العراق

"معبد آشور" في العراق.. تحفة أثرية تواجه خطر الزوال

05 يناير 2022

نقلا عن موقع الحرة

في عددها لشهر يناير 2022، خصصت مجلة "سميثونيان" الأميركية المعنية بالآثار، الضوء على "معبد آشور" الأثري على الضفة الغربية لنهر دجلة، شمالي العراق.

ولفت تقرير مصور للمجلة إلى خطر الزوال الذي يواجهه أحد أكبر المواقع الأثرية في العراق.

ونشأت الإمبراطورية الآشورية بين القرنين التاسع والسابع قبل الميلاد، وكانت أقوى إمبراطورية شهدها الشرق الأدنى على الإطلاق، وشملت بلاد ما بين النهرين والأناضول وأجزاء من مصر والشام. 

وكان يعتقد أن آشور، أول عاصمة للإمبراطورية، هي المظهر المادي للإله الذي سميت المدينة باسمه، بينما يشار إلى المعبد على أنه مقر إقامته الأبدي. 

وكانت آشور مركزا ثريا للتجارة الإقليمية، حيث تقع على طول أحد طرق القوافل الرئيسية، وشكلت علاقة تجارية مربحة بشكل خاص مع الأناضول (تركيا).

في العصور القديمة، كانت في الموقع نحو ستة ملايين طوبة طينية مغطاة بصفائح من الحديد والرصاص "والآن بدت الكومة العظيمة كما لو أنها تذوب كالشمع" يقول تقرير المجلة.

وقال مدير موقع آشور الأثري سالم عبد الله إنه لم يتم التنقيب إلا عن جزء بسيط من تاريخ هذا الموقع الذي من المفترض أن يكون قد احتضن 117 ملكا آشوريا. 

ويضيف في هذا الصدد: "عندما مات هؤلاء الملوك، دفنوا هنا" لكن حتى الآن لم يتم تحديد سوى ثلاثة مقابر ملكية، ثم يتساءل "أين البقية؟" لكنه يؤكد بعد ذلك بالقول: "هنا، تحت أقدامنا".

 

تحديات 

وكشف الرجل أن علماء الآثار عملوا في الموقع بشكل متقطع وقال: "بالنسبة للعراقيين، إنها عملية باهظة الثمن، فالحكومة لا تستطيع تحمل ذلك."

وانتهت آخر أعمال التنقيب في عام 2002. ويقدر عبد الله أن 85 إلى 90 في المئة من الموقع لا يزال غير مستكشف.

تقرير المجلة لفت إلى ضرورة تأمين الموقع، حيث يكاد يكون من المستحيل ذلك بمجرد نصب  سياج شبكي على طول الطريق.

ولفت التقرير إلى أن سكان المدينة المحيطة يعاملون هذا الموقع الأثري، وكأنه حديقة محلية، ويتجولون فيه للنزهة، وهو ما يزيد من خطورة بقائه شاهدا على حقبة تاريخية مهمة.

يقول عبد الله: "في الربيع لا يمكنك رؤية الأرض"، في إشارة إلى حجم المتسللين والقمامة التي يخلفوها وراءهم. 

وشدد الرجل أن السكان المحليين سيكونون أقل ضررا بالموقع الأثري لو كانوا يعرفون المزيد عن المكان وقيمته، ولكن بالنظر إلى الصراعات وعدم الاستقرار الذي عانى منه العراق في العقود الأخيرة، فإن فرص تثقيفهم كانت ضئيلة جدا. 

 

النهب و"داعش"

التقرير لفت كذلك إلى عمليات النهب التي طالت بعضها موجودات هذا المعلم التارخي الهام.

وقال إنه حين تتساقط الأمطار، تنجرف التربة، وتظهر القطع الأثرية، وبينها قطع من الفخار وألواح وتماثيل مسمارية  على سطح الأرض، وبالتالي تكون عرضة للسرقة.

في عام 2015، تعرضت بوابة الموقع لأضرار جسيمة عندما أحدث مقاتلو تنظيم داعش، ثقبا كبيرا فيها، وفقا للتقرير.

وبعد ثلاث سنوات من تحرير المنطقة، نفذ مشروع مشترك بين الجامعة الأميركية في العراق ومؤسسة "ألف" وهي مجموعة تعمل على حماية التراث الثقافي في مناطق الحرب، أعمال إعادة إعمار للبوابة. 

مشاريع في غير مكانها

ومع ذلك، لا يزال عبد الله قلقا بشأن التهديدات التي يتعرض لها الموقع، وقلقه الأكبر هو التخطيط لبناء سد على بعد 25 ميلا جنوبا، في مكحول. 

وتم اقتراح السد لأول مرة في عام 2002، وفي العام التالي، صنفت اليونسكو مدينة آشور على أنها موقع تراث عالمي "في خطر"، محذرة من أن الخزان قد يغمر العديد من المواقع الأثرية القريبة. 

وتوقف المشروع بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في عام 2003، ولكن مع مخاوف من نقص المياه في المنطقة، أعادت الحكومة في بغداد إحياء المشروع. 

وفي أبريل 2021، وضع العمال حجر الأساس، وظهرت الحفارات وآليات البناء الأخرى في الموقع منذ ذلك الحين.

ويقدر خليل خلف الجبوري، وهو رئيس قسم الآثار في جامعة تكريت، أن أكثر من 200 موقع أثري بالقرب من الشرقاط معرضة لخطر الفيضانات. بما في ذلك المواقع الآشورية، التي شيدت بشكل أساسي من الطين "والتي ستضيع إلى الأبد" بحسب ما نقلت عنه المجلة.

وقال الجبوري: "الحكومة لا تستمع للأكاديميين أو الجيولوجيين أو لأي كان" ثم تابع محذرا  بالقول إنه "أمر خطير للغاية ".

ودأب خبراء عراقيون بمساعدة علماء آثار من فرنسا على تجميع المئات من القطع الحجرية الصغيرة، في متحف الموصل في شمال العراق، وهي أجزاء من آثار يفوق عمرها 2500 عام، تعرضت للتخريب على يد تنظيم "داعش".

وتضم القطع خصوصا أسدا مجنحا وزنه عدة أطنان، وثورين مجنحين آشوريين وقاعدة عرش من عهد الملك آشور ناصر بال الثاني، تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد، وهي قيد الترميم بفضل تمويلات دولية.

وتتعرض آثار العراق للنهب منذ عقود لا سيما خلال المرحلة التي سيطر خلالها تنظيم داعش على اجزاء واسعة من البلاد في عام 2014.

وتشكل استعادة هذه القطع المنهوبة، واحدة من التحديات الأساسية للحكومة الحالية.

وتمول مشروع ترميم المتحف الحضاري في الموصل، منظمة "التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع" أو "ألِف". 

وتشارك منظمة سميثونيان الأميركية أيضا بالمشروع، عبر تدريب فرق المتحف، فيما يقوم الصندوق العالمي للآثار والتراث بترميم مبنى المتحف الذي دمر جراء النزاع. 

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.