العراق

الهجرة الداخلية بحثاً عن المياه.. ماذا يقول خبراء عراقيون؟

دلشاد حسين
28 مايو 2022

يرى الناشط البيئي العراقي ليث العبيدي، أن الحلول المطروحة للحد من النزوح بسبب التغيير المناخي واتساع ظاهرة التصحر "تقتصر على ورش العمل والمؤتمرات فقط، دون أي حل فعلي ملموس".

"وحتى إذا كانت هناك بوادر للحل فهي ضعيفة، بينما أحرزت دول أخرى في المنطقة، تقدماً في هذا المجال، خلال العاميين الماضيين"، يقول العبيدي لـ"ارفع صوتك".

ويضيف أن النزوح المرتبط بنقص المياه "ليس حديثاً في العراق، فهو مستمر منذ نحو 15 عاماً، وتسبب بانخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني للبلد بشكل كبير".

من جهته، يقول المتنبئ الجوي صادق عطية لـ"ارفع صوتك"، إن "النزوح بسبب تقلبات المناخ لا يقتصر على سكان جنوب العراق، إنما يشمل أيضاً النزوح الى المناطق الأكثر أمنا من الناحية المعيشية، مثل النزوح من قرى ومدن الفرات الأوسط نحو بغداد والبصرة".

ويشير إلى أن الصراعات العشائرية في بعض مناطق شمال مدينة البصرة، يعود سببها إلى نزاعات حول المياه ومواقع الأراضي الزراعية من مصادر المياه، داعيا لتوفير بيئة مناسبة في القرى والأرياف وحل مشاكل شحة المياه من أجل منع النزوح من القرى إلى المدن.

ويأتي حديثهما، تعقيباً على تقرير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، الذي نُشر في 23 مايو الجاري، وحذر من احتمالية حدوث موجات نزوح من المناطق الجنوبية، بسبب الجفاف والعواصف الترابية.

وأكد التقرير خسارة ما نسبته 30%من كميات المياه التي كان يحصل عليها العراق من نهري دجلة والفرات.

وكان تقرير تقرير رسمي صدر عام 2018، توقع خسارة العراق نسبة 50%من مياه النهرين اللذين يمثلان شريان الحياة للبلاد، جراء سياسات تركيا وإيران، اللتين تستأثران بالمياه وتبنيان السدود والمشاريع على المنابع.

وأفاد المرصد أن آلاف الأشخاص والعائلات نزحوا من جنوب العراق باتجاه مناطق أخرى بسبب الجفاف والتصحر.

ودعا في تقريره، أجهزة الدولة المعنية بقضايا المناخ والبيئة والزراعة إلى إيلاء أهمية قصوى لمشكلة الجفاف والتصحر والتخفيف من آثار العواصف الرملية والغبار، والعودة إلى العلماء المختصين في هذه المجالات والاطلاع على تجارب دول أخرى تشبه العراق بظروفه المناخية.

وطالب الجهات المسؤولة عن تحديد ميزانية العراق المالية بتخصيص جزء من ميزانية 2022 وما يتلوها من أعوام لقضايا المناخ، بغية تفادي "كارثة تفاقم التغير المناخي".

وبعد أيام قليلة على تقرير المرصد، نشرت وكالة الأنباء الرسمية (واع) مقابلة مع المديرة العامة لدائرة الغابات والتصحر في وزارة الزراعة، راوية مزعل، تتحدث فيها بالتفصيل عن مشاريع يمكنها الحد من التصحر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مشيرة أيضاً إلى الصعوبات التي قد تحول ون تنفيذها.

وقالت مزعل: "المساحات التي تعرضت للتصحر تقدر بـ 27 مليون دونم وفقدان بحدود مليون و747 ألف دونم من الغطاء النباتي الأخضر، خلال  الـ 10 سنوات الأخيرة".

في نفس السياق، يقول خبير الإستراتيجيات والسياسات المائية وعضو التدريس في جامعة دهوك، رمضان حمزة: "الهجرة من الريف إلى المدن بسبب أزمات المياه والعواصف الغبارية، سيحدث تغييراً ديمغرافياً خطيراً".

"كما سيؤدي إلى زيادة نسب البطالة وتزايد في نسب الجرائم وتدني المستوى الاقتصادي، وسيادة الفوضى على سيادة القانون لتؤدي اإى فقدان الدولة لبوصلة التطور والتنمية"، يتابع حمزة لـ"ارفع صوتك".

ويؤكد: "دون اتخاذ إجراءات ملموسة، ستؤدي القيود التي يعاني منها قطاع المياه لخسائر كبيرة عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد، وستؤثر على المزيد من الفئات الأكثر احتياجا بين العراقيين".

ويضيف حمزة أن "أزمات المياه هي المحور والأساس، إضافة إلى عوامل أخرى كلها ستساهم بشكل واضح وملموس بزحف كبير من الريف نحو حواضر المدن".

ويوضح: "الغياب التام للإستراتيجيات والسياسات المائية الرشيدة، خصوصا عندما بلغت إيرادات العراق الكلية من المياه عام 2019 بحدود 100 مليار متر مكعب ولم تستغل بالشكل الأمثل، بل ذهبت هدراً إلى البحر، يمثل مسبباً لأزمة المياه".

وحسب حمزة، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003 "لم تراعِ سياسات ناجحة لاستغلال الوفرات المائية، كأن تنشئ مخزوناً إستراتيجياً للمياه عن طريق السدود والخزانات، أو تأهيل مملحة الثرثار لتكون العمود الفقري لخزين العراق الإستراتيجي وإدارة ملف مهم يمس الأمن المائي والغذائي للعراقيين".

دلشاد حسين

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".