ترأس عدي الاتحاد العراقي لكرة القدم منذ سنة 1986 وحتى انهيار نظام والده عام 2003.
ترأس عدي الاتحاد العراقي لكرة القدم منذ سنة 1986 وحتى انهيار نظام والده عام 2003.

يقول ياسر ثابت في كتابه "حروب الكرة" إن السياسيين الطُغاة اعتادوا التسلُّل إلى الملاعب للبحث عن الشعبيات الضائعة؛ ففي بلدان كثيرة لا تملك الديمقراطية ولا النزاهة السياسية اعتُبر دوي الانتصارات في الملاعب طريقة مثالية للقادة الظالمين لصرف الانتباه عن المظالم والجرائم بحقِّ شعوبهم.

أبرز الأمثلة على ذلك كان فوز إيطاليا ببطولتي مونديال 1934 و1938 تحت الراية الفاشية، وكذلك كأس حصد الأرجنتين لكأس العالم 1978 في أوج الديكتاتورية العسكرية.

لم يكن العراق في عهد صدام حسين بمعزلٍ عن ذلك، بعدما اعتمد صدام على الرياضة -وبالأخص كرة القدم- وسيلة للترويج لنظامه ولترسيخ شعبيته أكثر فأكثر ليس في العراق وحده وإنما في مختلف الدول العربية، وهي المهمة التي أوكلها إلى ابنه عدي صدام، الذي اعتبر تحقيق رياضيي بلاده للفوز في المحافل الدولية أمرًا مصيريًّا يجب تحقيقه حتى لو جلَد هؤلاء الرياضيين أو أودَى بهم في السجون.

 

عُدي رئيسًا لشباب العراق

 

يقول حازم صاغية، في كتابه "بعث العراق: سُلطة صدام قيامًا وحطامًا"، إنه في إطار تقسيم السُلطة بين ولَدَيْ صدام؛ أوُكِل لقُصي كل ما يتعلّق بالأمن والحماية أما عُدي فمُنِحَ شؤون الثقافة والرياضة والإعلام.

اللبنة الأولى في إمبراطورية عُدي كانت تأسيس "نادي الرشيد الرياضي" عام 1983، وعن النادي صدرت "صحيفة الرشيد الرياضي" التي تميّزت بطباعتها الفاخرة، والتي أُعيدت تسميتها لاحقًا "البعث الرياضي". وأنشأ عدي أيضا مؤسسة "منتدى الأدباء والصحفيين الشباب" من الكتّاب المنخرطين في "البعث الرياضي".

في إطار تقسيم السُلطة بين ولَدَيْ صدام، أوُكِل لقُصي كل ما يتعلّق بالأمن والحماية أما عُدي (يسار) فمُنِحَ شؤون الثقافة والرياضة والإعلام.

وهكذا، انخرط عُدي في النشاط الرياضي والثقافي بقوة حتى أصبح رئيسًا لـ"المجمع الثقافي" الذي يدير نقابة الصحفيين وجمعيات الفنانين والمصورين الفوتوغرافيين. وعلى خُطى والده -إبان عمله نائبًا للرئيس أحمد حسن البكر- سعَى عدي لتأسيس أجهزة موازية لأجهزة الدولة الرسمية لتقديم نفسه للعراقيين وللعالم الخارجي كرأس سُلطة موازية للإدارات الحكومية تمثّل الشباب في مواجهة الترهّل البيروقراطي الرسمي.

أقام عُدي إذاعة وقناة تليفزيونية للشباب، كما دشّن مكتب الثقافة والإعلام كسُلطة موازية لوزارة الإعلام، وأيضًا لجنة شؤون النفط مقابل وزارة النفط.

استمرّ هذا الوضع حتى ابتلع عُدي مجالات الثقافة والرياضة وتوجيه الشباب، بل رغب في مزاحمة شقيقه الأصغر قُصي على نفوذه الأمني في 1994، فأعلن تشكيل جهاز أمني جديد هو "فدائيو صدام".

وحتى هذا الجهاز كان مُنطلقًا من اهتمامات عُدي الأصلية في تسخير الشباب لصالح نظام والده. يقول صاغية: هؤلاء الفدائيون كانوا ثمار التعبئة المستمرة في أجهزة عُدي الإعلامية والاجتماعية، والتي قدّمتهم كمٌقاتلين استثنائيين يأكلون الأفاعي ويخضعون لتدريبات شاقة. لاحقأ، استُغلت تلك القوة لسحق تمرُّد عشيرة الدليم واضطرابات الشيعة في الجنوب وفي قتل عائلة حسين كامل فور عودته إلى الأردن.

عدي يتفقد إحدى الفرق العسكرية من "فدائيي صدام" عام 1994.

وبهذا، وصلت تجربة عُدي في الحُكم إلى ذروة مجدها بعدما نجح في استغلال مناصبه "الشبابية" في تكوين قوة عسكرية ضاربة تحمي والده ونظامه وقت اللزوم، والأهم أنها كانت لا تأتمر إلا بأمره.

 

نادي الرشيد

 

في عام 1983، أسّس عُدي نادي الرشيد، تيمنًا بلقب الخليفة العباسي هارون الرشيد، أحد أشهر الحكّام المُسلمين على الإطلاق، والذي يحظى بمكانة بارزة في نفوس العراقيين. أُطلق اسمه على أحد أكبر شوارع العاصمة، كما دأبت الصحافة العراقية على تقديم صدام حسين باعتباره امتدادًا لهارون الرشيد ولحكام العراق التاريخيين خلال المملكتين البابلية والآشورية.

لم يغفل عُدي تلك الإشارة عند تأسيس ناديه الخاص فمنحه اسم الرشيد كما خصّص لها شعارًا آشوريًّا في إشارة غير مباشرة لوالده "الرشيد الذي سيُعيد للعراق لأمجاد العباسيين والآشوريين".

حظي الفريق برعاية مباشرة من قِبَل عُدي فتمكّن من ضم أغلب نجوم الكرة العراقية وقتها حتى أصبح بمثابة "المنتخب العراقي". لم يتوقف هذا المسعى على كرة القدم وحسب وإنما امتدَّ أيضًا إلى كرة اليد والسلة، كان الهدف هو سيطرة "نادي عُدي" على الرياضة العربية والآسيوية.

ترأس عدي الاتحاد العراقي لكرة القدم منذ سنة 1986 وحتى انهيار نظام والده عام 2003.

على الخُطى سار "الرشيد" بنجاح؛ فأصبح أحد أندية القمة بين ليلةٍ وضحاها، وفاز بألقاب الدوري والكأس في كرة القدم واليد والسلة محليًّا، وأيضًا نال "كأس العرب" 3 مرات متتالية، وشارك في "بطولة آسيا" لكنه لم يحقق اللقب رغم وصوله للنهائي مرة واحدة.

لم ينشأ هذا النجاح من فراغ أو بسبب كفاءة اللاعبين وحدهم. يقول المؤرخ الرياضي البريطاني سيمون فريمان في كتابه "نادي بغداد: قصة كرة القدم العراقي"، إنه عقب اندلاع الحرب مع إيران (1980-1988) سعى نظام صدام حسين إلى "تعزيز الولاء الوطني" فعيّن مسؤولين بعثيين على رأس المناصب الهامة في قطاع الرياضة، كما طُلب من الحكام التلاعب بنتائج المباريات لصالح الفرق التي تحظى برعاية بعثية "تعزيزًا للمشاعر المؤيدة للحكومة".

وظلَّ "نادي عُدي" رُكنًا أساسيًّا في الرياضة العراقية حتى أُلغي بقرارٍ مفاجئ عام 1990.

 

النصر أو الموت أو المنفى

 

في تقريرٍ مروّع لـ"الجارديان" البريطانية كشف عدد من لاعبي الكرة العراقيين عن تعرّضهم لضغوط جبّارة إبان إشراف عُدي على الاتحاد العراقي تصل إلى حد التعذيب والقتل في بعض الأحيان.

بصفته رئيسًا للاتحاد العراقي لكُرة القدم، كان عُدي يعتبر أن أي خسارة هي إهانة موّجهة له شخصيا. لذا كان يجتمع باللاعبين ويهدّدهم بقطع أرجلهم وإلقائها للكلاب المفترسة لو خسروا مبارياتهم. وفي حال سوء أدائهم -لأي سبب- كان يمكن أن يُعاقبو بالجلد بسلك كهربائي أو عبر إجبارهم على الاستحمام في مياه الصرف الصحي.

في إحدى المباريات، طُرد لاعب الكرة ياسر عبد اللطيف فاعتُقل في سجن الرضوانية حيث تم حلق رأسه وحاجبيه ثم أُمر بإجراء تمارين ضغط لعدة ساعات. وعقب أسبوعين، أُطلق سراحه مصابًا بجروح جعلته غير قادرٍ على النوم على ظهره لمدة شهر.

المفارقة أن عُدي كان يُجري تحليلات فنية دقيقة للاعبيه لا لتطوير مستواهم ولكن لتحديد حجم العقوبة التي ستُوقّع على المُقصّرين منهم.

سعى الرئيسان حافظ الأسد وصدام حسين إلى الإطاحة ببعضهما من منصبهما لكنهما فشلا مرارا.
حافظ وصدام.. العداء الذي غيّر مصير الشرق الأوسط
غضب صدام فور سماع الأغنية بعدما اعتبر أنها تتعرّض لأمه "صبحة طلفاح"، والتي منحها لقب "أم المناضلين". أوعز صدام لأجهزته الأمنية ليس فقط بمنع تداول الأغنية، بل باعتقال كل من يسمعها. عندما بلغ هذا الأمر حافظ الأسد أمر إذاعة سوريا ببث الأغنية عدة مرات يوميًّا.

وكشف المدرب العراقي "عمو بابا"، الذي تولّى قيادة منتخب العراق 19 مرة طيلة فترة إشراف عُدي على ملفِّ الرياضة، أن عُدي كان يُجبره على استدعاء اللاعبين السُنة حتى لو كانوا أقل موهبة من رفاقهم الشيعة، الذين لم يكن يحب عُدي أن يكونوا أكثرية في منتخب بلادهم بسبب عدائهم لنظام والده.

وحكى "بابا" أن اللاعبين كانوا يُجبرون على مشاهدة مقاطع فيديو لعُدي قبل أي مباراة يتوعّدهم فيها بالموت إذا لم يفوزوا.

وأضاف أحمد راضي، اللاعب الذي سجّل هدف العراق الوحيد في كأس العالم، أنهم عقب تلقيهم خسارة في إحدى المباريات الهامة خرجوا من الملعب إلى السجن مباشرة حيث حُشروا في زنزانة ضيقة وضُربوا بالعصا. وكثيرًا ما كان يُجبر اللاعبون المسجونون على ركل كرات قدم خرسانية في درجة حرارة بالغة الارتفاع.

رغم كل هذه الفظائع، فإن بدايات إشراف عُدي على الرياضة العراقية حقّقت نتائج طيبة. فبعد عامٍ واحد فاز العراق بكأس الخليج ثم كأس العرب في العام الثاني. وفي عام 1986، وصل إلى كأس العالم للمرة الأولى والوحيدة في تاريخه بعد الفوز على سوريا -عدوة صدام اللدودة- في مباراة التأهل.

كثيرًا ما كان يخلط العراقيون بين السياسة والرياضة، وهو ما فعله مسؤول عراقي زار منتخب الطائرة الذي كان يستعد للمشاركة في دورة الألعاب الآسيوية عام 1982 وأخبرهم "إذا هُزمتم أمام سوريا أو إيران أو الكويت فلا تعودوا إلى العراق"، حسبما كشف لاعب الطائرة العراقي عصام ثامر الديوان.

حقّق منتخب الكرة نتائج مخزية في كأس العالم، لكن الفريق سريعًا ما استعاد توازنه و"رضا عُدي" عقب الفوز بكأس الخليج عام 1988. لكن هذا التفوق الكروي لم يستمر طويلاً، كما أن باقي أفرع الرياضات شهدت تراجعًا ملحوظًا، فعقب بلوغ العراق أعلى مستوى مشاركة في أولمبياد موسكو 1980 بـ46 رياضيًّا، تقلّص هذا العدد في عهد عُدي حتى بلغ 4 رياضيين فقط في أولمبياد سيدني عام 2000.

عدي يحيي لاعبًا عراقيًا عقب مباراة بين منتخب الناشئين العراقي ونيبال في بغداد في يونيو 1998. فاز العراق بنتيجة 7-0 وتأهل إلى نهائيات البطولة الآسيوية للناشئين حينها.

كما بدأ الرياضيون يعتبرون المحافل الرياضية فرصتهم لا لتحقيق الإنجازات ولكن للهرب من بغداد، مثلما فعل الربّاع العراقي رائد أحمد، الذي حمل علم العراق خلال حفل افتتاح أولمبياد أتلانتا الأميركية 1996، لكنه فرَّ من مقر البعثة قبل يومٍ واحد من عودتها، وطلب اللجوء السياسي في أميركا وحصل عليه، وهو السيناريو الذي كرّره لاعب الكرة شرار حيدر الذي هرب إلى الجزائر ومنها إلى أوروبا ولم يعد إلى العراق حتى سقط نظام صدام حسين.

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".