العراق

بعد مهر الوردة.. لماذا لا تنخفض مهور الزواج في العراق؟

14 يونيو 2022

بمزيج من القبول والتفاؤل والرفض والسخرية، استقبل العراقيون خبراً يتحدث عن عقد زواج لشاب على فتاة بمحكمة هبهب في محافظة ديالى، بمهر مقدّمه باقة ورد ومبلغ مالي قدره ألف دينار عراقي بينما كان مؤجله حجة لـ"بيت الله الحرام" في مكة.

القصة بدأت، وفق ما نشر في صفحات عراقية على مواقع محلية وأخرى للتواصل الاجتماعي،  باتفاق الشاب محمد الذي يعمل في الصحافة مع خطيبته، بأن يكون مهرها رمزياً لما تشكله الأوضاع الاقتصادية في البلاد من أزمة حقيقية للشباب. 

ولأول مرة في البلاد، تكون باقة الورد هي مقدمة لمهر عقد زواج بعد أن كان القرآن يُقدم بديلاً لمن لا يتمكنون من توفير تكاليف المقدم والمؤخر في مهر عقد الزواج.  

وشاع تقليد "القرآن الكريم" في تسعينيات القرن الماضي، خلال سنوات الحصار الدولي والعقوبات الاقتصادية، نتيجة الظروف المعيشية الصعبة وتزايد معدلات الفقر، إذ وصل سعر صرف الدولار الأميركي آنذاك إلى ثلاثة آلاف دينار عراقي. 

 

الفقر والعوز

وتعليقاً على الخبر، تقول أمينة حازم (49عاماً) من بغداد: "لم أتمكن من الزواج إلا بعد عام 2004 بسبب عزوف الكثير من الشباب عن الزواج لارتفاع تكاليفه آنذاك". 

وتتذكر كيف أن والدتها كانت ترفض كل من يتقدم راغباً بالزواج منها، لعدم قدرتهم المادية على توفير قيمة المهر وما يتطلبه الزواج من نفقات وتكاليف.  

وتضيف أمينة لـ"ارفع صوتك"، أن "المشكلة كانت في أن غالبية العوائل آنذاك، التي تخاف تزويج بناتها من دون أن يقدم لهن المهر المرغوب فيه، من منطلق حماية حقوقهن في حال وفاة الزوج أو الانفصال عنه أو للتباهي بقيمته". 

وتؤكد أن "الظروف آنذاك كانت مقلقة بسبب الفقر والعوز، إذ كان الموظف الحكومي يستلم راتباً شهرياً لا يتجاوز 2000 دينار عراقي، وهو لا يكفي لتوفير مبلغ وجبة غداء لفرد واحد وليوم واحد". 

وقتها، اضطر الكثير من العراقيين إلى بيع كل ما يملكون من أثاث وأغراض ثمينة وغير ثمينة مقابل توفير لقمة العيش، حتى أن غيرهم دفع به الحال إلى الهجرة ومغادرة البلاد. 

وترى أمينة أن تفكير الأهل تجاه تأمين حياة بناتهم في الزواج من شبان مقتدرين مادياً أو منحدرين من أسر ميسورة الحال كان "غير دقيق". 

وتشير إلى أنها "تعرف بعض الفتيات اللواتي كن يرفضن فكرة التخلي عن المهر أو التقليل من تكاليفه، يعشن اليوم مجبرات في منازل إخوتهن مع زوجاتهم وأطفالهم".  

وتتابع أمينة: "تركيبة المجتمع في السابق تنظر لقيمة المهر في أنه من قيمة المرأة، فلا يمكن أن أنسى مقولة أمي التي كانت ترددها دوماً (يحب الرجل المرأة الغالية التي تكلفه الكثير من الأموال ولن يتنازل عنها، أما المرأة التي لا تكلفه عناء الزواج فمن الممكن أن يتنازل عنها بسهولة.. كأن يتزوج بغيرها أو ينفصل عنها)".  

 

ديون بعد الزواج 

قد يكون الأمر نفسه بالنسبة لحميد (60 عاماً)، وهو من بغداد أيضاً، الذي لم يتمكن من الزواج لغاية الآن على الرغم من أنه جرب الارتباط أكثر من امرأة.

يقول لـ "ارفع صوتك"، إن "عدم قدرته على توفير تكاليف المهر المجحفة آنذاك وراء إخفاقه في الزواج". 

ويضيف حميد أن "عائلات كثيرة تفرض قيمة المهر كشرط أساسي وليس لبناتهم شأن فيه، الأمر الذي حرمني من الزواج بالفتاة التي أحببتها، في ظل الأزمات الاقتصادية". 

ويتابع أن غالبية الذين تمكنوا من الزواج آنذاك، قاموا باستدانة الأموال أو الاشتراك بسلف مالية، وهذا أمر رفض القيام به، خصوصا أنه شهد تجربة أخيه في توفير ديون زواجه، وظل يسددها لأكثر من سنة، بينما تعرض غيره للسجن بسبب عدم قدرته على السداد". 

 

إيجاد الحلول

من جهته، احتفى عمار هشام (31 عاماً)، بخبر مهر الوردة، واستغله للحديث عن ارتفاع مهور الزواج حالياً، التي يعجز الكثير من الشباب - وهو منهم- عن توفيرها. 

يقول لـ "ارفع صوتك" إن "مبالغ المهور اليوم تتراوح بين (10- 35) مليون دينار عراقي، وهي مبالغ كبيرة لا يمكن لشاب أن يوفرها من دون مساعدة أهله". 

ويتساءل هشام، وهو خريج جامعي "كيف يمكن توفير هكذا مبالغ للزواج وما زلت إلى اللحظة أعمل بأجر يومي لا يتجاوز 15 ألف دينار عراقي؟".

ويأمل أن يكون لمهر الوردة تأثير إيجابي تتبعه خطوات مماثلة في التقليل من تكاليف المهور التي تفرض على الشباب الراغبين بالزواج.   

ويرى هشام أن "الأمر كله بيد الحكومة وعليها إيجاد الحلول التي من خلالها يتمكن الشباب من الزواج، كأن توفر فرص عمل مناسبة للشباب وكذلك الحد من ارتفاع الأسعار والتذبذب الحاصل في الأسواق المحلية". 

وفي رأي مخالف، تقول سمر صالح (42 عاماً)، إن مهر الوردة "استخفاف بقيمة المرأة، لأن من يتابع هذا الأمر ينظر كيف تفاعل الناس معه وكأن المرأة سلعة". 

وتضيف سمر التي تعمل محامية، لـ "ارفع صوتك": "الأوضاع لم تتغير كثيراً عن السابق، الآن ترفض الكثير من النساء التنازل عن مهرهن بسبب تزايد معدلات الطلاق والفقر وانحسار فرص العمل وغير ذلك".   

وترى أن "هذا النوع من المهور الرمزية يحدث كثيراً بين الأقارب من عشيرة واحدة أو بين طرفين أحبا بعضهما واتفقا على تذليل العقبات للزواج". 

في المقابل "رفضت كثيرات التنازل عن قيمة المهر بعقد الزواج بهذا الشكل، لكنهن قد يحاولن مساعدة الذي يجدنه مناسباً للزواج عبر التخلي عن بعض التكاليف المالية أو التقليل منها". 

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".