يعتبر عام 2019 نقطة فارقة في مسار تنظيم داعش في سوريا والعراق
يعتبر عام 2019 نقطة فارقة في مسار تنظيم داعش في سوريا والعراق- أرشيفية

نقلا عن موقع الحرة

قبل ثماني سنوات كسر تنظيم "داعش" الحدود بين سوريا والعراق، معلنا قيام "خلافته الإسلامية"، وبينما توسّع نفوذه حتى وصل إلى أوجه على عهد "الخليفة الأول"، أبو بكر البغدادي تقلّص بالتدريج بعد خمس سنوات ليصل إلى نقطة الصفر، بعدما سقطت الخلافة في عام 2019 بمنطقة الباغوز السورية.

ويعتبر عام 2019 نقطة فارقة في مسار تنظيم داعش في سوريا والعراق، ويرتبط ذلك بأن الظروف التي تبعت هذا التوقيت شهدت سلسلة من التطورات الجذرية، بدءا من مقتل "البغدادي" على يد القوات الأميركية، ووصولا إلى تحوّل النشاط إلى القتال ضمن ما يصفها الخبراء بـ"استراتيجية الذئاب المنفردة".

وهذه الاستراتيجية كانت قد اتبعت خلال الفترة التي تعاقب فيها على زعامة داعش كل "عبد الله قرداش" (أبو إبراهيم الهاشمي القرشي)، والذي قتل أيضا على يد القوات الأميركية في فبراير 2022، ليحل مكانه "خليفة ثالث" يدعى "أبو الحسن الهاشمي القرشي". 

ورغم أنه لا يوجد أي مناطق سيطرة كاملة ومرسومة الحدود والخرائط لـ"داعش" في الوقت الحالي ومنذ سقوط خلافته، إلا أن مقاتليه ما يزالون ينفذون الهجمات، والتي يرى خبراء محليون أنها تتصاعد بالتدريج، وخاصة في سوريا، التي ينتشرون في صحرائها مترامية الأطراف (البادية).

ومنذ بداية الأسبوع الحالي تبنى تنظيم "داعش" عمليتان، الأولى استهدفت "قوات الصناديد" المتحالفة مع "قوات سوريا الديمقراطية" في شمال وشرق سوريا، بينما الثانية فقد طالت قوات النظام السوري، ما أسفر عن مقتل وجرح 30 عنصرا. 

وقبل هذه الحوادث تم تسجيل سلسلة من العمليات، والتي تنوعت ما بين الاستهداف المباشر بالرصاص وتفجير العبوات الناسفة ونصب الكمائن. القسم الأكبر منها حصلت في البادية السورية ومحيطها، وقسم آخر في مناطق سيطرة "قسد" والنظام السوري. 

 

"قبل فوات الأوان"

ودفع الرصد الخاص بتصاعد العمليات، وخاصة في سوريا التي شكّلت بداية ونهاية "خلافة داعش" سياسيين أميركيين للتحذير من "هذا الخطر"، واعتبر السيناتور الأميركي، ليندسي غراهام في مقالة نشرها موقع "فوكس نيوز" أن "صعود داعش في سوريا هو تهديد لأسلوب حياتنا الأميركي".

وطالب غراهام الرئيس الأميركي " جو بايدن والكونغرس بالعمل معا من أجل إيجاد حل في سوريا قبل فوات الأوان".

ويكمن الحل وفق فكرة السيناتور الأميركي بأن يستهدف وبشكل خاص المشكلة التي تلوح في الأفق في شمال وشرق سوريا، والتي تتمثل بمخاوف الأمن القومي المشروعة لتركيا، وما يقابلها من التشكيل العسكري الذي ترى أنقرة فيه تهديدا لها، وهو "قوات سوريا الديمقراطية". 

وأضاف غراهام: "التحدي الذي يواجهنا في المضي قدما هو كيف ندعم أولئك الذين ساعدونا في تدمير خلافة داعش دون تقويض الأمن القومي التركي؟ لقد أزعجت هذه المشكلة الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء".

ويستدعي ما سبق "اهتماما عاجلا"، بحسب السيناتور، مشيرا إلى أن "داعش بدأ بالظهور من جديد في شمال شرق سوريا"، وبالتالي فإن المكاسب التي حققتها أميركا لتدمير الخلافة "في خطر".

ويوضح: "يتنامى الصراع بين تركيا، حليفنا في الناتو، والقوات داخل شمال شرق سوريا يومل بعد يوم. حان وقت العمل. ستكون عملية حل هذه المشكلة صعبة، لكن العمل على إيجاد حل أفضل بكثير من تجاهل المشكلة والتعامل مع داعش من جديد".

 

ماذا وراء نشاط التنظيم؟ 

وتشير المستجدات الحالية في الميدان الخاص بشمال وشرق سوريا إلى أنه لا توجد أي بوادر للحل المشترك بين تركيا و"قسد"، وعلى العكس هناك لهجة تصعيد من جانب الأولى لشن عملية عسكرية في أقرب وقت.

وتعتبر أنقرة "وحدات حماية الشعب" التي يشكل قواتها الجزء الأكبر من "قسد" امتدادا لـ"حزب العمال الكردستاني"، المصنف على قوائم الإرهاب الدولية.

في المقابل تعتبر "قسد" الحليف الأبرز للولايات المتحدة الأميركية في سوريا، وهي شريكة في العمليات التي يقودها التحالف الدولي لـ"محاربة تنظيم داعش"، منذ عام 2014.

الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، حسن أبو هنية يرى بأن تصاعد هجمات داعش في سوريا والعراق بات أمرا واضحا، وهو ما تشير إليه الإحصائيات والأرقام. 

وتحدث أبو هنية لموقع "الحرة" أن الفترة الأخيرة شهدت سلسلة من "العمليات المركزة"، في تطور للتكتيكات الأخيرة "الرخيصة وغير المعقدة والمكلفة". 

ويعتبر هجوم "سجن الصناعة" (غويران) في محافظة الحسكة أبرز وأحد أكبر الهجمات التي نفذها تنظيم داعش منذ سقوط خلافته، عقب معركة الباغوز في ريف محافظة دير الزور. 

ويقول الباحث: "المؤشرات في الوقت الحالي تشير إلى تصاعد الهجمات. ربما بنسبة 300 بالمئة".

وهناك عدة أسباب تقف وراء هذا التصاعد، ويحددها أبو هنية شارحا أن "داعش له خبرة منذ عام 2003، وعلى الرغم من أنه تراجع إلا أنه عاد، وذلك ما يرتبط بالخبرة والهيكلية المتماسكة".

ويضيف: "التنظيمات التي لها تقليد وتراث وخبرة واسعة من الصعب القضاء عليها. قد تضعف لكن لن تنته، وخصوصا في المقاربة الأمنية التي اعتمد عليها التحالف والحلفاء".

وبعد عام 2019 كان داعش قد تحوّل إلى ما يعرف بـ"حرب العصابات"، وحاول الحفاظ على وجوده من خلال "عدة تكتيكات".

وحتى الآن لا يوجد تقديرات واضحة عن عدد مقاتليه، سواء في سوريا أو العراق، ونوعية السلاح الذي يحملونه أو حتى التمويل الذي يتلقونه من أجل إبقاء النشاط قائما.

ويرى أبو هنية أيضا أن تراجع عمليات التحالف وقلة عدد القوات يعتبر سببا وراء تصاعد داعش، إضافة إلى "توجه الاهتمام الأميركي إلى مواجهة الصين وروسيا، والانشغال بالحرب الروسية على أوكرانيا".

وهناك أسباب موضوعية تتعلق بأن "القوات المحلية لا يمكن الاعتماد عليها على الأرض، سواء قوات سوريا الديمقراطية التي فشلت في تأمين سجن غويران، أو حتى النظام السوري وروسيا، اللذان أطلقا سلسلة عمليات عسكرية للقضاء على داعش منذ 2018 لكنهما لم يحصلّا أي نتائج".

ويشير الباحث إلى أسباب أخرى "سياسية واقتصادية واجتماعية"، موضحا: "الأمور الثلاثة لم يحل منها شيء في سوريا والعراق، وبالتالي تشكّل أسبابا في التمرد الجهادي".

 

"التضييق ولا ملجأ"

في غضون ذلك ورغم التصاعد في هجمات داعش، إلا أنه شهد خلال الفترة الأخيرة سلسلة عمليات استهدفت قادة منه، سواء في داخل الحدود أو خارجها. 

في السادس عشر من يونيو الحالي أعلن التحالف الدولي لمحاربة داعش اعتقال "قيادي بارز" في داعش خلال عملية أمنية في سوريا، وقال إنه "كان خبيرا في صناعة القنابل وأحد أبرز قيادي التنظيم في سوريا".

وأضاف أن "العملية تمت من دون تضرر أو إصابة أي مدني، كما لم يتم تسجيل أي خسائر في صفوف التحالف".

ويعتبر الباحث في شؤون الجماعات المتشددة محمد صفر أن أحد أسباب النشاط الرئيسي لداعش في سوريا والعراق حاليا "هو استهداف القيادات والتضييق". 

ويتابع في حديث لموقع "الحرة": "عندما يتم التضييق فهو يلجأ إلى المخالب من أجل إلحاق أكبر ضرر، ولتشتيت الانتباه قبل تنفيذ أي عمليات".

"عمليات التحالف الأخيرة والاعتقالات تدفع خلايا ومجموعات داعش بحكم أنها تنفرد عن قيادتها إلى اعتماد سياسية الذئاب المنفردة من أجل التشتيت".

ويضيف صفر: "قد نشهد المزيد (من العمليات). خاصة أن أوامر التنفيذ ستكون بيد المجموعات الميدانية والقيادات الميدانية على الأرض".

لكنه وفي ذات الوقت لا يتوقع "تشكيل مجموعات جديدة منشقة، لأن الظروف لا تسمح"، متحدثا عن توقعات بـ"عمليات إعادة هيكلة، في ظل غياب القيادات وتضييق الخناق، وربما العودة لمستوى مجموعات منفردة مكونة من أعداد صغيرة جدا، وشن عمليات وفق المحدود".

 

"أسباب ظرفية"

وبعد مقتل "القرشي" وبينما اتفقت الآراء أن الضربة تعتبر "قاسمة بالنسبة لداعش"، أكدت في منحى آخر أن خطر نشاطه قد يتواصل في المرحلة المقبلة، لاسيما أن معظم الهجمات تتم بناء على قرارات "لا مركزية"، أي كل مجموعة على حدى.

وحذر وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، في فبراير 2022 من عودة داعش في سوريا والعراق وأفغانستان، بقوله: "لا تزال القاعدة وداعش والجماعات المنتسبة لهما تعتبر تهديدات خطيرة، فيما تتزايد الهجمات الإرهابية القائمة على كراهية الأجانب والعنصرية والتعصب".

وأضاف أن "الفروع الإقليمية لتنظيم داعش خارج سوريا والعراق استمرت في التوسع على نطاق وسرعة مقلقين، بفضل انتشار الأسلحة التقليدية وغيرها، لا سيما في أماكن الصراع الهشة".

ويوضح الباحث في "مركز الشرق للدرسات"، سعد الشارع أن نشاط داعش يمكن وصفه بأنه "متقدم، منذ أن خسر آخر معاركه الحضرية في الباغوز".

وبعد تلك الفترة قبل 3 سنوات انتقل عمله إلى نشاط العصابات، بينما تغلغل في عمق البادية، سواء بادية شرق الفرات التي تمتد من جنوب الحسكة وتصل نهر الفرات وتحاذي الحدود السورية العراقية، أو البادية السورية التي تتصل مع بادية الأنبار العراقية.

ويقول الشارع لموقع "الحرة": "كما هو معروف التنظيم هو صاحب الكعب العالي في البادية"، وأن الأسباب التي تقف وراء تصاعد نشاطه ترتبط بـ"التموضع الجغرافي من جهة" وأسباب داخلية، حيث أن "قياداته غير معروفة سواء الأمنيين والعسكريين، وبالتالي لديهم القدرة على التحرك بشكل كبير". 

وإلى جانب ذلك توجد أسباب مثل "تمكن داعش من تأمين طرق الإمداد له، سواء العسكري أو الطرق الأخرى، من خلال تأسيس شبك علاقات مع بعض الشخصيات المحلية". 

من جهته يرى الباحث السوري في "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية"، نوار شعبان أن "داعش ورغم تصاعد نشاطه إلا أنه ليس لها القدرة على العودة".

ويقول لموقع "الحرة": "له القدرة على الإزعاج وتشكيل خطر على أي دولة سواء إفريقيا والعراق وسوريا".

"أمريكا تحاول التركيز على خطر داعش المتنقل عبر الحدود، وبالتالي قد تطلق دعما بخصوص ذلك للمخيمات في شمال وشرق سوريا"، مثل مخيم الهول. 

ويضم مخيم الهول للنازحين في شمال شرق سوريا ما يقدر بنحو 57000 لاجئ، "كثير منهم من النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية". وأشار السيناتور الأميركي، ليندسي غراهام في مقالته إلى أنه "بمثابة بؤرة لتجنيد داعش".

بدوره اعتبر الباحث السوري، سعد الشارع أن "هناك خشية من بعض المؤسسات الأميركية على وضع الحلفاء الميدانيين التي خصص التنظيم جزء كبير من هجماته ضدها"، في إشارة إلى "قسد".

ويضيف: "لذلك الصيحات الأميركية إن صح التعبير مبرهنة لوجود حلفاء على الأرَض، وأيضا لا يمكن إهمال مسألة وجود قوات أمريكية في ذات المنطقة التي ينشط فيها داعش. سواء في شرق الفرات أو التنف التي تتصل أجزائها الشمالية والشرقية مع منطقة البادية السورية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".