العراق

من الرصاصة إلى الدرون.. 100 عام من الاغتيال السياسي في العراق

ارفع صوتك
25 يناير 2022

في العاشر من أبريل عام 2003، أي بعد يوم واحد من سقوط العاصمة بغداد بيد قوات التحالف الدولي ونهاية حكم نظام صدام حسين، قُتل مجيد الخوئي نجل المرجع الشيعي الراحل أبو القاسم الخوئي، ليفتتح بذلك تاريخ جديد من الدم والرصاص بعمليات الاغتيال السياسي في ما عرف بـ"عراق الديمقراطية الجديدة".

في الواقع، للاغتيال السياسي في العراق تاريخ طويل ومعقد منذ تأسيس الدولة العراقية في عشرينات القرن الماضي، كما تعددت طرقه وأساليبه من السم والطعن والدهس والرصاص، وصولاً إلى محاولات الاغتيال بالطائرات المسيرة.

من الأسماء البارزة التي تعرضت للاغتيال بعد سقوط بغداد، عبد المجيد الخوئي رئيس مؤسسة إنسانية تحمل اسم عائلته في لندن، وقد عرف بنزعته نحو الاستقلال عن البيت الشيعي وطموحه السياسي داخل العراق. 

وأشهرا قليلة أيضا بعد سقوط نظام صدام حسين، اغتيل زعيم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق؛ رجل الدين المعروف محمد باقر الحكيم، بعد أدائه مراسم زيارة مرقد الإمام علي، بتفجير مهول بالقرب من الصحن الحيدري أدى إلى مقتل وإصابة المئات غيره.

وبعد الخوئي والحكيم، وفي الخامس والعشرين من سبتمبر عام 2003، فارقت عضو مجلس الحكم عقيلة الهاشمي الحياة متأثرة بجراحها، بعد خمسة أيام تعرضها لنيران مسلحين مجهولين. وكانت الهاشمي واحدة من النساء الثلاث اللواتي عُيّنن في مجلس الحكم الانتقالي في العراق بعد تشكيله.

ثم جاء الدور على عز الدين سليم رئيس مجلس الحكم الانتقالي ليضاف إلى قائمة ضحايا الاغتيال السياسي في العراق بتفجير انتحاري استهدف موكبه في بغداد.

بعد ذلك، توالت سلسلة الاغتيالات السياسية التي طالت زعامات عشائرية ودينية وسياسية، ومفكرين وإعلاميين ولاحقا أدباء وحتى مشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى ملاحقة الناشطين المدنيين والمتظاهرين والباحثين والمحلليين السياسيين، ما اضطر الكثيرين منهم إلى ترك العراق واللجوء إلى الخارج.

وقبيل الانتخابات الأخيرة، شهد العراق موجة من الاغتيالات تلت احتجاجات أكتوبر 2019 والتي أنتجت انتخابات مبكرة واستقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي وحكومته.

يقول منير العلي، وهو كاتب ومحلل سياسي، إن "ما جرى من اغتيالات بعد 2003 كانت بقصد فرض أجندات معينة على الواقع السياسي في العراق. وهذا الأمر تجلى بشكل واقعي أيام احتجاجات تشرين الماضية".

ويضيف: "اغتيال الكاتب والخبير بشؤون الجماعات المتطرفة هشام الهاشمي كان اغتيالاً سياسياً بامتياز، حيث اعتبرها الكثير رسالة تحدٍ لرئيس الحكومة الحالية الذي نفذ خطوات من شأنها كبح جماح الميليشيات في العراق". 

وفي اعترافاته، ظهر المتهم بقتل الهاشمي في شريط بثه التلفزيون الرسمي، ليتبين أنه ضابط في وزارة الداخلية لكنه مرتبط بإحدى الميليشيات المقربة من إيران.

وقبل الهاشمي، اغتيلت الناشطة ريهام يعقوب في البصرة وتحسين الخفاجي في وسط بغداد. وجاءت هذه العمليات، وفقاً لمنير العلي، استكمالاً لعمليات القتل والخطف والتعذيب التي مورست من قبل جماعات معروفة ضد كل من يقف بوجه النفوذ الايراني.

وسبق لهشام الهاشمي أن كتب قبل اغتياله أن العراق يمثل "مثالا صارخا في الاغتيالات السياسية على خلفية صراع القوى الداخلية والخارجية عليها، ولعل أبرز وأشهر الاغتيالات التي شهدها العراق هو قتل وسحل الملك فيصل ومعيته في بغداد فور نجاح ثورة يوليو 1958 التي تعرض قائدها عبد الكريم قاسم إلى الاغتيال لاحقا".

وتابع الهاشمي، في تدوينة له على فيسبوك: "أما الاغتيالات التي نفذتها أنظمة الحكم في العراق فهي كثيرة، وأشهرها اغتيالات آل الصدر وآل الحكيم، والأهم أن العراق اليوم وبعد عام 2003 أصبح ساحة مفتوحة لعمليات الاغتيال السياسي، بل إنها أصبحت أكثر من أن تحصى". 

ولم تمض سوى فترة قصيرة حتى قتل مسلحون، في بداية تموز 2020، هشام الهاشمي قرب منزله في منطقة زيونة شرقي بغداد. 

يقول السياسي العراقي مثال الآلوسي إن عمليات الاغتيال التي جرت بعد 2003 كانت بطابع سياسي بهدف التأثير على مسار العملية السياسية في العراق، مبينا أن الاغتيالات التي مورست ضد الناشطين والمثقفين بعد احتجاجات تشرين نفذتها "أحزاب متضررة من عملية إحداث تغير شكل الدولة العراقية".

وعلى صفحته الشخصية في "فيسبوك"، كتب الكاتب والإعلامي سعدون محسن ضمد: "لم يعد أحد في العراق بمأمن من الاغتيال السياسي، بعد أن وصل استهداف الطائرات المسيّرة إلى مقر القائد العام للقوات المسلحة، الذي يفترض أن يتمتّع بأعلى مستويات الحماية".

ونجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من محاولة اغتيال بطائرات مسيرة استهدفت منزله في المنطقة الخضراء المُحصنة في نوفمبر الماضي.

وقال مسؤولون أمنيون عراقيون حينها إن الهجوم الذي استهدف الكاظمي نفذته جماعة واحدة على الأقل مدعومة من إيران.

ويعلق الإعلامي سعدون محسن ضمد، قائلا: "نحن ندخل مرحلة الدرون بعد مرحلة الكاتم، في المرحلة السابقة كانت الحمايات والمصفحات والشوارع المقطوعة تجعل كبار المسؤولين بمأمن، اليوم بماذا يمكن لهم الاحتماء من شبح طائر ومحمّل بالصواريخ؟ خاصة وأنه ينطلق من الخفاء ويعود إليه، فيصعُب تتبّعه".

 

ارفع صوتك

مواضيع ذات صلة:

Paris 2024 Paralympics - Table Tennis
نجلة عماد متوّجة بالميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس

بفوز  أفرح ملايين العراقيين، حصدت لاعبة كرة تنس الطاولة نجلة عماد الميدالية الذهبية في بارالمبياد باريس، فأصبحت أول عراقية تحقق هذا الإنجاز الرياضي الرفيع، رغم فقدانها ثلاثة أطراف بانفجار عبوة ناسفة عندما كانت بعمر ثلاث سنوات.

وفي مشهد كان الأكثر تداولا على منصات التواصل الاجتماعي في العراق عقب إعلان فوزها، راقب العراقيون تتويجها بالميدالية الذهبية في احتفالية رفُع فيها العلم العراقي، وعُزف النشيد الوطني لأول امرأة عراقية تفوز بوسام في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية منذ أولى مشاركتها في العام 1992 .

وأختتمت فعاليات دورة الألعاب البارالمبية  في العاصمة الفرنسية باريس  يوم الأحد الماضي بحصول العراق على 5 ميداليات (ذهبية وفضية و3 برونزيات).

 

عبوة ناسفة

في الأول من يوليو الماضي، وفي جلسة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، ألقت عماد كلمة في حلقة النقاش الموضوعية التي تعقد كل أربع سنوات، حول تعزيز حقوق الإنسان من خلال الرياضة.

في تلك الجلسة روت قصتها مع تنس الطاولة التي "بدأت في العام 2008 عندما كانت محافظة ديالى تعاني من إرهاب القاعدة، وكان والدها جندياً يعمل لساعات طويلة في الجيش لحمايتهم" على حد تعبيرها.

في ذلك العام "كان عمري ثلاث سنوات، وكنت أنتظر عودة والدي من العمل ليأخذني في جولة بسيارته، وضعني والدي في السيارة وأثناء وصوله إلى مقعد السائق انفجرت عبوة كانت مزروعة في سيارته".

فقدت الطفلة الصغيرة وعيها وهرعت بها عائلتها إلى المستشفى "استيقظتُ بعد أسابيع وأصبت بصدمة عندما علمت أنني فقدتُ ساقيّ الاثنتين ويدي اليمنى بعدما طارت أطرافي واستقرت فوق سطوح الجيران". 

تقول عماد بألم "جزء كبير من روحي وجسدي سُلب مني إلى الأبد، هذا ما تفعله الحروب بالأطفال".

منذ ذلك اليوم تغيرت حياتها، وواجهت صعوبات كثيرة، ليس بسبب الإعاقة فحسب بل بسبب "نظرة التمييز التي كنت أتعرض لها كل يوم" حسب قولها.

وروت خلال الجلسة مشاعر الألم والحزن وهي ترى الأطفال من حولها يركضون ويلعبون، فيما كانت عاجزة عن ذلك، "كان مستقبلي مليء بعدم اليقين والتحديات التي لا يمكن التغلب عليها".

نقطة تحول محورية

في العاشرة من عمرها كما روت نجلة في تصريحات صحفية "كان تركيزي في البداية منصباً على الدراسة".

إلا أن نقطة التحول المركزية في حياتها كانت "حين زار منزلنا مدرب على معرفة بوالدي، كان يريد تشكيل فريق بارالمبي. وبعد فترة تدريب استمرت ستة أشهر، حقّقت أول فوز لي في بطولة محلية لمحافظات العراق في بغداد"، وفقاً لقولها.

في البداية كانت عماد تتدرب على جدار المنزل لعدم توفر طاولة مخصصة للعب "لكن، تبرع لي أحد الأشخاص بطاولة، وبدأت بالتمرن في المنزل طوال الوقت".

كان توجهها إلى مقر اللجنة البارالمبية على فقر تجهيزاته وضعف تمويله، حافزاً قوياً لها في إكمال مشوارها الرياضي، كما تروي: "رأيت لاعبين آخرين من ذوي الإعاقة يمارسون الرياضة. كان لديهم الكثير من الطاقة الإيجابية، وقد شجّعني ذلك".

الرياضة التي تعلقت بها عماد وشجعها عليها والدها ورافقها في كل خطوات رحلتها "مكنتني من تجاوز إعاقتي، وجعلتني أنظر إلى الحياة من زاوية أخرى".

الرياضة مهمة جداً لذوي الإعاقة في جميع أنحاء العالم، بحسب عماد التي تحثّ "جميع الدول على الاهتمام بذوي الإعاقة وتوفير بيئة داعمة لحقوق الأطفال، وبالأخص ذوي الإعاقة، فمن الضروري توفير التمويل وضمان الوصول السهل وتكافؤ الفرص".

دعم الرياضة لهذه الفئة كما تشرح، "يتيح فوائد نفسية وجسدية واجتماعية لهؤلاء الأفراد، ما يعزز شعورهم بالإنجاز والانتماء، ونحن مدينون للأجيال القادمة بخلق عالم يمكن فيه لكل إنسان بغض النظر عن قدرته وهويته أن يزدهر ويعيش في عدل ومساواة".

طريق معبّد بالذهب

شاركت نجلة عماد في أول بطولة لها في العراق بعد ستة أشهر فقط على خوض تجربة التمرين على يد مدرب، وحققت المركز الثاني في لعبة تنس الطاولة على مقعد متحرك، لتصبح لاعبة المنتخب الوطني العراقي لكرة الطاولة في اللجنة البارالمبية.

وفي العام 2016 بدأت أولى خطواتها باتجاه العالمية التي كانت تسعى إليها، لتحصل على المركز الثالث في بطولتي الأردن 2016 وتايلند 2018، لتبدأ عملية التحول من المنافسة على كرسي متحرك إلى اللعب وقوفاً، بقرار من رئيس اتحاد تنس الطاولة للمعوّقين سمير الكردي.

أدخلت عماد إلى إحدى مستشفيات بغداد المختصة بالعلاج التأهيلي والأطراف الصناعية، ورُكبت لها ثلاثة أطراف صناعية، ووصفت فيه ذلك اليوم بتصريحات صحفية بأنه "أسعد أيام حياتي، فقد تمكنت من الوقوف من جديد بعد عشر سنوات قضيتها جالسة على كرسي".

وبعد تمرينات مكثفة شاركت نجلة في بطولة غرب آسيا التي أقيمت في الصين وحصلت على المركز الثاني: "كانت أول مرة ألعب بالأطراف الصناعية وتنافست مع لاعبات عمرهن الرياضي أكبر من عمري". يأتي هذا الإنجاز رغم أن الأطراف التي كانت تتنافس بها "غير مخصصة للرياضة، وكانت تسبب لها آلاماً وجروحاً".

تلاحقت الانتصارات التي حققتها فحصدت الذهب ببطولة القاهرة في العام 2019. وتوجت في الصين بالمركز الأول، تبعها المركز الأول ببطولة إسبانيا في العام 2020. ثم تبعتها أول مشاركة في دورة الألعاب البارالمبية العام 2021 في طوكيو، ولم تتمكن حينها من إحراز أي ميدالية، إلا أن ذلك كان دافعاً لها للمزيد من التدريب، لتحقق الذهب في دورة الألعاب الآسيوية التي أُقيمت في الصين عام 2023.

وبعد تأهلها لدورة الألعاب البارالمبية بباريس، عبّرت عن سعادتها في تصريحات صحفية بالقول إن "الطموح ليس فقط المشاركة إنما تحقيق الألقاب، ورفع اسم العراق عالياً".

وهو بالفعل ما حققته، فسجّلت اسمها في تاريخ الرياضة العراقية لتصبح أول لاعبة عراقية تحصل على ميدالية ذهبية في تاريخ اللجنة البارالمبية العراقية.