بعد أن بات الحرث والنسل في العراق مهدداً بفعل الجفاف والعطش وهلاك ألاف الأراضي الزراعية، تتحرك السلطات المعنية في البلاد لاستمطار الغيوم صناعياً وفق تقنيات يجري التنقيب عن كفاءتها ومدى الاستفادة المتحققة من تلك الخطوة.
وزير البيئة جاسم الفلاحي، وخلال لقاء صحفي مشترك حضره مراسل "ارفع صوتك"، أشار إلى أن العراق وعبر دائرة الغابات ومكافحة التصحر في وزارة الزراعة يجري جولات بحثية ورصد للدول التي اعتمدت تلك التقنيات ليتم دراستها لاحقاً وإمكانية التطبيق في البلاد".
ونوه الفلاحي إلى إنَّ "الاستمطار الصناعي واحد من الأمور التي اتجه لها العالم لمواجهة تأثير التغيرات المناخية كالجفاف والتصحر والعواصف الغبارية".
وعلى مدار أكثر من عقد، أخفقت الجهات الدبلوماسية في العراق والمؤسسات المعنية بخط التفاوضات من تحقيق تفاهمات ناضجة مع الجارتين تركيا وإيران اللتين عمدتا على إقامة السدود على منابع الأنهر وحرف مسارات الروافد، مما فاقم أزمة المياه في العراق.
ويصنف العراق من ضمن الدول الخمس الأكثر تأثراً جراء التغيرات المناخية التي تضرب العديد من بقاع العالم والتي تتجلى انعكاساتها في تصاعد مدود السيول والفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة.
وباتت الأزمة المائية تضرب بقسوة وحدة منذ ثلاث سنوات، مما دفع البلاد إلى تقليص خطتها الزراعية الموسمية وحصرها بالاحتياجات الرئيسة من الحنطة والذرة وبعض المحاصيل الأخرى.
ويخسر العراق بحسب إحصائيات لمراكز ودراسات بحثية مختصة بخصوبة التربة والتأثيرات البيئية نحو 100 ألف دونم سنوياً بسبب الجفاف وشح المياه.
وزير البيئة الدكتور الفلاحي أشار إلى ان "هناك جهوداً كبيرةً وبحثية حتى هذه اللحظة من قبل دول عدَّة في العالم"، مبيناً أنَّ "العراق من أوائل الدول التي جرّبت الاستمطار الصناعي، لكن حتى الآن وبكل المؤشرات العالمية هناك حساب جدوى مهمة في هذه العملية".
وكان العراق قد سجل أولى محاولاته في الاستمطار الصناعي، عند تسعينات القرن الماضي، بعد أن تبنت تنفيذها هيئة التصنيع العسكري ولكنها انتهت دون إحراز تقدم ملحوظ.
الفلاحي وخلال اللقاء الصحفي نوه إلى أنَّ "هناك دول تقوم بمثل هذا الموضوع ليس على سبيل استخداماتها اليومية للحد من التأثيرات والتغيرات المناخية، ولكن يمكن أن يستخدم كتجارب، وهناك أمور بحثية لمواجهة تحدٍّ في وقت معين".
وعطف بالقول إن "تعميم تجربة الاستمطار الصناعي مرتبط بالتقدم في التقنيات، والعراق جاد جداً في استخدام هذه التقنية في المستقبل".
من جانبه يقول الأكاديمي والخبير البيئي علي اللامي، خلال حديث لـ"ارفع صوتك"، إن "تقنيات الاستمطار الصناعي تتنفذ عبر طريقتين الأولى القديمة أو ما تعرف بالكلاسيكية والثانية باعتماد وسائل أكثر حداثة ".
ويضيف اللامي أنه "سابقاً كانت تعتمد المؤسسات المختصة حقن الغيوم بمواد كيماوية يتم إطلاقها بواسطة الطائرات أو المدافع وهي تحتاج إلى نسب رطوبة في الجواء تصل إلى 40%".
فيما بعد تطورت تلك التقنيات بحسب اللامي، حيث باتت تستخدم إطلاق فيض من الشحنات السالبة أو ما يعرف بتأيين، دقائق الغبار وجعلها نواة لتجميع الغيوم الماطرة"، لافتاً إلى أن "هذه الطريقة لا تتطلب نسب رطوبة عالية ولا يشترط وجود غيوم".
فيما يؤكد الخبير البيئي حيدر عبد الحميد، لـ"ارفع صوتك"، أن "الطريقة الحديثة هي أكثر تناسباً مع الأجواء العراقية حيث تكون فاعليتها أكثر كلما كانت الأجواء مغبرة ويكون هناك ازدياد بتراكيز التراب في الهواء".
واستمطار السحب هو عملية استثارة وتحفيز الغيوم لإسقاط محتواها من المياه الكامنة أو الثلج المتجمد فوق مناطق جغرافية محددة، عن طريق استخدام وسائل صناعية ومواد كيميائية تعمل على تسريع عملية هطول الأمطار أو زيادة إدرار هذه السحب من المياه مقارنة بما يمكن أن تدره بشكل طبيعي.
وتهدف هذه العملية في الأساس إلى تعديل ظروف الطقس السائد، وتحسين الأحوال الجوية أو نسبة الموارد المائية فوق المناطق والأراضي الزراعية المعرضة للجفاف، أو المناطق الأخرى الحضرية التي تعاني من شدة القيظ وقسوة درجة الحرارة.
ويمكن استخدام تلك التقنيات بشكل معاكس كمنع سقوط الأمطار الغزيرة فوق بعض المناطق الزراعية مثلا، بغرض الحيلولة دون تلف المحاصيل المزروعة فيها، أو منع تشكُّل البرد أو الضباب فوق بعض المطارات المزدحمة من أجل تسهيل عملية إقلاع وهبوط الطائرات القادمة والمغادرة.
