يقول المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب هناك أكثر من 70 مغيبا من ناشطي تشرين لم يعلم مصيرهم.
يقول المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب هناك أكثر من 70 مغيبا من ناشطي تشرين لم يعلم مصيرهم.

يعتبر ملف معتقلي حراك تشرين الشعبي أحد الملفات الشائكة في العراق. ويسعى ناشطو الحراك إلى معرفة مصير زملائهم والضغط لإطلاق سراحهم، في حين أكدت الحكومة العراقية في مناسبات عديدة أن سجونها خالية من نشطاء تشرين.

وأعلن مدير دائرة حقوق الإنسان في وزارة العدل العراقية، محمد تركي، السبت الماضي، أن التقارير الواردة إلى دائرته تشير إلى حسم سبع دعاوى تتعلق بقضايا خطف أو اختفاء متظاهرين، فضلاً عن قضايا أخرى تجري متابعتها حالياً من قبل مجلس القضاء الأعلى".

وأكد تركي لجريدة الصباح الحكومية الرسمية أن "التقارير أظهرت إطلاق سراح جميع المتظاهرين الذين اعتُقلوا بعد ارتكابهم حالات عنف مفرطة ضد القوات الأمنية".

وأشار تركي إلى أن مجلس القضاء الأعلى حقق إنجازات في متابعة مرتكبي الجرائم بحقّ المتظاهرين في محافظات بغداد والبصرة وذي قار وبابل، من خلال إلقاء القبض على الجناة وإحالتهم إلى المحاكم بعد إثبات إدانتهم بارتكاب جرائم.

وتشير المدافعة عن حقوق الإنسان، انتصار الميالي، إلى أن أي معتقل من المتظاهرين والناشطين لم يعد إلى بيته حتى الآن رغم إعلان رئيس الوزراء المنتهية ولايته، مصطفى الكاظمي، عن اهتمامه بهذا الملف ومطالبته بالإفراج عن معتقلي التظاهرات، وتشكيل لجان للتحقيق واستجابة القضاء العراقي والإعلان عن خلو السجون من المعتقلين.

وتوضح الميالي لموقع "ارفع صوتك": "إعلان الحكومة وتأكيدها مجددا على خلو السجون من متظاهري تشرين السلميين وما سبقها من تظاهرات يضعها في مأزق أكبر، لأن من مسؤوليتها تقصي الحقائق والكشف عن كل ما يتعلق بهذه القضية لمعرفة مصير عدد كبير من المغيبين، بدءً من تظاهرات شباط 2011 وحتى تظاهرات تشرين 2019 وما بعدها".

وتستبعد الميالي أن تكون السجون خالية من الناشطين والمتظاهرين، مضيفة: "إذا كانت السجون المعلنة خالية، فهذا يعني أن هناك سجون سرية فعلا. يجب معرفة من المسؤول عنها، وماذا تخفي هذه السجون من حقائق، خصوصا أن هناك وثيقة صادرة عن رئيس الوزراء قرر فيها تشكيل لجنة عليا لتقصي الحقائق حول وجود سجون حكومية سرية".

وأعلن الكاظمي في يونيو 2020 تشكيل فريق مستقل لتقصي الحقائق حول كلّ الأحداث التي جرت في العراق منذ تشرين الأول 2019، لكن الحكومة العراقية لم تعلن حتى الآن نتائج التحقيقات.

ودعا النائب المستقل في مجلس النواب العراقي، سجاد سالم، خلال جلسة مجلس النواب التي عقدت في 8 فبراير الماضي رئاسة المجلس إلى تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق ومتابعة ملف ضحايا احتجاجات تشرين.

في المقابل، طالب رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، النائب المذكور بتقديم طلب لتشكيل اللجنة. وتعد هذه اللجنة الثالثة التي شكلت بهذا الصدد لكن دون جدوى.

وتكشف الميالي: "بحسب إحصائيات صادرة عن تنسيقيات الحراك الشعبي ومعلومات ذوي المختطفين، بلغ عدد الناشطين والمتظاهرين المعتقلين خلال الفترة الممتدة من 2011 حتى 2019 ما يعادل 12 ألف معتقل ومغيب، فيما مازال هناك 150 متظاهرا وناشطا مغيبا من الناشطين والمتظاهرين المشاركين في احتجاجات تشرين".

 

واندلعت في أكتوبر من عام 2019 احتجاجات شعبية واسعة في بغداد ومدن وسط وجنوب العراق، واستمرت لمدة عام كامل طالب خلالها المحتجون، الذين شكل الشباب غالبيتهم، بإنهاء العملية السياسية في البلاد وتشكيل حكومة وطنية مؤقتة وتنظيم انتخابات مبكرة بإشراف دولي وإنهاء النفوذ الايراني في العراق.

واستخدمت القوات الأمنية العراقية والفصائل المسلحة المدعومة من إيران الغازات المسيلة للدموع والرصاص الحي واعتقلت المئات من المتظاهرين والناشطين لإنهاء هذه الاحتجاجات بالقوة، وعلى الرغم من تنفيذ جزء من المطالب إلا أن العراق وبعد مرور أكثر من 6  أشهر على إجراء الانتخابات المبكرة في أكتوبر الماضي وإعلان نتائجها مازال يعاني من انسداد سياسي بسبب عدم توصل الأطراف السياسية لاتفاق بشأن تشكيل الحكومة المقبلة.

ويقول رئيس اللجنة السياسية في حزب الاتحاد العراقي للعمل والحقوق، وهو أحد الأحزاب المنبثقة من حراك تشرين، حسين جبار  لموقع "ارفع صوتك": "التصريح بخلو السجون الناشطين والمتظاهرين فيه الكثير من المراوغة، لأن القضية لم تعد معتقلين وفق أحكام مادة معينة، بل هناك تغييب للدولة ولممارساتها القانونية بهذا الشأن. وهذا التغييب أدى إلى تغييب النشطاء لا اعتقالهم"، داعيا الحكومة إلى أن تثبت للشارع العراقي خلو البلد من السجون سرية".

وكشفت مؤسسة بغداد للدفاع عن ضحايا الرأي في العراق، في فبراير الماضي، عن دفن السلطات العراقية 491 جثة مجهولة الهوية على تسع مراحل بفترات متقاربة ما بين عامي 2020 و2021، وذلك في مقبرة محمد سكران ببغداد ومقبرة كربلاء ومقبرة وادي السلام في النجف، وهو الأمر الذي أثار مخاوف الناشطين والمنظمات الحقوقية على مصير المعتقلين والمغيبين من اقرانهم.

ويستغرب المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب من الإعلان الحكومي عن خلو السجون من الناشطين والمتظاهرين، مؤكدا أن "الكثير من الناشطين اعتقلوا بأوامر قضائية ولم يفرج عنهم إلى الآن".

وتوضح مستشارة المركز فاطمة العاني لموقع "ارفع صوتك": "هناك أكثر من 70 مغيبا من ناشطي تشرين لم يعلم مصيرهم. بعضهم استدعي بكتاب رسمي من قبل المحاكم المختصة. لذلك هذه التصريحات تشير إلى أن وزارة العدل ليس لديها علم بما يجري في مراكز التحقيق التابعة لها، أو أنها ليس لديها اطلاع على الأحكام التي صدرت بحق الناشطين، وكلا الأمرين إن صح وجودهما فإن ذلك يشير إلى دلالات خطيرة"، مطالبة وزارة العدل بإجراء مراجعة كاملة لمؤسساتها وسجلات الدوائر القضائية والسجون التابعة لها لتعرف كم من الناشطين يقبع فيها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".