رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، أثناء وداعه الجرحى في أبريل 2022، لتلقي العلاج خارج العراق
رئيس الحكومة العراقية مصطفى الكاظمي، أثناء وداعه الجرحى في أبريل 2022، لتلقي العلاج خارج العراق

ينتظر كميل قاسم، وهو أحد جرحى التظاهرات العراقية التي اندلعت عام 2019، و11 جريحا آخرين، من من ذوي الحالات الحرجة، الذين أرسلتهم الحكومة العراقية للعلاج في ألمانيا على نفقتها، المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لمساعدتهم في تلقي العلاج.

ويتهمون الحكومة العراقية "بالتخلي عنهم وإهمالهم"، ويشتكون من "عدم التزام الحكومة ووزارة الصحة بالوعود التي قطعتها لهم بتحمل تكاليف علاجهم في ألمانيا".

ويعاني قاسم وأقرانه من إصابات في الحبل الشوكي والدماغ وتقرحات جلدية، تعرضوا لها على يد القوات الأمنية العراقية ومسلحي الفصائل الموالية لإيران خلال احتجاجات تشرين (أكتوبر).

ويشيرون إلى أنهم عندما وصلوا ألمانيا في أبريل الماضي "تفاجأوا بإدخالهم في مصحة (الميديكال بارك)، المتخصصة بنقاهة واستجمام كبار السن والمصابين بالجلطات، في حين كانوا ينتظرون تلقي العلاج في مستشفى متخصص بإجراء العمليات الجراحية". 

يقول قاسم في اتصال مع "ارفع صوتك": "لم نتلق حتى الآن أي علاج رغم مرور ثلاثة أشهر مخصصة لعلاجنا، وانتهت مدة إقامتنا في ألمانيا. يجب أن نغادرها الآن".

"قمنا بتبليغ وزارة الصحة ورئاسة الوزراء في العراق لكنهم لم يستجيبوا لنا حتى الآن، وأغلقوا أبوابهم بوجهنا ولا نعلم ما هو مصيرنا؟"، يضيف قاسم، مشيراً إلى أنه ورفاقه يعتمدون على مصروفهم الخاص في توفير الطعام والاحتياجات اليومية.

وتعرض قاسم للإصابة بإطلاق ناري في رقبته من قبل أحد عناصر المليشيات المتنفذة في فبراير 2020، عندما كان مشاركا في تظاهرات محافظة النجف جنوب بغداد، وأصيب على أثرها بالشلل الرباعي، ولم يجد العلاج لإصابته في المستشفيات العراقية.

النائبة العراقية نور نافع الجليحاوي، في تعليقها على الموضوع، غردّت، الجمعة قائلة "أن يُهمل  جرحى تشرين ويُتركون يُصارعون الإصابة والعوق والمرض وحدهم في دولة أخرى، فهذا عار تتحملهُ السُلطات المعنية. نتواصل ونُخاطب ونُطالب الجهات الحكومية دون أن تلتفت لذلك، ويبدو أن في ذلك تعمد واضح ومقصود".

وغالبية الجرحى الذين سافروا لألمانيا من أجل العلاج، مصابون بالشلل الرباعي أو بشلل عضو من أعضاء أجسادهم، وهم من بغداد ومحافظات الجنوب والوسط، التي شهدت تظاهرات احتجاجية استمرت أكثر من عام (أكتوبر 2019- أكتوبر 2020)، وأسفرت عن إصابة أكثر من 30 ألف متظاهر بجروح عديدة، ومقتل أكثر من 800، بحسب إحصائيات اللجنة المنظمة لتظاهرات تشرين.

يقول أرشد فضل، الذي يرافق شقيقه الجريح عادل في رحلته العلاجية بألمانيا: "المستشفى الذي أدخلتنا إليه الحكومة لا يفيد حالات الجرح، وأُبلغنا من قبل الكادر الصحي هنا بعد وصولنا بفترة، أنهم أعدوا تقريرا عن أوضاع الجرحى الصحية وليس لديهم أي علاج".

وحاول فضل والجرحى مراجعة أطباء ألمان على حسابهم الخاص، لكنهم لم يتمكنوا من تحمل التكاليف العلاجية الباهظة خلال الأشهر الماضية.

يضيف: "صرفنا ما كان بحوزتنا من أموال، وطلب منا السفير العراقي في ألمانيا، الخميس الماضي، الاستعداد لمغادرة المانيا الى العراق خلال يومين، لكننا نرفض المغادرة، ونحتاج العلاج فقط وسنعود فور تلقيه، لذا قررنا أن نعتصم أمام مبنى السفارة حتى الاستجابة لمطالبنا".

وحاول موقع "ارفع صوتك" الحصول على توضيح أو رد من وزارة الصحة، لكن دون جدوى. فالوزارة تمتنع عن الإدلاء بأي تصريحات بشأن الجرحى المسافرين.

وفي 19 أبريل الماضي، قرر مجلس الوزراء تولي وزارة المالية تمويل 1.5مليار دينار لوزارة الصحة، بهدف معالجة جرحى التظاهرات خارج العراق.

وكان المجلس قرر في أغسطس 2020 إرسال الحالات الحرجة من جرحى مظاهرات تشرين إلى الخارج لتلقي العلاج على نفقة الدولة وتشكيل لجان طبية من مختلف التخصصات لمتابعة أوضاعهم الصحية وتوفير العلاج اللازم لهم، لكن ناشطي تشرين يؤكدون أن عملية علاج الجرحى خارج العراق والاهتمام بهم تجري ببطء.

وهذا ما أكده رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته، مصطفى الكاظمي، عند لقائه الجرحى قبل سفرهم إلى خارج العراق في 7 أبريل الماضي.

وقال الكاظمي: "أقولها بكل ألم ووجع، كنت أتمنى أن تسير الأمور أفضل مما هي عليه الآن، لكن الظروف الدولية فيما يخص وباء كورونا جعلت بعض الإجراءات بطيئة، والأكثر من هذا بطئاً هي إجراءاتنا التشريعية والقانونية، لكن مع كل هذا تجاوزناها من أجل تحقيق أمنيتكم، هذا شيء بسيط لا يمكن مقارنته مع التضحيات التي قدمتموها".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".