العراق

أولويات إيران "اختلفت".. طهران "ترتب أوراقها" لعراق ما بعد الانتخابات

23 ديسمبر 2021

نقلا عن موقع الحرة

لم تكشف الحكومة العراقية حتى الآن عن المعلومات التي قالت إنها تمتلكها بشأن الهجوم على منزل رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، في 7 نوفمبر الماضي. والذي مثل تصعيدا خطيرا للتوتر الحاصل فعليا في البلاد، وكان سابقة لم تحصل طوال سنين الاضطرابات التي شهدها العراق.

ومع أن التوتر لم ينته حتى الآن، إلا أن الكتل المعترضة على نتائج الانتخابات العراقية، والتي تظاهرت في المنطقة الخضراء لأيام متهمة المفوضية بـ"تزوير النتائج"، تبدو أكثر قناعة الآن بانتهاج المسلك القانوني والإعلامي، بدلا من التظاهرات، أو حتى التصعيد المسلح.

وتقول وكالة رويترز إن ذلك قد يعود جزئيا إلى زيارة للقيادي في فيلق القدس، إسماعيل قاآني، والتي جاءت بعد الهجوم، التقى فيها بحسب الوكالة قياديين في فصائل مسلحة، ووجه لهم "اللوم" على الطريقة التي تعاملوا بها مع نتائج الانتخابات.

رويترز التي نقلت عن مسؤولين في الميليشيات العراقية، وسياسيين عراقيين مقربين من الميليشيات، ودبلوماسيين غربيين، لم تذكر إن كان "لوم" قاآني يعد تأكيدا للشائعات التي ربطت الهجوم بفصائل مسلحة قوية.

ويقول الصحفي العراقي، أحمد المسعودي، إن "توقيت الهجوم الذي جاء بعد الإعلان عن مقتل متظاهرين تابعين لجهات مسلحة في المنطقة الخضراء، يثير الكثير من أصابع الاتهام".

ويضيف المسعودي لموقع "الحرة" أنه "إن صحت معلومات رويترز، فهذا يضيف إلى القرائن التي تقول إن الميليشيات من الممكن أن تكون الجهة المتهمة بالهجوم، والأنباء التي قالت إن إيران لم تسمح به".

وبحسب الوكالة فإن قاآني كان "غاضبا" وقال إن "(تكتيكات) السياسة التي لا قيمة لها، تهدد قوة الأغلبية الشيعية الحاكمة في العراق".

وأضافت الوكالة أن القيادي في الحرس الثوري "وبخ الميليشيات، متهما إياها بالتعامل مع تداعيات الانتخابات بشكل سيء"، و"طلب من قائدي الميليشيا الذين كانوا معه السيطرة على أنصارهما ومسلحيهما"، بحسب مصادر رويترز.

وقالت رويترز إن قائدي الميليشيا هما هادي العامري، زعيم تحالف فتح وقائد ميليشيا "بدر" وقيس الخزعلي، زعيم ميليشيا "عصائب أهل الحق".

ولم يرد مكتبا العامري والخزعلي على ما ورد في التقرير، كما أنهما أدانا علنا الهجوم على منزل رئيس الوزراء.

ونقلت الوكالة عن مصادرها أيضا إن مسؤولا إيرانيا آخر كان حاضرا في الاجتماع سأل "هل تريدون حربا شيعية شيعية".

وشهدت الانتخابات التي جرت في أكتوبر الماضي، بالإضافة إلى خسارة تحالف الفصائل العراقية لعشرات المقاعد، فوز التيار الصدري بأكثر عدد من المقاعد البرلمانية، مما يعني أنه سيكلف بتشكيل الحكومة وفقا للقانون العراقي.

ويعتبر التيار الصدري إلى حد كبير خارجا عن سيطرة إيران، كما أنه يعتبر منافس الفصائل المسلحة الشيعي الأقوى والأكثر تأثيرا.

ويقول المحلل السياسي العراقي، حسن خرسان، إن "الصدريين يعادلون القوى في البلاد، فهم الوحيدون الذين يجمعون بين القاعدة الشعبية الواسعة والمنظمة، والذراع المسلح القوي، والتنظيم السياسي، بالإضافة إلى النفوذ الديني لزعيمهم".

ويضيف خرسان لموقع "الحرة" أن "الصدر، زعيم التيار، بدأ يتصرف بالفعل على أنه سيشكل الحكومة المقبلة، حيث أجرى أخيرا زيارة تفتيشية لدائرة حكومية محلية في النجف، وتوعد بإقالة مسؤولي المحافظة إذا ثبت عليهم تهم الفساد، كما دعا المواطنين إلى تقديم ملفات الفساد له لمتابعتها، ومحاسبة الجهات الحكومية في حال لم تستجب لهذه الملفات".

 

هل تريد إيران الاستقرار للعراق؟

ويقول مصطفى ناصر، وهو مختص في الشأن الإيراني إن "هناك توجها في الداخل الايراني مرتبط إلى حد ما بسياقات المباحثات النووية التي تحاول طهران كسب بعض جولاتها أمام تنازلات جزئية في المنطقة".

مضيفا لموقع "الحرة" أن "هناك قناعة لدى الأطراف الإيرانية للتوجه لملء الفراغ الأميركي الذي قد يخلقه الانسحاب منا العراق"، "بالمقابل تشعر بعض خطوط إيران الدولية بخسارة فادحة في المنطقة جراء سياسات كانت آثارها عكسية على إيران وأدواتها سواء في العراق أو لبنان او الخليج".

مع هذا، يقول ناصر إن "التحركات العملية نحو التهدئة في العراق لا تزال غير ملموسة، وربما تكون هناك فعلا ما يجري وراء الكواليس للدفع نحو عراق أكثر استقرارا، لكن نتائج هذه التحركات غير واضحة حتى الآن، خاصة تجاه تقويض المخاطر التي انتجتها الفصائل المسلحة طيلة السنوات الماضية والتي تؤكد المؤشرات والمعطيات وجود تمرد لدى بعض الفصائل العراقية على بعض القرارات الإيرانية".

ويذهب المحلل السياسي العراقي، روز حسين، إلى أن "موقف إيران الدولي الصعب، والمشاكل التي يعاني منها اقتصادها يجعل من عراق محترب أهليا، عالة أكثر مما هو معين لها في هذه الأوقات".

ويوضح حسين لموقع "الحرة" أن "الصادرات الإيرانية إلى العراق كبيرة وتمثل جزءا مهما من الاقتصاد الإيراني، كما أن نفوذ إيران على الحكومة في العراق قوي ومستقر، وهي تحتاج إلى ضمان سلامة الطريق بين حدودها والحدود السورية عبر الأراضي العراقية".

ويؤكد أن "أي تهديد لهذا كله، يعني أن إيران ستخسر هذه الفوائد كما أنها أيضا ستبدأ بدعم حلفائها في العراق في صراعات قد تطول، وقد تصبح مكلفة خاصة مع تعقيد الوضع الداخلي".

وتقول رويترز إن "التوترات بين الشيعة في العراق تأتي بمثابة إلهاء غير مرحب به لطهران في الوقت الذي تجري فيه محادثات غير مباشرة مع واشنطن حول إحياء الاتفاق النووي لعام 2015."

وتجري الأحزاب السياسية الرئيسية في العراق حاليا محادثات حول تشكيل ائتلاف، وهناك مؤشرات على أن الصدر يريد أن يستبعد الفصائل المدعومة من إيران من تحالف تشكيل الحكومة، فيما يجري التحالف المعروف بـ"الإطار التنسيقي" محاورات بشكل منفصل مع قادة سياسيين وعرقيين عراقيين من أطياف مختلفة.

وطرح الإطار التنسيقي مبادرة، الأربعاء، لتهدئة الأوضاع في العراق، مكونة من عدة فقرات، أهمها فقرة طالبت بـ"ضمان عدم التفرد في سن القوانين" و"ضمان أن يتم التوافق حول الرئاسات الثلاث".

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".