العراق

زار بعضها مرة أو مرتين.. قصور صدام تتحول لركام

فرانس برس
03 فبراير 2022

شيّد صدام حسين إبان فترة حكمه عشرات القصور والمجمعات الفخمة، حفرت أحرف اسمه الأولى على جدرانها، لكن معظمها بات اليوم ركاما أو قواعد عسكرية، أما ما تغلب منها على امتحان الزمن فقد وجد حياة جديدة بعد حقبة الدكتاتور.

ويزيد عدد هذه القصور والمجمعات الرئاسية عن المئة تضم مباني ضخمة في سبع محافظات لكن  غالبيتها في بغداد ومدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين الواقعة على بعد 180 كيلومترا شمال العاصمة.

على الجدران الخرسانية الضخمة، حفر الدكتاتور أحرف اسمه الأولى إضافة إلى أسماء معاركه ضد إيران وغيرها.

إثر سقوط النظام السابق مع الغزو الأميركي العام 2003، نهبت غالبية هذه القصور  قبل أن تحولها القوات الأجنبية إلى مقرات عسكرية.

واليوم أصبح عدد قليل منها منشآت مدنية فيما ترك وأُهمل أو دمر ما تبقى منها خلال المعارك التي مزقت البلاد.

يقول رئيس هيئة الأثار والتراث ليث مجيد حسين لوكالة فرانس برس "لدينا الإمكانية أن نجعل من القصور متاحف، على الأقل في بغداد".

ويضيف: "نستطيع أن نقيم متحفا للسجاد أو متحف العائلة الحاكمة أو للفن الإسلامي".

لكنه يشير الى أن بعض القصور "ضخمة جداً ويحتاج إعادة تأهيلها إلى موارد مالية طائلة". 

وبدأ تشييد هذه القصور في نهاية ثمانينات القرن الماضي واستكملت في منتصف التسعينات، في ذروة الحصار الاقتصادي الذي فرض على العراق.

ويفيد مسؤولون أن صدام حسين زار بعض هذه القصور مرة أو مرتين فقط لكنها كانت تحظى بحماية مشددة من قوات أمنية خاصة ولم يشاهدها أنذاك سوى عمال شاركوا في تشييدها.

ويقول مسؤول حكومي لوكالة فرانس برس، فضل عدم كشف اسمه، إن "البيروقراطية والفساد حالا دون إصلاح القصور وتحويلها إلى مرافق سياحية وتراثية".

رمزية الدكتاتورية 

تضم بغداد مجمعات لقصور رئاسية تحول قسم منها إلى مبان حكومية. وحول أحدها إلى "جامعة أميركية" خاصة فتحت على يد مستثمر عراقي في قصر "الفاو"، وهو أول قصر يمنح للاستثمار الخاص.

ويقع هذا القصر الذي تحيط به بحيرات وعدد من المباني الصغيرة من الحجر والرخام الأنيق قرب مطار بغداد. وكان معدا لاستقبال كبار الضيوف لكنه حول إلى مقر للجيش الأميركي بعد 2003.

ويشعر مايكل مونلكس رئيس "الجامعة الأميركية" بفخر بالحال التي أصبح عليها المجمع بعد تأهيله.

يقول: "كل المباني الأخرى كانت محطمة والشبابيك مدمرة والأفاعي على البلاط والطيور تنتقل في فضائه كانت فعلاً فوضى".

تظهر الصورة رسما لوجه صدام حسين على جدران أحد قصوره المهجورة في محافظة بابل.

ويتابع مونلكس وهو ينظر إلى حروف "ص.ح" المحفورة في سقوف القصر المزينة بنقوش ملونة: "صدام حسين كان لديه غرور كبير وترى حروف اسمه في كل مكان".

وأضاف: "كنا نتساءل ماذا نفعل بها أنزيلها أم نغطيها؟" لكن في النهاية كان القرار بالإبقاء عليها كما هي لأن هذا "مكان تاريخي".  

ويختم مبررا رمزية المكان بـ"أنه قصر الدكتاتور السابق، الآن تحول لمؤسسة تعليمية لفائدة كل العراقيين".

وفي البصرة، أقصى جنوب العراق، بنى صدام حسين ثلاثة قصور كبيرة تطل على شط العرب بات اثنان منها مقرا للحشد الشعبي، تحالف فصائل موالية لإيران باتت منضوية مع القوات الأمنية، فيما تحول الأخير إلى متحف تابع لوزارة الثقافة.

ويقول قحطان العبيد مفتش آثار تراث البصرة، بفخر: "استطعنا تغيير رمزيته الدكتاتورية الى رمزية ثقافية".

وتعتبر البصرة "المحافظة الوحيدة التي نجحت في تحويل أحد القصور الى مبنى لائق وتراثي"، وفقا لهذا المسؤول، موضحا أن "هناك عددا كبيرا من القصور، أكثر من 166 مبنى بين قصر ومنزل" فخم.

حكومات لم تبن شيئا

تسعى السلطات المحلية في محافظة بابل إلى تحويل قصر في مدينة بابل الأثرية إلى متحف. ويطل هذا القصر على الموقع الأثري وقد شيد على تل صناعي على ارتفاع 90 متراً.

ويضم قصر بابل أيضا أحرف صدام منقوشة على الجدران وكذلك نقوشا لصدام وملوك من الحضارات القديمة مثل نبوخذنصر الثاني.

تحمل جدران كل قاعة أسماء المعارك التي خاضعها العراق خلال حربه مع إيران (1980-1988) مثل "رمضان مبارك" و"محمد رسول الله". 

سقف مزخرف في إحدى قاعات قصر صدام حسين في بابل

تتدلى اليوم في القاعات الكبرى المهجورة ثريات متهالكة، فيما انتشرت على الجدران كتابات لزوار أتوا لالتقاط صور.

وحول عدد من المباني والمرافق الخدمية المحيطة بالقصر إلى منتجع سياحي. 

ويقول عبد الستار ناجي مدير منتجع بابل: "عندما دخلنا الموقع العام 2007، كان بحالة يرثى لها، الحكومة المحلية قررت أن يكون الموقع متنفسا لأهالي بابل والمناطق المجاورة والمحافظات الأخرى".

ويوضح معماري كان يعمل في زمن النظام السابق، إن "الحكومات المتعاقبة لم تبن شيئا ولم تستطع أن تقوم بما قام به صدام في بناء القصور".

وعلى ضفاف نهر دجلة يضم المجمع الرئاسي في تكريت، أكثر من 30 قصراً تحول معظمها إلى أطلال جراء المعارك ضد تنظيم داعش، فيما استحال مبنى صغير فيه يطل على نهر دجلة، إلى مزار لكونه كان شاهداً على إعدام ما لا يقل عن 1700 من المجندين في يونيو 2014، بعد اختطافهم من معسكر سبايكر القريب.

فرانس برس

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".