عامل في إحدى الفرق الميدانية لإزالة الألغام في إقليم كردستان شمال العراق
عامل في إحدى الفرق الميدانية لإزالة الألغام في إقليم كردستان شمال العراق

يساوي عدد الألغام والمخلفات الحربية على طول الحدود العراقية مع إيران ودول أخرى 50 مليوناً، وفق إحصاءات رسمية.

وتشير بيانات وزارة الصحة العراقية إلى أن نحو 18 ألف شخص سقطوا بين قتيل وجريح؛ بسبب الألغام والمخلفات الحربية في محافظات الجنوب، خلال العقود الثلاثة الأخيرة. 

وفي أقل من أسبوع، قتل سبعة أشخاص وأصيب عشرة آخرون بجروح متفاوتة، نتيجة ثلاثة انفجارات لمخلفات حربية.

وجميع القتلى من عائلة واحدة، من البصرة، كانت في رحلة استجمامية في قضاء الزبير.

قبلها، لقيت أسرة مكونة من زوج وزوجة وطفلهما حتفها في قضاء شط العرب في البصرة أيضاً، نتيجة انفجار مخلف حربي أثناء تجولها في منطقة كان الجيش العراقي يتموضع بها خلال حرب الخليج الأولى.

وحسب دوائر البلدية والداخلية في البصرة والمحافظات الأخرى، فإن انتشار الأحياء السكنية خارج حدود المحافظات يعرض قاطنيها إلى انفجارات الألغام والمخلفات الحربية، نتيجة عدم تطهيرها بشكل كامل، خصوصاً فيما يتعلق بسكنة المناطق العشوائية. 

وفي ميسان وديالى والبصرة وذي قار والمثنى، وغيرها من المحافظات الحدودية خصوصاً مع إيران، تنتشر الأحياء العشوائية نتيجة زيادة أعداد السكان وارتفاع أسعار العقارات داخل المدن.

ويقطن عشرات الآلاف في المنازل العشوائية داخل مناطق غير مأهولة، حتى وصل بهم الأمر إلى تحويل جبهات سابقة ومواضع للجيش العراقي لمساكن لهم.

وخلال الأعوام العشرة الأخيرة، تم تطهير نحو 700 مليون متر مربع من المخلفات الحربية، برعاية دولية، ومشاركة منظمات أوروبية.  

ووفقاً لتقارير أعدتها منظمات دولية تابعة للأمم المتحدة، فإن 40% من جحم الألغام المزروعة بمختلف دول العالم التي تتجاوز 110 ملايين لغماً، مزروعة داخل دول عربية. 

وتقول الإحصائيات الدولية إن الألغام تقتل شخصين كل ساعة بمختلف أنحاء العالم، بمعدل وفيات يصل إلى 800 حالة وفاة كل 30 يوماً. 

ولا تزال مساحة قدرها ثلاثة آلاف كيلومتر مربع من الأراضي العراقية ملغمة وملوثة بمخلفات الحروب، خصوصاً في قضاء خانقين بمحافظة ديالى، ومنطقة زرباطية بمحافظة واسط، ومنطقة شط العرب الحدودية مع إيران.  

وحسب مسؤول حكومي رفض الإفصاح عن هويته، فإن هناك جهات مسلحة تابعة لأحزاب السلطة تنشر دوريات في المناطق الحدودية الواسعة وتعمل على تفكيك حشوات الألغام والاستيلاء على الصواريخ والمقذوفات الحربية. 

ويؤكد المسؤول لـ"ارفع صوتك" أن هذا الأمر "مستمر منذ عام 2003 حتى اليوم، تحت أنظار السلطات الأمنية والأجهزة الحكومية، في مختلف المحافظات". 

ومخلفات الحروب والملوثات الإشعاعية، أدت أيضاً إلى تزايد عدد حالات السرطان، خصوصاً في محافظة البصرة، التي تسجل 400 إصابة شهرياً. 

وبحسب بيانات مفوضية حقوق الإنسان في العراق فإن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة، نتيجة انفجار الألغام ومخلفات الحروب، بلغ 22685 شخصا.

وأوضحت  المفوضية أن عدد الذكور منهم بلغ 20975، بينما بلغ عدد الإناث 710، مشيرةً إلى بلوغ عدد الوفيات 29859، نتيجة تلك الانفجارات.

من جهته، يقول قائمقام قضاء الزبير عباس ماهر السعيدي إن "السيول القادمة من إيران تجرف معها باستمرار الألغام والمخلفات الحربية إلى داخل مزارع المواطنين، ما يؤدي لسقوط ضحايا بشكل مستمر".  

ويؤكد لـ"ارفع صوتك" أن "حياة المزارعين ورعاة المواشي والأغنام معرضة للخطر، جراء انتشار الألغام والمخلفات الحربية والصواريخ غير المنفلقة في مناطق الزبير، التي تشكل أكثر من نصف مساحة محافظة البصرة". 

وفي مواسم الأمطار والسيول، يكون رعاة الأغنام والمزارعون وجامعو محصول الكمأ، أكثر عرضة لخطر انفجارات المخلفات الحربية، لأنهم عادة ما يتواجدون في المساحات الواسعة التي تغطيها السيول ومياه الأمطار. 

ويحمّل السعيدي الجهات الحكومية المعنية بوضع المخلفات الحربية،المسؤولية، قائلاً إنها "لم تقدم شيئاً في مجال التوعية بمخاطر الألغام وكيفية تجب مناطقها، للمواطنين".

ويشير  إلى أن التحذيرات "تقتصر فقط على بعض العلامات القريبة من الحقول النفطية والشركات الأجنبية العاملة في البصرة". 

ويدعو السعيدي إلى تأسيس شركة حكومية، تأخذ على عاتقها مهام تطهير المناطق من الألغام.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.