صورة لأم كلثوم في بغداد

تعرّف العراقيون على صوت أم كلثوم عبر الإذاعة في أسطوانات "الجرامافون" التي كانت في حينها وسيلة التواصل الطربية الوحيدة إلى أن زارتهم "كوكب الشرق" وأحيت عدداً من الحفلات في شارع الرشيد عام 1932. علاقة أم كلثوم بالعراق مرّت بمحطاتٍ عدّة، زارت البلاد مرّتين وكانت السبب في تعديل قانون "وسام الرافدين"... غنّت للملك ثمّ للانقلاب على الحكم الملكي!

تعرّف على أبرز هذه المحطات:

1.      أوّل زيارة لأم كلثوم للعراق كانت في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1932، حيث وصلت مع فرقتها الموسيقية، وأحيت حفلات عدّة في ملهى فندق "الهلال" في شارع الرشيد، أحد أشهر أماكن السهر في العاصمة بغداد آنذاك.

2.      يُقال إنّها غنّت خلال تلك الزيارة أغنية غنتها سليمة مراد في مطلع الثلاثينيات (قلبك صخر جلمود)، وذلك لتقترب أكثر من ذائقة الجمهور العراقي.

ذكريات من يهود بغداد

ماذا تعرف عن سليمة مراد وصالح وداود الكويتي ووزير المالية ساسون حسقيل؟ وهل شاهدت بيوتاً لليهود في منطقتك؟ شاهد هذا الفيلم الوثائقي القصير الذي يتحدث عن يهود بغداد في ذاكرة العراق

Posted by ‎Irfaa Sawtak - ارفع صوتك‎ on Wednesday, July 17, 2019

3.      الزيارة الثانية لأم لكثوم للعراق كانت في الثاني من أيار/مايو عام 1946، حيث عادت إلى بغداد بعد 14 عاماً إثر دعوة رسمية من القصر الملكي، لتشارك العراقيين عيد ميلاد ملكهم فيصل الثاني.

4.      وصلت على متن طائرة خاصة إلى مطار "الحبانية" العسكري، حيث استقبلها كبير مستشاري الوصي على عرش العراق عبد الإله ورافقها إلى القصر الملكي حيث كان في انتظارها والدة الملك وبقية نساء العائلة.

5.      الحفلة التي أحيتها كانت منقولة على الهواء من دار الإذاعة العراقية، وغنت فيها أم كلثوم "يا ليلة العيد" التي أضافت إليها في الختام: "يا دجلة ميتك عنبر وزرعك على العراق نور.. يعيش فيصل ويتهنى نحيي له ليالي العيد".

6.      في أعقاب ذلك، منحت أم كلثوم وسام الرافدين المدني الذي كان يمنح عادة للرجال، لكن تمّ تعديل القانون لتتقلد الوسام، ولأول مرة في تاريخ العراق امرأة هي السيدة أم كلثوم.

7.      لكن بعد انقلاب 1958 الذي عرف بثورة تموز وأطاح بالمملكة العراقية الهاشمية التي أسسها الملك فيصل الأول تحت الرعاية البريطانية، غنّت أم كلثوم "بغداد يا قلعة الأسود" كتهنئة مصرية للعراق بثورة تموز.

8.      للأغنية قصّة، ففي البداية طُلب من أم كلثوم أن تقرأ التهنئة في كلمة تُبث بالإذاعة، لكنّها طلبت أن تغني بدل تسجيل بطاقات تهنئة. كتب القصيدة محمود حسن إسماعيل، وطلبت أن يلحّن رياض السنباطي الأغنية رغم أنّها كانت على خلاف معه.

9.      عندما عرف السنباطي أنّ الأغنية لأم كلثوم، غضب ورفض، لكنّه غيّر رأيه بعد تلقيه اتصال من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ووافق على أن تغنيها أم كلثوم. وهكذا كان، ولاقت الأغنية نجاحاً في العراق واعتمدت كأغنية الافتتاح لإذاعة بغداد على مدى سنوات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".