العراق

خلافات تشكيل الحكومة.. هل تعيد الاحتجاجات الشعبية لشوارع العراق؟

دلشاد حسين
15 يناير 2022

يثير تمسك الأطراف السياسية بنظام المحاصصة في انتخاب رئاسة البرلمان، مخاوف ناشطي تشرين والحراك الشعبي العراقي، من استمرار هذه الأطراف على نفس المنوال في تشكيل الحكومة الجديدة.

تقول الناشطة في الحركة الاحتجاجية (أكتوبر 2019) انتصار الميالي، إن "النشطاء كانوا يتطلعون لإجراء تغييرات سياسية جذرية في العملية السياسية على أساس الكفاءة، لإنهاء نظام المحاصصة".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "لا نستبعد عودة الاحتجاجات إلى الشارع في حال  تمسكت الأطراف السياسية بالنظام، عبر إسناد مناصب حكومية لأشخاص غير مؤهلين همهم الوحيد الحصول على الامتيازات والعمل لمصالح أحزابهم".

وهذا يعني "استمرار تردي الخدمات العامة والأساسية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والعنف نتيجة تفشي الفساد المالي والإداري، وغياب الأمن وسيادة القانون"، حسب الميالي.

وكانت نتيجة الجلسة الأولى للدورة الخامسة من مجلس النواب العراقي الذي عقد في 9 يناير الحالي، انتخاب هيئة رئاسة المجلس التي احتفظت بشكلها السابق، حيث أسند منصب رئيس المجلس إلى المكون السني، والنائب الأول للمكون الشيعي والنائب الثاني للأكراد.

وأصدرت المحكمة الاتحادية في العراق أمراً ولائياً، الخميس الماضي، يقضي بإيقاف عمل هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة بشكل مؤقت بناء على طلب تقدم به النائبان باسم خشان ومحمود المشهداني، لحين حسم الدعوتين المقامتين من قبلهما بشأن الجلسة الأولى.

بدوره، أكد المركز الإعلامي التابع للمحكمة في بيان، أن هذا "لا يؤثر على سريان المدد الدستورية بخصوص إكمال بقية الاستحقاقات الدستورية، المتمثلة بالموعد الأقصى لانتخاب رئيس الجمهورية، وما يليها من إجراءات بخصوص تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا لتشكيل الحكومة".

"فالمدد والاستحقاقات الدستورية تتأثر في حالة واحدة فقط، وهي صدور قرار نهائي بإلغاء إجراءات جلسة مجلس النواب الأولى"، وفق البيان.

وبسبب الخلافات حول نتائج الانتخابات النيابية، تأخر انعقاد الجلسة الأولى ثلاثة أشهر.

التيار الصدري الحائز  على ٧٣ مقعداً برلمانيا، يقول إنه صاحب الكتلة الأكبر التي بالتالي توكل إليه مهمة تشكيل الحكومة حسب الدستور، فيما يصرّ الإطار التنسيقي على أنه الكتلة الأكبر، لعقده تحالفات مع كتل، لم يعلن عنها حتى الآن.

من جهته، يقول حسين جبار، وهو رئيس اللجنة السياسية للاتحاد العراقي للعمل والحقوق، أحد الأحزاب المنبثقة من احتجاجات تشرين، إن الحكومة المرتقبة "لن يطول عمرها".

ويبيّن لـ"ارفع صوتك" أن تشير ملامح تشكيل الحكومة الجديدة "ستكون ذات نهاية أشبه بحكومة رئيس الوزراء السابق عادل عبدالمهدي، لأنها تتشكل بذات الأسلوب، وتختلف عنه في العلانية بالتفاوض بين الكتل فقط".

فيما يرى الناشط في الحراك الشعبي عمار سرحان، أن العملية السياسية وتشكيل الحكومة بعد احتجاجات تشرين "ستختلف جذرياً عن النظام الانتخابي القديم".

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن "النظام السياسي قبل تشرين كان بالمطلق بيد عدد قليل من رؤساء الكتل السياسية، بينما يمتاز البرلمان المنبثق عن النظام الانتخابي الجديد باحتضانه عدة أحزاب ناشئة وأحزاب صغيرة وعدد لا بأس به من المستقلين".

"بالتالي فإن جزءاً من سلطة رؤساء الكتل السياسية انسحب من العملية، ما ينعكس على تشكيل الحكومة المقبلة"، يضيف سرحان.

ويتابع أن "عدداً من الأحزاب التقليدية بدأ يطالب بتشكيل حكومة بعيداً عن المحاصصة الحزبية لترضية الأطراف المستقلة والناشئة".

ويتوقع سرحان أن تلقى الحكومة الجديدة معارضة "قوية" ما يجعل عملها "صعباً" وعمرها "قصيراً"، حسب تعبيره.

الخبير السياسي علي البياتي، يرى أن استمرار التزمت والتمسك بالمحاصصة والتوافقية من قبل أطراف سياسية "يهدر الفرصة الأخيرة المتبقية للطبقة السياسية التي تحكم العراق منذ عام 2003".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "إذا لم نشهد حكومة وطنية خدمية عراقية خالصة دون أي تدخل خارجي بتشكيلها، فإن السلم المجتمعي سيكون مهددا، وستعود الاحتجاجات الشعبية وتؤدي الى اندلاع ثورة شعبية عارمة تطيح بالعملية السياسية برمتها".

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".