صورة أرشيفية من محافظة كربلاء جنوب بغداد- فرانس برس
صورة أرشيفية من محافظة كربلاء جنوب بغداد- فرانس برس

شهدت محافظة كربلاء جنوب العاصمة العراقية بغداد، ارتفاعاً خطيراً في أعداد حالات الانتحار خلال عام 2021 مقارنة بالسنوات السابقة، حسب مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان ماجد المسعودي.

وقال المسعودي، في تصريح سابق، إن "معدل الانتحار في محافظة كربلاء بلغ 10 حالات في الشهر". 

وقبل أيام قليلة فقط، أقدم شاب على الانتحار داخل منزله في المحافظة، سبقه تسجيل حالتي انتحار لشاب وشابة أيضاً.

وتقع محافظة كربلاء في منطقة الفرات الأوسط، وتعد مقصداً لملايين الزوار من المسلمين الشيعة في العالم الإسلامي على مدار السنة، لوجود ضريحي الإمامين الحسين والعباس بن علي على أرضها.

 

ما الأسباب؟

يقول الناشط الحقوقي أحمد نزار، لـ"ارفع صوتك": "من أسباب انتحار الشباب في المحافظة التشدد والحرص، اللذان يُسيطران عليها نتيجة طابعها الديني المغلق".

ويرى أن "التشدد والحرص يعني الخضوع للمراقبة وفرض القيود، وهو ما يعني أيضاً التنمر والتمرد والعناد الذي قد يصل إلى الانتحار". 

"كنتُ أعرف شاباً يعاني من تدخل أسرته في قراراته المصيرية وتصرفاته وطبيعة علاقاته بذريعة الحرام والعيب، ما أدى به لعزلة عنا نحن الأصدقاء"، يتابع نزار.

ويبيّن نزار أن طبيعة الحياة تغيرت كثيراً ولم تعد أفكار صغار العمر وتصرفاتهم الآن تشبه أفكار وتصرفات الأكبر سناً.

ويصف عدم اتخاذ تدابير من قبل الحكومة والجهات المعنية تحد من تزايد حالات الانتحار، بأنه "مشكلة خطيرة".

من جهتها، تقول الخبيرة في علم النفس الاجتماعي الدكتورة صبيحة الصالحي، إن "قلة فرص العمل وارتفاع معدلات الفقر" من الأسباب المؤدية للانتحار.

وتبلغ نسبة الفقر في العراق نحو 24.8% وفق آخر دراسة أجرتها وزارة التخطيط العراقية بالتعاون مع البنك الدولي، في النصف الثاني من عام 2020.

وهذا يعني أن نحو 10 ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر، حسب المتحدث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي.

وتتصدر محافظات الجنوب معدلات الفقر، في مقدمتها محافظة المثنى بنسبة 52%، وتليها محافظة الديوانية بـ 49%، وذي قار بـ 48%، ثم تأتي بقية المحافظات تباعا بنسب مختلفة.

ووصلت نسبة الفقر إلى 40% كمعدل عام في محافظات الأنبار (غرباً) وصلاح الدين ونينوى (شمالاً)، بحكم تأثرها بظروف الحرب على داعش، وما نتج عنها من تهجير وخراب.

وبلغت نسبة الفقر في العاصمة بغداد 13% وفي إقليم كردستان 12.5%، أما في محافظات الوسط فتصل نسبة الفقر إلى 18%، وكانت كربلاء والنجف الأكثر تضررا بتداعيات جائحة كورونا بسبب اعتمادهما الكبير على السياحة الدينية. 

وتضيف الصالحي لـ"ارفع صوتك": "مشكلة الفقر تكمن في أمرين: قلة فرص العمل، وتزايد البطالة، ما يتسبب بضغوط كبيرة على الشباب".

"وكذلك الحال بالنسبة للفتيات من ناحية الفقر والبطالة فضلا عن التشدد الذي يُمارس عليهن في المنزل والشارع بسبب العرف والتقاليد والدين"، تتابع الصالحي.

وكان عضو المفوضية المستقلة لحقوق الإنسان فاضل الغراوي، كشف عن أن أعداد حالات الانتحار بمحافظات أخرى لا تختلف عن محافظة كربلاء من حيث الأسباب.

وأكد أن "المفوضية سجلت في النصف الأول من هذا العام 87 حالة انتحار في محافظة ذي قار و47 حالة في العاصمة بغداد، من بينها 13 حالة انتحار لأحداث لا تتجاوز أعمارهم 17 عاماً". 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.