A general view of the dried up Lake Sawa Iraq, is seen Saturday, June 4, 2022. This year, for the first time in its centuries…
الآن يطلق السكان المحليون على المنطقة المحيطة ببحيرة ساوة اسم "عطشان".

يتذكر حسام العاقولي المكان على طول بحيرة ساوة في جنوب العراق حيث غمرت ابنتاه ذات مرة أقدامهما بالمياه الصافية، والآن يقف هناك بينما تتشقق الأرض القاحلة من تحته.

هذا العام، ولأول مرة في تاريخها الممتد لقرون، جفت البحيرة بعد أن أدى مزيج من سوء الإدارة للمستثمرين المحليين وإهمال الحكومة وتغير المناخ إلى تحول شواطئها الزرقاء إلى قطع من الملح، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس.

بحيرة ساوة في محافظة المثنى العراقية ليست سوى أحدث ضحية من ضحايا شح المياه في عموم العراق الذي يقول الخبراء إنه ناجم عن تغير المناخ، مع الانخفاض القياسي في هطول الأمطار والجفاف المتعاقب، كما يؤدي الضغط على الموارد المائية إلى زيادة المنافسة على هذا المورد الثمين بين رجال الأعمال والمزارعين والرعاة.

 

"مأساة" 

 

يقول العاقولي لأسوشيتد برس وهو ينظر إلى هذا الجفاف: "كانت هذه البحيرة تُعرف باسم لؤلؤة الجنوب... إنها مأساتنا الآن".

وساوة بحيرة مغلقة مالحة تقع في محافظة المثنى العراقية، قرب نهر الفرات، بين العاصمة بغداد ومحافظة البصرة الغنية بالنفط. يبلغ ارتفاعها 5 أمتار فوق مستوى سطح البحر، وطولها حوالي 4.5 كيلومتر وعرضها 1.8 كيلومتر.

وتعتبر المثنى من أفقر محافظات العراق، فعدد الذين يعيشون تحت خط الفقر هناك يبلغ ثلاثة أضعاف المعدل الوطني.

وتشكلت البحيرة فوق صخور من الحجر الجيري ومرصعة بتشكيلات الجبس، ولا يوجد بها مدخل أو مخرج، وكان مصدر مياهها محيرا للخبراء لعدة قرون، ما سمح بإطلاق الروايات الفلكلورية والدينية التي يرويها السكان المحليون كحقائق تاريخية.

وكان الآلاف من السائحين المتدينين يزورونها سنويا ليغمروا أنفسهم في مياهها "المقدسة" التي يعتقدون أن الله باركها.

وتعتبر الرواسب المعدنية الغنية بالبحيرة أيضا علاجا للبعض من الأمراض الجلدية السائدة في محافظة المثنى المُهملة تاريخيا.

والآن يطلق السكان المحليون على المنطقة المحيطة ببحيرة ساوة اسم "عطشان".

كان العاقولي يتردد أثناء طفولته على البحيرة مع أسرته، ويأمل في أن يفعل ذلك مجددا عندما يشكل عائلة جديدة، والآن يقضي أيامه على وسائل التواصل الاجتماعي لكتابة منشورات طويلة ويحث العراقيين على فعل شيءلكنه أحيانا يشعر باليأس.

يقول السكان المحليون إن جفاف مياه بحيرة ساوة ينذر بعودة الإمام المهدي ونهاية العالم، وبالنسبة إلى دعاة حماية البيئة، قد لا تكون توقعات يوم القيامة بعيدة المنال.

وأظهرت الدراسات أن البحيرة تتغذى من مصادر المياه الجوفية من خلال الشقوق والتصدعات، ويمكنها استقبال مياه الأمطار من الوديان المحيطة، وتسبب هطول الأمطار الغزيرة في السنوات الماضية في حدوث فيضانات مفاجئة.

ويوضح ليث علي العبيدي، الناشط البيئي في جنوب العراق: "بدأ تدهور المياه منذ أكثر من 10 سنوات، لكن هذا الصيف كان المرة الأولى التي نفقد فيها الأرض الرطبة بأكملها".

 

عوامل بشرية

 

ويرى خبراء أن البحيرة لم تجف نهائيا، لكن اختفاءها هذا العام حدث بسبب آلاف الآبار غير القانونية التي حفرها رجال الأعمال في مصانع الإسمنت المجاورة ومناطق التصنيع، نتيجة الجفاف وتناقص المياه على طول نهر الفرات القريب.

وبحلول أوائل يونيو، بدأ قدر من المياه في الظهور مرة أخرى مع توقف المزارعين بعد انتهاء موسم الحصاد عن تحويل المياه الجوفية.

ويستخدم الملح كمادة خام في صناعات مختلفة في المنطقة. وتصطف أكوام الملح على الطريق المؤدي إلى النهر في المثنى ويشرف عليها السكان المحليون الذين يستخرجونها عن طريق تحويل المياه الجوفية وحفر الآبار.

مرتضى علي، الذي يعمل في تجارة الملح في المثنى، ألقى باللوم على الإهمال الحكومي في المحافظة على اختفاء بحيرة ساوة، ويقول : "يجب أن يوفروا للناس وظائف، حتى لا يضطروا لحفر الآبار لكسب لقمة العيش".

عون دياب، مستشار وزارة الموارد المائية، قال إن إغلاق الآبار غير القانونية واتخاذ إجراءات وقائية إضافية يمكن أن يصلح ما فسد، لكن هذه الأمور ستؤثر بشكل مباشر على المصالح الاقتصادية للمسؤولين.

وأثرت البحيرة أيضا على النظام البيئي فأنواع الأسماك غير الصالحة للاستهلاك البشري أصبحت غذاء لمختلف الطيور المهاجرة التي أقيمت على ضفافها. ويقول العبيدي إنه مع اختفاء الأسماك، ستضطر الطيور أيضا إلى تغيير مسارها وإلا ستنفق.

والمستقبل مهيأ أيضا لمزيد من المصاعب، فهناك توقعات مقلقة بحدوث المزيد الإجهاد المائي. وقالت وزارة الموارد المائية إن مستويات المياه انخفضت في 2022 بنسبة 60 في المئة مقارنة بالعام الماضي.

ويقول العبيدي إن بحيرة ساوة "دراسة حالة لتغير المناخ في العراق... هذا هو المستقبل".

وأصبحت البحيرة أيضا شبحا لماضيها اللامع، فقد كانت المنطقة تتباهي باستقبال آلاف السياح سنويا، والآن تبقى نفاياتهم (زجاجات المياه وعلب الصودا والنعال) على طول الشواطئ الجافة بمثابة تذكير لما فقدته المنطقة الفقيرة.

المنشآت والتركيبات الخاصة بالعطلات لم يتم الانتهاء منها كاملة، وقد نهب معظمها، وتخضع المنطقة منذ عام 2014 لاتفاقية "رامسار" الدولية الخاصة بحماية الأراضي الرطبة، أي اكتسبت الاعتراف كمنطقة نادرة تحتاج إلى الحماية. 

وهناك لوحة كبيرة للتذكير بذلك تطل على المكان، وتأمل السلطات المحلية أن يعزز هذا السياحة والموارد الحكومية لاستئناف تنمية المنطقة، وتمت صياغة مخططات لشق الطرق والممرات حول البحيرة وإنشاء خطوط للكهرباء والمياه، لكن لم يتم تنفيذ أي من هذه المشاريع.

كان الهواء الساخن ثقيلا عندما ألقى العاقولي نظرة أخيرة على البحيرة قبل مغادرته، وقال: "صدقني، لقد كانت جميلة".

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.