بالعاصمة في العام 2019 عادت بيرونيا لزيارة قبر والديها، لتكتشف إن منزلهم بيع في 2012

بتزوير توقيعها وأخوتها العشرة، علماً أن أحدهم توفي قبل بيع المنزل لكنها وجدت اسمه ضمن أسماء الموقعين.

لجأت بيرونيا لتوكيل محامٍ وقامت بمراجعات متكررة لدوائر العقار والمحاكم أملا في استعادة منزل العائلة الذي يمثل آخر جذورهم المتبقية في العراق

وتروي كيف أن عمها أجبر على إخلاء منزله بعد مداهمته فجراً في أحد أيام 2007 من دون أن يسمح له بأخذ أي غرض من البيت. آنذاك كانت السيطرة في هذا الجزء من بغداد لتنظيم "القاعدة" فاقتحم المنزل مسلحون من أبناء المنطقة نفسها وخيروا العم بين الهجرة أو دفع الجزية أو إعلان إسلامه وهو ما اضطره للهرب إلى شمال العراق حيث توفي بحسرته.

وفي الوقت الذي كثر الحديث عن استباحة تنظيم "داعش" لأراضي وعقارات الأقليات الدينية في الموصل وبعض المحافظات العراقية، إلا أن الانتهاكات التي بدأت منذ 2003 لا تزال مستمرة حتى اليوم ولا تقتصر على طرف دون الآخر كما سيكشف هذا التحقيق.

فالعراقيون لم ينسوا بعد وسم حرف النون الذي يرسم على جدران منازل المسيحيين في مناطق كثيرة أخرى وأولها بغداد, في إشارة لوصفهم بالنصارى, ما يتيح قتلهم والاستحواذ على عقاراتهم سواء من ملكيات الأفراد أو الأوقاف الدينية.

 

استيلاء بسطوة المتنفذين والجماعات المسلحة

في قلب بغداد وفي مدينة زيونة يقع منزل صلاح غزالة (59 عاما) وزوجته ديانا توماس(60) عاما، اللذين بذلا كل ما يملكان لشراء قطعة الأرض وبنائها. وفي العام 2000 نتيجة الأوضاع المادية توقف صلاح عن إكمال المنزل في مراحله الأخيرة ووضع لحمايته حارسا مع عائلته مقابل راتب شهري.

هاجر صلاح وزوجته إلى سوريا ومنها إلى أميركا في 2007. استمر بالتواصل مع الحارس للاطمئنان على المنزل حتى العام 2018 لكنه فوجئ بعد أسبوع من آخر مكالمة بإبلاغ الحارس أن البيت قد بيع بمكاتبة عقارية عن طريق وكالة من ديانا زوجته في محافظة أربيل رغم أنهما لم يزورا العراق منذ مغادرتهما.

تحرك صلاح للاتصال بكل معارفه والوصول إلى دائرة العقار، وبعد البحث وجد أن أحد المتنفذين والذي ينتمي لمليشيا مسلحة استولى على الدار وراح يراجع دائرة العقار لتحويل ملكيتها. ولكن صلاح خشي ذكر جهة مسلحة بعينها, إلا أن المنطقة التي يقع فيها العقار تخضع لسلطة الميليشيات الشيعية المعروفة بـ "المقاومة" وقد حصل معد التحقيق على الوثيقة التي تثبت التزوير بالإضافة إلى كتاب حكومي حول اسم الشخص

وكانت الدائرة العقارية أوقفت المعاملة وحجزتها لشكها بالمرأة التي ادعت أنها ديانا وحضرت لتوقيع تحويل الملكية بنفسها حاملة جواز سفر بريطاني.

أوكل صلاح محاميا لمتابعة القضية في العام 2018 بعدما بلغه أن المستولي باشر بهدم المنزل وتحويله لمحلات تجارية.

بعد شهر من توكيله, اتصل المحامي بصلاح وأبلغه أنه تعرض للضرب والتهديد وتمت سرقة حقيبته, معتذراً عن إكمال القضية. لجأ الرجل بعدها إلى نواب مسيحيين ومتخصصين في دائرة الأوقاف المسيحية وتواصل كذلك مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء لكن دون جدوى.

تملك صلاح اليأس وتدهورت حالته الصحية، و فضل عدم الاستمرار في محاولات استرداد عقاره الذي يبلغ ثمنه اليوم أكثر من 700 ألف دولار. وحتى إعداد التحقيق تحول منزل صلاح لمبنى تجاري يضم شققا سكنية ومحلات في قلب "زيونة" أغلى مناطق العاصمة بغداد.

 

استيلاء حكومي 

في كركوك شمالا لا يختلف الحال كثيراً, وإن تبدلت السلطات المسيطرة بين مجموعات سنية مسلحة حتى 2017, ثم ميليشيات شيعية بعد ذلك مع الإبقاء على شيء من تقاسم النفوذ. فقد تواصل معد التحقيق مع أسعد عزريا داوود الذي تم الاستيلاء على منزله من قبل جماعات مسلحة باعته عبر التزوير.

لكن خوف عزريا المقيم في أميركا اليوم, منعه من الذهاب إلى كركوك التي تشهد وضعا أمنيا غير مستقر حتى اليوم، ما دفعه لتوكيل محام بهدف استعادة المنزل. بعد شهر واحد أبلغ المحامي عزريا أنه تعرض للتهديد واعتذر له عن المضي في إكمال الدعوى المطالبة باستعادة المنزل خوفا مما قد يلحق به من أذى.

تتنوع عمليات وطرق الاستيلاء على عقارات المسيحيين في العراق كما يبين بعضها النائب في البرلمان العراقي عن المكون المسيحي، يونادم كنا، بالقول إنها "كثيرة ومتنوعة، فمنها عبر الاحتيال والتزوير والاستيلاء بالقوة"، مشيراً الى "وجود حالة غريبة مرت عليه مؤخرا عبر اقامة بائع حلويات متجول في إحدى المناطق، دعوى ضد مواطن مسيحي مهاجر يمتلك بيتا في منطقته، ادعى فيها مع الشهود أنه أقرض صاحب الدار مبلغا ماليا قدره 600 مليون دينار عراقي (نحو 500 الف دولار) مطالبا بتحويل ملكية الدار له تعويضا عن المبلغ، وكاد الأمر يتحقق لولا تحركه مع جهات مسيحية لإيقاف الموضوع.

ولفت إلى أن"هناك عمليات احتيال رافقت عمليات التحويل عبر الاتصال فعلا بصاحب الدار وإيهامه بنية شراء الدار والسفر له أو التواصل مع وكيله وتوقيع عقد مبدئي دون دفع الأموال ثم تزوير العقد وتحويل ملكية الدار".

 

عقوبات التزوير في القانون العراقي 

يقول الخبير القانوني علي التميمي، إن القانون العراقي صريح في قضايا التزوير إذا ما ثبت وفق المستندات والشهود والوثائق حيث تصل العقوبة بحسب المادة 289/ 298 من قانون العقوبات العراقي للسجن 15 عاما مع القبض على كل المتهمين بالقضية سواء كان فاعلا أصليا أو شريكا ثم تحال القضية إلى محكمة الجنايات ويرفع المتضرر دعوى مدنية أخرى لمحكمة البداءة للمطالبة بأصل العقار والحصول على التعويض من المدعى عليهم.

مثلت الحالات التي قدمها معد التحقيق أمثلة قليلة وبسيطة لانتهاكات قامت بها جماعات مسلحة عن طريق التزوير والجهات الحكومية التي أشعرت المسيحي بأنه مواطن مغلوب على أمره وأن القانون لا يحميه. وحاولنا الحصول على إحصائية رسمية لعدد العقارات التي تم الاستيلاء عليها بعد 2003 لكننا لم نوفق نتيجة الخوف والملاحقة. لكن النائب في البرلمان يونادم كنا أحالنا إلى إحصائية صادرة عن قيادة عمليات بغداد أشارت إلى 36 ألف منزل مسلوب من المسيحيين والمسلمين (سنة وشيعة), لافتاً إلى أن عدد منازل المسيحيين تحديداً، التي تم الاستيلاء عليها، لا يمكن احصاؤه بالرغم من استمرار الظاهرة حتى اليوم وعلى مرأى ومسمع من الجميع.

وبحسب رئيس أساقفة أبرشية أربيل للكلدان المطران بشار وردة فإن العدد يزيد عن 25 الفاً في عموم مناطق العراق مع عدم القدرة على اعتماد إحصائية باعتبار أنها مسؤولية الدولة، ولكنها "تلجأ دائما لتشكيل لجان لتسويف الأمر". ويلفت المطران إلى مغادرة نحو مليون مسيحي العراق، من دون رجعة خلال السنوات الماضية حيث لم يبق اليوم أكثر من 400 ألف مسيحي من أصل مليون ونصف كانوا يعيشون في العراق قبل 2003.

في المقابل وبحسب أرقام غير رسمية يملكها النائب السابق جوزيف صليوا يرتفع العدد الى أكثر من 60 ألف عقار تم الاستيلاء عليها في جميع المحافظات عدا إقليم كردستان، كثير منها بمحافظات الوسط والجنوب التي لم يدخلها "داعش".

 

استمرار الظاهرة واللجان المؤقتة 

على رغم اعتراف الحكومة لسنوات سابقة بوجود ظاهرة التلاعب بأملاك المسيحيين، إلا أن تحركاتها كانت محدودة جداً كما تفاقمت الظاهرة مع دخول "داعش" وكثر بيع عقارات المسيحيين. تحرك بعدها القضاء ووزارة العدل، واصدروا قراراً يشترط وجود ممثل من ديوان الوقف أو النواب المسيحيين في البرلمان عند بيع هذه العقارات، لكن الظاهرة لم تتوقف.

النائب السابق صليوا، يشير إلى أن الحكومة وضعت محددات على بيع عقارات المسيحيين، واشترطت موافقة الجهات الدينية، للحد من محاولات الضغط على الأفراد وإكراههم على بيع ممتلكاتهم، لكن ما يحصل هو ذات الجهات الدينية، توافق على بيع العقارات وحتى الكنائس، ما يجعل الجهات الحكومية عاجزة عن فعل شيء.

ويؤكد النائب الحالي يونادم كنا أن الظاهرة مستمرة حتى اليوم، على رغم محاولات الحد منها، إثر التحركات التي قادتها الجهات المسيحية وأدت إلى إصدار القرارات وتشكيل اللجان الحكومية وحتى من قبل الجهات السياسية، واستشهد باللجنة التي شكلها التيار الصدري العام الماضي، وهو تيار سياسي شيعي يقوده مقتدى الصدر، ويمتلك تمثيلاً نيابياً كبيراً، قال إن لجنته أعادت أكثر من 60 عقاراً إلى أصحابها.

كلام كنا توافق مع إعلان مجلس القضاء الأعلى على موقعه الرسمي في بداية عام 2021، أي قبل زيارة البابا بشهر واحد، إصدار أحكام بالسجن لسبع وست سنوات على اثنين من أفراد عصابة قامت بالاحتيال على عشرات المسيحيين من المهاجرين عبر السفر إليهم وادعائهم نيّة شراء منازلهم، وتوقيع وكالات لهم.

 

كنائس للبيع أو الاستثمار

ليست عقارات الأفراد هي ما تم الاستيلاء عليها فحسب. فحتى كنائسهم وأديرتهم ورهبانياتهم، بيع بعضها وعرض البعض الآخر للاستيلاء على مرأى من المؤسسات الحكومية المسؤولة عن رعاية مصالحهم.

ففي الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم متجهة صوب وصول بابا الفاتيكان للعراق بداية هذا العام في زيارة وصفت بالتاريخية، لإحلال السلام واحترام الأديان ودعوة أبناء العراق من المسيحيين للعودة الى ارض الوطن، كانت الآليات والجرافات مستمرة بالعمل على تجريف أرض العقار المرقم 35/22 راغبة خاتون والعائد لرهبانية بنات مريم الكلدانيات في منطقة الأعظمية وسط العاصمة بغداد بعد بيعها كقطع أراض سكنية. وكان العقار ضم قبل تجريفه، داراً للأيتام وكنيسة صغيرة للقاطنين في الدار .

 

استيلاء باسم القانون 

الصراع على ملكية أرض عقار الرهبانية استمر نحو 5 سنوات. وفقا للوثائق الرسمية والمخاطبات التي حصلنا عليها من العام 2016، إذ تعود ملكية أرض العقار لرهبانية بنات مريم الكلدانية التابعة للرهبنة اليسوعية من الطائفة اللاتينية.

تظهر وثيقة تحصلنا عليها مطلع العام 2016 إرسال رئيس الطائفة اللاتينية في العراق المطران جان سليمان، كتاباً الى ديوان الأوقاف المسيحية والأيزيدية والصابئة المندائية في العراق يطالب بالتحرك السريع لإيقاف بيع عقار الأعظمية وعدم التصرف به، مرفقا بنسخة من سند الملكية يظهر ملكيته لجمعية الصداقة العراقية الامريكية العلمية في بغداد التابعة للطائفة.

وفي تموز (يوليو) من العام نفسه، أرسل ديوان الأوقاف كتاباً لدائرة التسجيل العقاري في مدين الأعظمية التابعة لوزارة العدل مطالبا إياها بعدم قانونية التصرف بأرض العقار العائدة للرهبانية وكتابا آخر لهيئة الضرائب يطالب بمنع ترويج معاملة بيع العقار أو آخر لهيئة الضرائب يطالب بمنع ترويج معاملة بيع العقار أو التصرف به موقعة بإمضاء رئيس الديوان حينها.

بعد خمسة أشهر عاد نفس الديوان ليرسل كتابا الى نفس الدائرة معلنا سماحه بإجراء عملية الترويج لكن الدائرة القانونية في دائرة التسجيل العقاري وأمانة بغداد رفضت ترويج معاملة البيع نظرا لعائدية الرهبانية ومكانتها.

 

التأسيس والاستيلاء مرارا 

عملية البيع والشراء المتعلقة بأملاك المسيحيين، وخاصة الأوقاف الدينية منها عملية معقدة جدا وتحتاج للجان ودراسات جدوى معقدة قبل البيع والترميم شريطة الاستبدال بمكان آخر كما يبين المطران بشار متي والذي عمل كرئيس لكنيسة الحكمة الإلهية المجاورة للرهبانية لعام كامل في 1995 وتابع حيثيات القضية.

ويقول المطران بشار وردة إن "أرض الرهبانية التي بنيت إلى جانب كنيسة الوحدة وكلية بغداد على يد جمعية الآباء اليسوعيين،تعرضت للاستيلاء والمصادرة والتأميم من قبل الحكومة لمرات عدة منذ تأسيسها بعد العام 1932 من قبل جمعية الآباء اليسوعيين والتي بنتها الى جان وبعدها مرت بتحولات ملكية عدة، كان آخرها الصراع على بيعها بين الرهبانية وجمعية الصداقة"، مبينا أن "الوقف أرسل كتاب الموافقة على ترويج البيع في النهاية بعد الاتفاق على منح أموال للجمعية مقابل تنازلها رغم أن قانون إدارة الوقف لا ينص على أحقيتها في التدخل بالبيع ومنح الموافقة لأن قانون الوقف لم يتح له ذلك.

في المقابل، تقول هيئة التراث الحكومية إن "الكنائس تخضع لقانون الآثار والتراث رقم 55 لسنة 2002 والذي يمنع منعا باتا تغيير الصفة الوظيفية للكنائس والأبنية التراثية أو تغيير الغرض الذي أنشئت عليه، إلا بموافقة السلطة التراثية وحصرا الوزير ويعتبره جرما يحاسب عليه القانون بالحبس وإعادة البناء إلى ما كان عليه في الأصل، حتى وإن ارتأت الجهات المالكة البيع، يجب الحفاظ على الكنيسة والمبنى الأثري والتراثي وعدم التجاوز أو الإضافة عليها. لكن ما وثقه معد التحقيق يظهر عكس ذلك تماماً.

 

كنائس للاستثمار 

من مبنى الحكومة العراقية تقع كنيسة السريان الكاثوليك في سوق الشورجة أكبر أسواق العراق. الكنيسة هي واحدة من أقدم الكنائس في العراق يعود تأسيسها إلى العام 1834 , لم تسلم هي الأخرى من عمليات الاستثمار والبيع، إذ تحول محيط الكنيسة إلى محلات تجارية بعد أن تم استثماره ولم يتبق من الكنيسة سوى باطنها المخصص للعبادة أما محيطها فتحول إلى واجهة تجارية.

يبحث معد التحقيق منذ سنوات عدة، موضوع تلك الكنائس. وكان قد زار رئيس هيئة التراث ووكيل وزارة الثقافة لشؤون الاثار والتراث قيس رشيد حينها في العام 2017 بعد الاستثمار ليبلغه بأن الاستثمار منح وفق إجازة من قبل الوقف السني، على اعتبار أن محيط الكنيسة يعود للوقف السني وليس المسيحي. ونظرياً منعت الهيئة هذا الأمر لكن رشيد قال الوقف السني ارتكب خطأ لا يغتفر فقد أعطى إجازات استثمار لواجهات كنائس ولم يراع مكانتها الدينية والأثرية، وهذه ليست المخالفة الوحيدة التي تم تشخيصها، نحن حددنا حالات أخرى ورفعنا دعاوى في المحاكم حول الموضوع، لكن المشكلة أن الجهة التي منحت الترخيص للاستثمار كنيسة الشورجة هي الأخرى جهة حكومية مثلنا".

الوكيل الأسبق، أشار في اللقاء السابق إلى أن "هناك أكثر من 3 آلاف مبنى أثري وتراثي تم الاستيلاء عليها بعد العام 2003, البعض منها كنائس ومبان دينية وتراثية تعود لمختلف الديانات منوها إلى أن "من يتحمل مسؤولية فقدان هذه المباني هي جهات حكومية وأصحاب تلك المباني.

 

خارطة الكنائس

لم تكن هاتان الكنيستان في بغداد، الوحيدتين اللتين تم بيعهما أو استثمار أجزاء منهما، إذ يقول النائب السابق (مسيحي) جوزيف صليوا، إن "هناك أربع كنائس أخرى تم بيعها أو بيع مساحات أراض عائدة لها، اثنتان منها في البصرة وواحدة في بابل وأخرى في الناصرية

صليوا استشهد بحادثة شهدتها الأيام الأخيرة التي تلت زيارة البابا فرنسيس للعراق فقد تم توجيه استدعاء من قبل أحد مراكز الشرطة في بغداد للبطريرك لويس ساكو بطريرك طائفة الكلدان في العراق والعالم الذي رافق البابا طيلة زيارته للعراق بقضية موافقته على بيع أرض كنيسة في البصرة ثم العدول عن الأمر لعدم الحصول على الموافقات الرسمية، صاحب الشكوى كان المستثمر الذي منحه ساكو الموافقة على بيع أرض الكنيسة.

ووفقا لوثيقة الاستدعاء الصادرة بحق ساكو من قبل مركز شرطة الصالحية وتصفه بالمتهم وأن عليه الحضور للمركز بناءً على شكوى مقدمة من المستثمر مهدي ناجي وفي حال عدم حضوره فسيتم إصدار أوامر القبض بحقه خلال ثلاثة أيام. رد اعلام البطريركية ببيان أن الأمر ليس له صحة وأن الأرض الممنوحة لا تعود للكنيسة والوكالة التي منحت للمستثمر هي للمراجعات، وليس البيع وأن المستثمر مدفوع من جهة سياسية، حيث أغلق مجلس القضاء الأعلى الدعوة بعد الطعن من محامي البطريرك.

أما النائب يونادم كنا وعند سؤاله عن عدد الكنائس التي بيعت أو استثمرت.

وبين تصريحات صليوا وتصريحات كنا, هناك 6 كنائس بيعت أراضيها أو استثمرت أجزاء منها.

 

اختلافات قانونية

تتنوع القوانين المتعلقة بطبيعة العقارات الدينية وأحقية توليها والتصرف بها وهذا التنوع يزيد التعقيد فالجهات الدينية المسيحية ترد على أحقية بيع العقارات بأن الدستور العراقي وفقا للمادة 43 الفقرة "ب" ينص على أن الوقف هو المسؤول عن "إدارة الأوقاف وشؤونها ومؤسساتها الدينية بعد أن ينظم ذلك بقانون خاص بالوقف"، كما يقول المطران بشار وردة والذي أشار كذلك إلى أن الفقرة الثامنة في المادة الأولى من قانون إدارة الأوقاف العراقي لسنة 1966 حددت الأوقاف الإسلامية ولم تشر إلى باقي الديانات وهو ما يعطي للمسيحيين حرية التصرف بها.

تواصل معد التحقيق مع الهيئة العامة للآثار والتراث للتعليق على ما توصل إليه فكان الرد بأن الكنائس تخضع لقانون الآثار والتراث رقم 55 لسنة 2002، مؤكدة قيامها برفع دعاوى قضائية ضد أمانة بغداد وجهات أخرى لتجاوزات بهذا الخصوص، كما أشارت إلى أن القانون يبيح البيع والشراء من المالكين شريطة الحفاظ عليها وعدم التجاوز أو الإضافة عليها.

 

اختلاف من الداخل

ويتهم النائب السابق جوزيف صليوا جهات دينية وجهات داخل الوقف بالتواطؤ في بيع الكنائس وهدمها في العراق، إذ نشر بيانا حول أرض الرهبانية واستثمار محيط كنيسة الباب الشرقي في بغداد.

كما انتقد صليوا، صمت الجهات الحكومية، فهناك عدد من الكنائس في مناطق متعددة من بغداد بيعت بتسهيل من شخصيات في الوقف المسيحي وبطريركية الكلدان الكاثوليك وأن اتفاقيات "غير مفهومة تجري بين الوقف المسيحي، وشخصيات سياسية مسيحية، لم يسمّها، أفضت إلى بيع عدد كبير من الكنائس والعقارات ومنها أرض الرهبانية.

وردا على اتهامات صليوا، نفت بطريركية بابل للكلدان (الكاثوليكية) في العراق عبر موقعها الرسمي، وجود عمليات بيع كنائس في العراق لاستثمارها في أعمال تجارية، مؤكّدة حرصها على حماية الكنائس القديمة والجديدة، وأنها مستمرة في صيانتها.

أما عضو مجلس النواب عن المكون المسيحي يونادم كنا، فقد رأى أن ما يحدث هو أمر طبيعي وأن البيع والاستثمار يتم بموافقة من المالكين ووفق السياقات القانونية، وعلى الرغم من توافقه مع الأمر، لكنه أكد وجود ملاحظات لديه حول الموضوع وآلياته.

 

"الأمطار" أزالت منزل ساسون حزقيل

لم تكن كنائس المسيحيين وعقاراتهم هي المستهدف الوحيد من عقارات الأقليات، فليس بعيدًا عن كنيسة الشورجة يقع منزل ساسون حسقيل أول وزير مالية عراقي بين 1921 و1925 والذي كان معروفا بساسون أفندي. للمنزل مكانة دينية خاصة لدى الطائفة اليهودية التي تم تهجير معظم أبنائها من العراق في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. فالمنزل يمثل مبنى تراثيا وأيضا مبكى للطائفة ويشاع بأنه مدفن كما تظهر صور أرشيفية حصرية تحصل عليها معد التحقيق الذي تابع ملف قضية المنزل منذ أربع سنوات عندما صاح أبناء منطقة شارع الرشيد على ساحة فارغة كانت بالأمس منزلا تراثيا ودينيا يهوديا دون عِلم الدولة.

حينها التقى معد التحقيق بمدير دائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة والسياحة والآثار شفيق المهدي وأجرى لقاء حصريا معه (توفي المهدي بعدها بعامين), وكان منبرياً للدفاع عن مكانة هذا المنزل. وحاول المهدي كثيرا الوقوف بوجه استثماره،لكن محاولاته لم تفلح فقد منحت أمانة بغداد أرض المنزل إجازة استثمار للمقاول حسين القريشي كما يظهر كتاب صادر من الأمانة بتوقيع أمينها نعيم عبعوب إلى هيئة الاستثمار ورئيسها شاكر الزاملي يؤكد فيه تسليم الأرض. ورغم حصولنا على وثائق حصرية صادرة من مديرية شرطة حماية الآثار والتراث ومن مدير دائرة التراث وقسم المسح التراثي في وزارة الثقافة والسياحة والاثار والتراث والقسم القانوني في الوزارة وكذلك مكتب المفتش العام، تؤكد عدم قانونية التلاعب بالعقار المعروف 16-17 سبع ابكار، إلا أن المستثمر والأمانة مضيا قدماً في محو أي أثر أو دليل أثري للدار للهروب من الملاحقة القانونية كما أشار المهدي حينها قائلا "من المخجل أن يحاولوا الضحك علينا وعلى عقول العراقيين. كيف للأمطار أن تزيل منزلاً كاملا بأنقاضه وأساساته وحديده؟ إنهم يعتدون على قدسية كل الأديان في وضح النهار بعد أن سال لعابهم على موقعه التجاري في وسط شارع الرشيد قبالة نهر دجلة.

وكانت أمانة بغداد في حينها بررت أن المنزل حول للاستثمار منذ ثمانينات القرن الماضي خلال حكم نظام صدام حسين وأن المنزل مهدم من قبل وليس مكاناً تراثياً.

تم إحاطة الدار بسياج خاص ومنع الدخول له حتى اليوم بالرغم من صدور حكم غيابي يقضي بحبس أمين العاصمة السابق لسبع سنوات على خلفية قضايا فساد أخرى، والقبض على رئيس هيئة الاستثمار شاكر الزاملي وإيداعه السجن في بداية هذا العام بتهم تخص الفساد.

 

حق الرد والنفي

تواصل معد التحقيق مع وزارة العدل العراقية للحصول على ردها في كل ما ورد عبر الايميل الرسمي لها ورقم الهاتف الخاص بالمتحدث الرسمي باسمها أحمد لعيبي المخول، الوحيد في الوزارة بالتصريح لكن الوزارة امتنعت عن ذلك. وأرسلت "اريج" كتاباً بالبريد المضمون للحصول على إجابات حول هذه المسألة، إلا أن الوزارة رفضت استلامه.

أما ديوان الوقف المسيحي فقد وافق على الرد لكن لينفي وقوع أي عملية بيع للكنائس، موضحاً أن "كافة التصرفات التي قام بها المتولي تمت على أوقاف لا تحمل صفة كنيسة وبمراقبة دقيقة لعملية استبدالها وفق القوانين السارية في العراق.

وأوضح ان الديوان يعتمد في عمله على "عدة قوانين" تخوله التصرف، منها قانون رعاية الأوقاف رقم 64 لسنة 1966 ونظام المتولين رقم 46 لسنة 1970 وقانون الديوان رقم 58 لسنة 2012 وبالأخص المادة 18 التي تنص على أن "الديوان يحل محل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية المنحلة فيما يتعلق بالأوقاف والأموال". وعن بيع أرض الرهبانية يرد "بأنها مؤسسة دينية ولم يتم بيعها، بل بيعت أوقاف عائدة لها وأن الممانعات الصادرة من "اللاتينية" كانت لأسباب داخلية تتعلق بتحديد المتولي المسؤول عن إعطاء الموافقات".

 

أنجز هذا التحقيق بدعم وإشراف من شبكة "اريج" وينشر بالتزامن مع صحيفة Kristeligt Dagblad الدنمركية ضمن شراكة مع مشروع ميديا بريدج.

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".