تعتبر تركيا أن نهري دجلة والفرات نهران تركيان  وليس دوليين.
تعتبر تركيا أن نهري دجلة والفرات نهران تركيان وليسا دوليين.

حين ظهر حاكم الزاملي، نائب رئيس البرلمان العراقي، في يونيو الماضي، في مؤتمر صحفي غاضب، مهددا الحكومتين التركية والايرانية باصدار قانون تجريم التعامل التجاري مع الدولتين، كانت قد مضت نحو ثمانية أشهر على إعلان وزارة الموارد المائية النصر في مفاوضاتها مع تركيا حول المياه، معتبرة على لسان وزيرها أنها حققت ما لم يحققه أي مفاوض عراقي خلال العقود الثلاثة الماضية!

لكن تهديد الزاملي، على قوته، أظهر حجم الأزمة المائية في العراق، ووصولها إلى نقطة اللا عودة، فثروة البلد المائية مهددة بالنضوب، وأرضه مهددة بالمزيد من الجفاف.

وصول العراق وتركيا اليوم إلى مرحلة التهديد بقطع العلاقات ليس وليد اللحظة. فحتى في تسعينات القرن الماضي، حين كانت العلاقة تميل الى الاستقرار والحياد، في المسائل المتعلقة بالتعاون التجاري والنفطي وأمن الحدود، كانت مشكلة استغلال مياه نهري دجلة والفرات تعكر صفو العلاقات بين البلدين.

 

أنقرة: دجلة والفرات نهران تركيان!

 

تستند تركيا في تفسيرها لطبيعة نهري دجلة والفرات إلى نظرية السيادة المطلقة، التي تقوم على حق الدولة في السيادة المطلقة على مياه النهر الدولي الواقع ضمن إقليمها دون قيد او شرط. وطبقا لذلك، فمن حقها إقامة ما تشاء من مشاريع للانتفاع بهذه المياه، وإحداث أي تغييرات فيه، بما في ذلك تغيير مجرى النهر بغض النظر عما يترتب عليه من أضرار بمصالح الدول الأخرى.

وعلى هذا الأساس، ترى تركيا أن نهري دجلة والفرات ليسا نهريين دوليين كي تنطبق عليهما أحكام القانون الدولي للمياه، وتطلق عليهما في المقابل وصف المياه العابرة للحدود وذلك كونهما ينبعان ويتغذيان ثم يجريان عبر الأراضي التركية.

وُتصر تركيا على اعتبار حوضي دجلة والفرات مجرى مائيا واحدا، وليس حوضين منفصلين بحكم أن النهرين يلتقيان عند المصب. ولهذا تعتبر أنه على العراق الاستغناء عن مياه الفرات، والاقتصار على الاستفادة من مياه نهر دجلة لتغطية وتعويض النقص الحاصل في مياه الفرات، باعتبار نهر دجلة لوحده كافيا للتنمية حسب الرؤية التركية!

ترى تركيا أن نهري دجلة والفرات ليسا نهريين دوليين كي تنطبق عليهما أحكام القانون الدولي للمياه.

وترفض تركيا الموافقة على اتفاقية الأمم المتحدة حول استخدام المجاري المائية للأنهار الدولية غير الملاحية، لأنها هذه الاتفاقية لا تشير إلى مبدأ سيادة الدول على الممرات المائية الدولية التي تمر من أراضيها، أي مبدأ السيادة المطلقة الذي تحتج به على العراق.

ولا توافق تركيا أيضا على إبرام أية اتفاقية دولية لتحديد حصص الدول في المياه بموجب مبادئ القانون الدولي. وتركز في المقابل على بحث التعاون الفني لضمان حسن الاستغلال الأمثل للمياه! وهو ما تقترح من أجله خطة من ثلاث مراحل تتضمن في مرحلتها الأولى إنشاء محطات رصد لتبادل جميع أنواع المعطيات المائية المتعلقة بالحوض، وفي الثانية تبادل المعلومات المتعلقة بتصنيف التربة وظروف التصريف، أما المرحلة الثالثة فتتضمن عقد مناقشة للتقليل من الهدر المائي في كل المشاريع الحالية والمستقبلية ونمط الري ونظامه. ومن خلال هذه الخطة يتم تحديد احتياجات الدول الثلاثة الحقيقية من المياه والسياسات الخاصة بالتعامل مع هذه الاحتياجات.

وتقدم تركيا اقتراحا لتنظيم تدفق مياه الفرات حسب الحاجات الموسمية بمتوسط سنوي قدره حوالي 16 مليار م3. وهو الاتفاق الذي تم توقيعه مع سوريا، فيما تعتبره بغداد اتفاقا مجحفا لأن ما يصلها من مياه الفرات هو فقط ما يتبقى من تلك الكمية.

تفاصيل وجهة النظر التركية هاته جاءت من خلال تصريحات المسؤولين الأتراك، طوال العقود الماضية، والتي تعتبر نهري دجلة والفرات نهرين تركيين منزوع عنهما الصفة الدولية. من هذه التصريحات، تصريح رئيس الحكومة التركية الأسبق سليمان ديميريل في يونيو 1990، والذي قال فيه إن "لتركيا حق السيادة على مواردها المائية، ولا يجب أن تخلق السدود التي تبنيها على نهي دجلة والفرات أي مشكلة دولية، ويجب أن يدرك الجميع أن نهري دجلة والفرات ليسا من الأنهار الدولية، وإنما من الأنهار التركية حتى النقطة التي يغادران فيها الإقليم التركي".

وكان أبرز تعليق لديميريل في عام 1993، خلال حفل افتتاح سد أتاتورك، حيث قال: "المياه التي تنبع من تركيا هي ملك لتركيا، والنفط هو ملك البلدان التي ينبع فيها، ونحن لا نقول لهم إننا نريد مشاركتهم في نفطهم، كما أننا لا نريد مشاركتهم مياهنا".

سليمان ديميريل:"لتركيا حق السيادة على مواردها المائية.. ويجب أن يدرك الجميع أن نهري دجلة والفرات ليسا من الأنهار الدولية".

وتقول تركيا إن أغلب مياه نهري دجلة والفرات تأتي من الأراضي التركية، وأن مشاركة العراق في مياه الفرات هي صفر، فيما يعتمد نهر دجلة بنسبة 80% على منابع تركية، متهمة العراق بأنه يعتمد طرق ري بدائية ولا يستفيد من المياه العذبة، بل إنها تذهب هدرا إلى الخليج.

 

بغداد: دجلة والفرات نهران دوليان!

 

تستند وجهة النظر العراقية إلى مبادئ القانون الدولي بشأن تنظيم استغلال المياه. فنهرا دجلة والفرات دوليان طبقا لتعريف الأمم المتحدة الذي يقول إن النهر الدولي هو "المجرى المائي الذي تقع أجزاء منه في دول مختلفة".

ويرى العراق أن حوضي نهر دجلة والفرات مستقلان عن بعضهما، فلكل منهما حوضه ومساره ومنطقته. ويشدد أيضا على ضرورة التوصل إلى اتفاق ثلاثي، بين تركيا وسوريا وإيران، لتحديد الحصص المائية لكل دولة على أسس عادلة، وبالاعتماد على القانون والعرف الدوليين.

وتدعو بغداد إلى اقتسام مياه نهري دجلة والفرات بين الدول الثلاثة وفقا لمعادلة رياضية، تقوم فيها كل دولة بالإبلاغ عن حاجتها من المياه اللازمة لمشاريعها، وتشرف على العملية لجنة فنية مشتركة.

تستند وجهة النظر العراقية إلى مبادئ القانون الدولي. فنهرا دجلة والفرات دوليان طبقا لتعريف الأمم المتحدة.

قدم العراق عام 1997 مقترحا عن طريق وزارة الخارجية، طالب فيه بتقسيم مياه النهرين إلى ثلاث حصص بنسبة الثلث لكل بلد، مستندا إلى القواعد الدولية التي تقر بحق كل دولة متشاطئة على نهر دولي في الحصول على حصة عادلة ومعقولة من مياه ذلك النهر.

وطوال العقود الماضية، وجه العراق نداءات مستمرة الى تركيا للوصول إلى اتفاقية تتعلق بحصته من المياه، وضرورة مشاورته عند قرار إنشاء أي سد على النهرين، لكن دون جدوى. ولم تهتم تركيا أيضا باقتراح تقسيم مياه نهر الفرات من قبل البنك الدولي بأن تكون حصة تركيا حوالي 11 مليار م3، وحصة سوريا 16 مليار م3، وحصة العراق 12 مليار م3.

وتحتج تركيا، في رفضها الوصول إلى أي اتفاقية مع العراق حول المياه، بأن العراق لم يقدم أي دليل يثبت قدرته على إدارة موارده المائية، وتطوير طرق الري، معتبرة أنه لا فائدة من إطلاق مياه ستنتهي بالمحصلة في الخليج دون الاستفادة منها.

 

اتفاقيات مع وقف التنفيذ

 

عقدت البلدان المتشاركة في مياه نهري دجلة والفرات، العراق وتركيا وسوريا، العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الجزئية طيلة السنين الماضية. كانت أولى هذه الاتفاقيات بين كل من تركيا من جهة، وبين فرنسا وبريطانيا الدولتين المنتدبتين على العراق وسوريا حينها من الجهة الأخرى. ونصت معاهدة لوزان في تموز 1923، في المادة 109 منها، على "المصالح والحقوق المكتسبة" التي يجب الحفاظ عليها من خلال اتفاق يعقد بين الدول المعنية، كما أشارت إلى أنه "في حال تعذر الاتفاق بين الدول المعنية بشأن هذا الموضوع فإنه يحال إلى التحكيم".

وفي آذار 1946 عقد العراق مع تركيا معاهدة صداقة وحسن جوار ألحقت بها ست بروتوكولات، تضمن الأول منها أحكاما تتعلق بتنظيم الانتفاع بمياه نهري دجلة والفرات وروافدهما. تضمن البروتوكول أربع قواعد رئيسية، هي: المحافظة على مياه نهري دجلة والفرات وروافدهما بصفة منتظمة، وتفادي حصول أضرار بسبب الفيضان في أوقات ارتفاع مستوى المياه، وأن للخبراء العراقيين الحق في زيارة المواقع التي تقوم عليها أعمال المحافظة على المياه، وأيضا إقامة أي مشاريع تثبت ضرورة إقامتها، وأن على تركيا تزويد العراق بالخرائط والمعلومات الخاصة بالمشاريع والأعمال التي تنوي تركيا أن تقيمها في المستقبل على نهري دجلة والفرات.

وفي عام 1972، وقع العراق مع تركيا بروتوكولا للتعاون الاقتصادي والفني، تعهدت فيه تركيا بإطلاع الجانب العراقي على برنامج ملء خزان سد كيبان، من أجل تأمين احتياجات العراق من المياه، وأن يباشر الطرفان في أسرع وقت ممكن مباحثات حول المياه المشتركة ابتداءا بنهر الفرات وبمشاركة جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك سوريا.

وتم توقيع بروتوكول آخر للتعاون الاقتصادي والفني بين العراق وتركيا في عام 1980، قضى بتشكيل لجنة فنية لتحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كلا البلدين، وعلى اللجنة أن تقدم تقريرها خلال مدة سنتين.

ومنذ ذلك التاريخ، عقدت اللجنة 16 اجتماعا، إلا أنها لم تسفر عن توقيع اتفاق ثلاثي بين العراق وسوريا وتركيا، ولم تحدد الحصة النهائية لكل دولة. ولم تتمكن أيضا من وضع خطة لعملها بسبب اختلاف وجهات النظر بين الأطراف.

واستمرت المفاوضات تراوح مكانها بين البلدين، حتى أعلن وزير الموارد المائية عن توقيع بروتوكول لتوزيع مياه دجلة في 16 أكتوبر 2021 اعتبره الوزير حينها الأول من نوعه. مع ذلك، وبعد نحو ثمانية أشهر من هذا الإعلان، ظهر حاكم الزاملي نائب رئيس البرلمان العراقي مهددا تركيا وايران بإصدار قانون تجريم التعامل التجاري مع الدولتين بسبب تراجع الحصص المائية للعراق. لاحقا قدم الزاملي استقالته لاسباب سياسية من البرلمان، وبقي ملف المياه حبيس التصريحات.

"ارفع صوتك" التقى مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية حاتم حميد حسين، الذي أبدى انزعاجه من الإعلان التركي المتعلق ببناء "سد الجزرة"، الواقع خلف سد أليسو.

"العراق محتج، ومتحفظ بشدة على بناء هذا السد"، يقول حسين موضحا أنه "سيحرم العراق من موارد مائية مهمة"، إلا أن الجانب التركي "لم يُجب عن تساؤلات العراق حول هذا السد".

أما إعلان الوزارة في سبتمبر 2021 وصولها إلى تفاهمات مهمة حول ملف المياه، فكان "عقب مصادقة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على مذكرة تفاهم أعدت عام 2009، وتم تحديثها عام 2014، ثم وقعتها الحكومة التركية في آذار 2021"، يضيف حاتم حميد حسين.

وتحتوي هذه المذكرة على "أطر عامة لتفاهمات في إدارة المياه بين البلدين، وشراكة تنفيذ مشاريع استثمارية داخل العراق، بما يحفظ حقوق العراق المائية".

واستنادا الى هذه المذكرة، كما يقول حسين، فإن وزارة الموارد أعدت بروتوكولاً خاصاً بتشغيل نهر دجلة "يتضمن التصاريف الشهرية لتلبية الاحتياجات المائية"، أرسل إلى الجانب التركي "لكن لحد الآن، لم تصل الملاحظات التركية".

ويتمنى مدير عام المركز الوطني لإدارة الموارد المائية "أن يكون هناك تجاوب إيجابي من الجانب التركي"، رافضا الإفصاح عن الحصة المائية التي طالب بها العراق في البروتوكول كونها "خاضعة للتفاوض، لكن تم وضع أرقام تضمن حصصا عادلة"، يقول حسين.

في انتظار الرد التركي، يبدو أن ملف المياه ما يزال بعيدا عن إيجاد حل شامل، بينما يسير العراق إلى مزيد من التصحر.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.