العراق

تشكيل الحكومة العراقية.. "أغلبية وطنية" أم "توافقية مشروطة"؟  

ارفع صوتك
18 يناير 2022

تصر الكتلة الصدرية الممثلة للتيار الصدري في البرلمان العراقي، على مبدأ "الأغلبية الوطنية" لتشكيل الحكومة، بينما يزداد امتعاض الإطار التنسيقي إزاء تحركات زعيم التيار مقتدى الصدر  السياسية.

وتستقطب تحركاته أطرافاً ذات ثقل سياسي، كالحزب الديمقراطي الكردستاني (حصل على 31 مقعداً) وتحالفي "تقدم" و"عزم" المنضويين تحت راية "بالعزم نتقدم".

كما لمّح الصدر إلى استعداده لاحتضان الإطار التنسيقي ولكن دون الزعيم الأبرز فيه نوري المالكي. 

 

"أغلبية توافقية"

وفي ظل الاحتدام السياسي بشأن تشكيل الحكومة، والمشهد المثير الذي شهده البرلمان العراقي في جلسته الأولى، يلوّح الإطار التنسيقي باللجوء إلى المعارضة "مجبراً"، كما جاء في حديث القيادي غضنفر البطيخ لـ"ارفع صوتك".

ويقول إن "الأغلبية التي يتحدث عنها الصدر أغلبية توافقية، بدليل أن هيئة رئاسة البرلمان بقيت كما هي من حيث الحضور الحزبي، فالسنة في الرئاسة، ونائب رئيس البرلمان من التيار الصدري وآخر كردي".

"لذا فالمشهد تكرر ولم يطرأ تغيير في ظل الأغلبية التي يتمسك بها الصدر، وقد يحدث الأمر نفسه في ملف تنصيب الوزراء"، يضيف البطيخ. 

ويرى أن تمسك التيار الصدري بالأغلبية "سيسهم في انقسام البيت الشيعي، الأمر الذي لا يخدم جميع الأطراف السياسية".

ويأمل البطيخ أن يؤدي تدخل المحكمة الاتحادية في قراراها القاضي بإيقاف عمل هيئة رئاسة البرلمان، إلى "تغيير إيجابي" لصالح جميع الأطراف. 

ويوضح أن "التيار الصدري لديه عدد من المقربين، ونحن في الإطار التنسيقي نحتاج وقتاً للملمتنا وتشكيل الكتلة الأكبر عدداً، لذا نعوّل على عامل الزمن لإحداث تغييرات، وخطوطنا مفتوحة مع التيار لكن الصدر لا يرغب بالتحالف أو التقارب مع بعض الأطراف في الإطار التنسيقي، تحديداً نوري المالكي، إلا أن الإطار ما زال متماسكاً". 

ويؤكد البطيخ "ليس من المعقول التحالف مع شركاء على حساب شركاء في كل شيء"، في إشارة لتقارب الصدر مع الديمقراطي الكردستاني وتحالف "بالعزم نتقدم". 

ودور الحزب الديمقراطي الكردستاني وموقفه من التيار الصدري مبني على اعتلاء هوشيار زيباري منصب رئاسة الجمهورية، بالتالي "لا تغيير طرأ على العملية السياسية، إذ في الدورة الماضية كان الحلبوسي رئيسا للبرلمان وأحد نائبية من التيار الصدري والآخر كردياً، ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس الوزراء شيعياً"، حسب البطيخ. 

ويقول إن "رئاسة الجمهورية عُرفاً من صالح الاتحاد الوطني الكردستاني، لكن  زيباري يطمح وبقوة ولديه اتفاق مع الصدر والحلبوسي لنيل منصب رئاسة الجمهورية، وقد يؤدي هذا إلى حصول شرخ داخل البيت الكردي".  

ويشير البطيخ إلى أن الكتلة الصدرية "طامحة لنيل رئاسة الوزراء، وإذا حصل اتفاق مع تحالف تقدم والكرد، قد يبقون الكاظمي رئيساً للوزراء؛ لأن لديه ميزتان: نفذ ما يريدون، والكاريزما السياسية، فهو غير هجومي، وعلاقته جيدة بالصدر والأميركيين".  

ويقول: "ما نشهده الآن أغلبية متوافقة من سنة وشيعة وأكراد، اختزلت المناصب على جهات معينة، وقد تخسر الشارع في هذه الحالة، وهذا يعتبر إقصاءً لأطراف الإطار التنسيقي وتغييراً للمشهد الذي اعتاد عليه الشارع العراقي منذ سنوات".

 

من المحاصصة إلى الأغلبية

يرى المحلل السياسي مناف الموسوي، أن الخلافات السياسية مسألة طبيعية وتحصل في كل بلدان العالم، إلا أن التيار الصدري يحاول الانتقال بالمشهد الساسي العراقي من مبدأ المحاصصة والتوافقية إلى حكومة الأغلبية الوطنية.

ويقول لـ"ارفع صوتك": "بعد المصادقة على نتائج الانتخابات أصبحت الأمور واضحة، فالتيار  هو صاحب الأغلبية والحضور السياسي الأثقل. ورغم ذلك أبقى باب الحوار مفتوحاً".

"وهنالك حوارات بين زعماء الوفد التفاوضي للتيار الصدري والإطار التنسيقي، وقد يدخل جزءاً من الإطار في مشروع التيار الصدري، كما قد نشهد تغييرا حقيقيا في المشهد السياسي العراقي متمثلاً بكتلة موالية للحكومة وكتلة معارضة، وهو سابقة نيابية"، يتابع الموسوي.

ويضيف أن اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، سيكون "أسرع مما نتوقع في ظل وجود التوافقات الحالية".

وفي ما يتعلق بالرئاسات الثلاث، يبيّن الموسوي: "الاحتمال الأقرب على المشهد السياسي العراقي التغيير هو في البرامج الحكومية وليس في الشخصيات والوجوه، ولو بقي الكاظمي رئيسا للوزراء في دورة أخرى وتجددت له الولاية، سيكون مُلزماً بالبرنامج الحكومي الذي سيقدمه التيار الصدري". 

ويشير إلى أن "تجديد الولاية يبنى على التوافق السياسي بين الكتل السياسية، والكاظمي لم يكن هو السبب في مجموعة الإشكاليات التي مر بها البلد، وقد نجح في الذهاب إلى الانتخابات المبكرة، وكذلك في ملف العلاقات الخارجية وبعض القضايا الأخرى".

وحسب الموسوي، فإن المشكلة "ليست عند اسم الحلبوسي أو الكاظمي أو برهم صالح، بل في البرامج الحكومية والمحاصصاتية التي يجب أن يلغى العمل بها". 

 

البيت الكردي

يقولعضو الحزب الديمقراطي الكردستاني عماد باجلان، لـ"ارفع صوتك"، إن "منصب رئاسة البرلمان للمكون السني وفق العُرف السياسي العراقي،والسنة ذهبوا نحو التجديد للحلبوسي، ورئيس الوزراء سيقدمه المكون الشيعي، أما الجمهورية فهي من حصة الكرد".

ويضيف: "ورئاسة الجمهورية ليست حكراً للاتحاد الوطني الكردستاني، وليس بالضرورة بقاء الرئسات الثلاث بأكملها في مناصبها أيضاً، وهذا يتبع عدة معايير منها الكاريزما والإمكانيات في إدارة دفة الحكم والتمثيل الخارجي الذي يليق بالعراق".  

ويتابع باجلان: "ذهبنا والاتحاد الوطني الكردستاني إلى بغداد بورقة واحدة لحضور الجلسة الأولى في 9 كانون الثاني (يناير)، لكن الاتحاد وقف مع الإطار التنسيقي وانسحب من الجلسة، علماً أنها كانت لاختيار هيئة رئاسة البرلمان فقط دون الحديث عن رئاسة الوزراء أو الجمهورية". 

ويرى أن العملية السياسية ذاهبة نحو تشكيل حكومة أغلبية وطنية، ولكن "هذا لا يعني أن الديمقراطي الكردستاني يقف بالضد من الإطار التنسيقي، والبيت الشيعي هو الوحيد الذي يتحمل الانقسام الحاصل داخله، ما ضيّع فرصة تاريخية لتقارب وجهات النظر والاتفاق على المسائل العالقة بين أطرافه".

ارفع صوتك

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.