من الرصاصة إلى الدرون.. 100 عام من الاغتيال السياسي في العراق
في العاشر من أبريل عام 2003، أي بعد يوم واحد من سقوط العاصمة بغداد بيد قوات التحالف الدولي ونهاية حكم نظام صدام حسين، قُتل مجيد الخوئي نجل المرجع الشيعي الراحل أبو القاسم الخوئي، ليفتتح بذلك تاريخ جديد من الدم والرصاص بعمليات الاغتيال السياسي في ما عرف بـ"عراق الديمقراطية الجديدة".
في الواقع، للاغتيال السياسي في العراق تاريخ طويل ومعقد منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي، كما تعددت طرقه وأساليبه من السم والطعن والدهس والرصاص، وصولاً إلى محاولات الاغتيال بالطائرات المسيرة.
من الأسماء البارزة التي تعرضت للاغتيال بعد سقوط بغداد، عبد المجيد الخوئي رئيس مؤسسة إنسانية تحمل اسم عائلته في لندن، وقد عرف بنزعته نحو الاستقلال عن البيت الشيعي وطموحه السياسي داخل العراق.
وأشهرا قليلة أيضا بعد سقوط نظام صدام حسين، اغتيل زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق؛ رجل الدين المعروف محمد باقر الحكيم، بعد أدائه مراسم زيارة مرقد الإمام علي، بتفجير مهول بالقرب من الصحن الحيدري أدى إلى مقتل وإصابة المئات غيره.
وبعد الخوئي والحكيم، وفي الخامس والعشرين من سبتمبر عام 2003، فارقت عضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي الحياة متأثرة بجراحها، بعد خمسة أيام تعرضها لنيران مسلحين مجهولين. وكانت الهاشمي واحدة من النساء الثلاث اللواتي عُيّنن في مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد تشكيله.
ثم جاء الدور على عز الدين سليم رئيس مجلس الحكم الانتقالي ليضاف إلى قائمة ضحايا الاغتيال السياسي في العراق بتفجير انتحاري استهدف موكبه في بغداد.
بعد ذلك، توالت سلسلة الاغتيالات السياسية التي طالت زعامات عشائرية ودينية وسياسية، ومفكرين وإعلاميين ولاحقا أدباء وحتى مشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى ملاحقة الناشطين المدنيين والمتظاهرين والباحثين والمحلليين السياسيين، ما اضطر الكثيرين منهم إلى ترك العراق واللجوء إلى الخارج.
وقبيل الانتخابات الأخيرة، شهد العراق موجة من الاغتيالات تلت احتجاجات أكتوبر 2019 والتي أنتجت انتخابات مبكرة واستقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي وحكومته.
يقول منير العلي، وهو كاتب ومحلل سياسي، إن "ما جرى من اغتيالات بعد 2003 كانت بقصد فرض أجندات معينة على الواقع السياسي في العراق. وهذا الأمر تجلى بشكل واقعي أيام احتجاجات تشرين الماضية".
ويضيف: "اغتيال الكاتب والخبير بشؤون الجماعات المتطرفة هشام الهاشمي كان اغتيالاً سياسياً بامتياز، حيث اعتبرها الكثير رسالة تحدٍ لرئيس الحكومة الحالية الذي نفذ خطوات من شأنها كبح جماح الميليشيات في العراق".
وفي اعترافاته، ظهر المتهم بقتل الهاشمي في شريط بثه التلفزيون الرسمي، ليتبين أنه ضابط في وزارة الداخلية لكنه مرتبط بإحدى الميليشيات المقربة من إيران.
من ساحة التحرير اليوم#هشام_شهيد_الوطن #هشام_الهاشمي_شهيد_الكلمة pic.twitter.com/gtXTJvRL3i
— IrfaaSawtak ارفع صوتك (@IrfaaSawtak) July 7, 2020
وقبل الهاشمي، اغتيلت الناشطة ريهام يعقوب في البصرة وتحسين الخفاجي في وسط بغداد. وجاءت هذه العمليات، وفقاً لمنير العلي، استكمالاً لعمليات القتل والخطف والتعذيب التي مورست من قبل جماعات معروفة ضد كل من يقف بوجه النفوذ الايراني.
وسبق لهشام الهاشمي أن كتب قبل اغتياله أن العراق يمثل "مثالا صارخا في الاغتيالات السياسية على خلفية صراع القوى الداخلية والخارجية عليها، ولعل أبرز وأشهر الاغتيالات التي شهدها العراق هو قتل وسحل الملك فيصل ومعيته في بغداد فور نجاح ثورة يوليو 1958 التي تعرض قائدها عبد الكريم قاسم إلى الاغتيال لاحقا".
وتابع الهاشمي، في تدوينة له على فيسبوك: "أما الاغتيالات التي نفذتها أنظمة الحكم في العراق فهي كثيرة، وأشهرها اغتيالات آل الصدر وآل الحكيم، والأهم أن العراق اليوم وبعد عام 2003 أصبح ساحة مفتوحة لعمليات الاغتيال السياسي، بل إنها أصبحت أكثر من أن تحصى".
ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى قتل مسلحون، في بداية تموز 2020، هشام الهاشمي قرب منزله في منطقة زيونة شرقي بغداد.
يقول السياسي العراقي مثال الآلوسي إن عمليات الاغتيال التي جرت بعد 2003 كانت بطابع سياسي بهدف التأثير على مسار العملية السياسية في العراق، مبينا أن الاغتيالات التي مورست ضد الناشطين والمثقفين بعد احتجاجات تشرين نفذتها "أحزاب متضررة من عملية إحداث تغير شكل الدولة العراقية".
وعلى صفحته الشخصية في "فيسبوك"، كتب الكاتب والإعلامي سعدون محسن ضمد: "لم يعد أحد في العراق بمأمن من الاغتيال السياسي، بعد أن وصل استهداف الطائرات المسيّرة إلى مقر القائد العام للقوات المسلحة، الذي يفترض أن يتمتّع بأعلى مستويات الحماية".
ونجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من محاولة اغتيال بطائرات مسيرة استهدفت منزله في المنطقة الخضراء المُحصنة في نوفمبر الماضي.
وقال مسؤولون أمنيون عراقيون حينها إن الهجوم الذي استهدف الكاظمي نفذته جماعة واحدة على الأقل مدعومة من إيران.
ويعلق الإعلامي سعدون محسن ضمد، قائلا: "نحن ندخل مرحلة الدرون بعد مرحلة الكاتم، في المرحلة السابقة كانت الحمايات والمصفحات والشوارع المقطوعة تجعل كبار المسؤولين بمأمن، اليوم بماذا يمكن لهم الاحتماء من شبح طائر ومحمّل بالصواريخ؟ خاصة وأنه ينطلق من الخفاء ويعود إليه، فيصعُب تتبّعه".
