العراق

هل يمكن للعراق النأي عن النزاع بين تركيا وحزب العمال؟

فرانس برس
22 يوليو 2022

بعد الهجوم الذي أودى بحياة تسعة مدنيين في كردستان العراق، هل يستطيع العراق أن يحمل تركيا القوة الإقليمية على أن تنسحب من أراضيه؟ وهل يمكن لتركيا نأي العراق عن نزاع دائر منذ عقود ضد متمردي حزب العمال الكردستاني؟ 

 

لماذا تركيا في العراق؟ 

الوجود العسكري التركي في العراق ليس جديداً، بل يعود إلى 25 عاما. وتتمركز القوات التركية في نحو 40 موقعاً وقاعدة عسكرية في شمال البلاد، من حيث تتعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني الذي يشنّ تمرداً ضدّها منذ عام 1984، ويتّخذ من جبال شمال العراق قواعد خلفية له. 

لكن العمليات العسكرية التركية ضد التنظيم الذي تصنّفه وحلفاؤها الغربيون "إرهابياً" تكثفت في العامين الأخيرين، كما يشير شيفان فاضل الباحث في معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ويشرح فاضل في حديث لفرانس برس: "منذ عام 2020، تكثّفت الضربات الجوية والعمليات البرية لتركيا ضدّ حزب العمال الكردستاني في شمال العراق". 

وفيما يصعب تأكيد الأرقام، تنشر تركيا "بشكل دائم" نحو "5 آلاف إلى 10 آلاف" عسكري، وفق تقرير لسليم تشيفيك في المعهد الألماني للعلاقات الدولية والأمن في برلين. 

ويتحدّث التقرير عن أن "استخدام الطائرات المسيرة يبدو على وجه الخصوص فعالاً في إعاقة حزب العمال الكردستاني لوجيستياً وعرقلة مجاله للمناورة في المنطقة".

لكن المدنيين يجدون أنفسهم في خطّ النار. 

وتسببت ضربات مدفعية الأربعاء بمقتل 9 مدنيين عراقيين بينهم نساء وأطفال في منتجع سياحي في شمال العراق. اتهم العراق تركيا بالمسؤولية، أما تركيا فنفت ذلك واتهمت حزب العمال الكردستاني. 

وغالباً ما تؤدي الضربات التركية "إلى خسائر مدنية وتدمير منازل، وبالتالي نزوح سكان القرى"، كما يشرح فاضل.   

 

إخراج تركيا وحزب العمال؟

يطالب العراق القوات التركية بالانسحاب من أراضيه، لكن مع ذلك، يصعب على العراق إبعاد نفسه عن النزاع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.

يوضح فاضل أن "تركيا قد تطالب الحكومة العراقية بطرد حزب العمال الكردستاني من أراضيها. لكن هل تملك الحكومة العراقية الوسائل لتأكيد سيادتها على حدودها وطرد اللاعبين المسلحين غير التابعين للدولة؟". 

ويرى أن "الحلّ يكمن أولاً بمدى قدرة الحكومة العراقية على توطيد سيادتها من جديد عند حدودها الطويلة السهلة الاختراق مع إيران وسوريا وتركيا".

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ ملفّ النزاع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني حاضر على جبهات أخرى، فقد كان سبباً في عرقلة تركيا لانضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي. كما تهدّد تركيا التي تشنّ هجمات ضدّ وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا التي تعتبرها فرعاً من فروع حزب العمال الكردستاني، بإطلاق عملية عسكرية جديدة هناك.

ويرى رئيس المركز الفرنسي للأبحاث حول العراق عادل بكوان: "إذا كانت تركيا ستشنّ عملية ضدّ ما تعتبره فرعًا من فروع حزب العمال الكردستاني في سوريا، فهل ستتوانى عن مهاجمة المصدر، رأس المنظمة، أي حزب العمال الكردستاني نفسه؟". 

وفي حين أثارت الضربات تنديداً سياسياً قوياً في العراق، لكن بكوان يرى أنها تأتي في "سياق الاستعراض، الكلّ يحاول الاستفادة من المأساة".

وهذا الغضب من تركيا يأتي وسط تضافر عدة عوامل. فالعراقيون على شاشات التلفزيون أو في المظاهرات الغاضبة المنددة بالقصف، ذكروا قضية المياه التي تشكّل مصدر توتّر بين البلدين، لا سيما وأن أنقرة متهمة ببناء سدود تقطع المياه عن نهري دجلة والفرات في العراق. 

في الأثناء، ترى الباحثة في مبادرة الشرق الأوسط Middle east initiativeمارسين الشمري أن "الغضب الشعبي سيؤدي إلى مقاطعة البضائع التركية والسفر، لكنني لا أرى أن ذلك سوف يدوم، طالما أنه لن يكون هناك مزيد من الضحايا العراقيين". 

وتشير إلى أن "العراقيين هم ثاني أكبر جالية تملك منازل في تركيا". 

 

ماذا بالنسبة لإقليم كردستان؟

نتائج النزاع على إقليم كردستان قويةّ: فالعلاقات الاقتصادية بين أربيل وأنقرة حيوية، لا سيما في مجال الطاقة، إذ أن أربيل تصدّر نفطها عبر ميناء جيهان التركي. 

في الوقت نفسه، يختلف الحزب الديموقراطي الكردستاني الذي يتولى السلطة في إقليم كردستان، تماماً مع حزب العمال الكردستاني. يشرح عادل بكوان بأنهما "نموذجان متناقضان أيديولوجياً وعسكرياً وأمنياً وسياسياً".

لكن حكومة الإقليم لا تملك الوسائل لطرد حزب العمال الكردستاني أو وضع حدّ للوجود التركي لأنها "ليست دولة بل هي منطقة داخل دولة اتحادية ولا تستطيع التعامل مباشرةً مع دول أخرى" وهي "لا تملك البنى التحتية العسكرية اللازمة لتواجه الوجود التركي ووجود حزب العمال الكردستاني على أراضيها".  

هذا على الرغم من أن الوجود التركي ووجود حزب العمال الكردستاني يهدد مباشرةً أمن الإقليم. ففي 2020 وفي 2021، "وقعت مناوشات بين حزب العمال الكردستاني وبشمركة الحزب الديموقراطي، أثارت مخاوف من نزاع مفتوح"، وفق فاضل. 

ويضيف "يتهم حزب العمال الكردستاني الحزب الديموقراطي بمساعدة تركيا في عملياتها، فيما يرى الحزب الديموقراطي أن وجود حزب العمال هو ما يستدعي أن تشن تركيا هجماتها". 

فرانس برس

مواضيع ذات صلة:

منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري
منارة مرقد زمرّد خاتون قبل وبعد طلائها بالأبيض- من حساب الناشط ياسر الجبوري

اعتاد الكثير من العراقيين رؤية مئذنة مسجد وضريح زمرد خاتون في وسط بغداد، بلونها الترابي وحجارتها التي تختزن مئات السنين من التاريخ. وتعتبر المنارة (القبة) التي تعلو الضريح من معالم بغداد التراثية النادرة، كونها أثراً مهماً من حقبة الخلافة العباسية.

وقبل أيام، تفاجأ العديد برؤية القبة مطليّة بالأبيض، في محاولة على ما يبدو لحمايتها أو ترميمها، لكن هذا الفعل أثار استياء المدافعين عن التراث العراقي وما تبقى من الآثار العراقية القليلة الصامدة من تلك المرحلة التاريخية في العاصمة بغداد.

صحيفة "الفنّ" المتخصصة بالفنون البصرية والتراث، نقلت عن نشطاء مدافعين عن الآثار قولهم إن طلي المئذنة التاريخية بالجص الأبيض "مهزلة" وقد "خرّب الموقع التاريخي".

بحسب الصحيفة، تمّ بناء المسجد والضريح بتكليف من زمرد خاتون، زوجة أحد الخلفاء العباسيين البارزين في بداية القرن الثالث عشر. ويعتبر المبنى "جوهرة معمارية نادرة من العصر السلجوقي"، 

ويتميز المبنى بسقف مخروطي الشكل مكون من تسع طبقات، تتوجه قبة ومئذنة أنيقة من الطوب الجميل، كما وصفته الصحيفة، لافتة إلى أن قبر زمرد خاتون وجهة "مفضّلة" للصوفيين من مختلف أنحاء العالم.

دعوات لتدخّل دولي لحماية المرقد

كتب ياسر الجبوري، وهو ناشط عراقي في الدفاع عن التراث، عبر حساباته في مواقع التواصل الاجتماعي أن "صبغ المنارة التي تعتبر من نوادر الفن المعماري الإسلامي في عهد الخلافة العباسية طامّة كبرى".

ورأى أن ما حدث "يعكس تفلّت العراق من السياقات والضوابط"، واصفاً الأمر بـ"المهزلة".

في عام 2019 انطلقت مبادرة "برج بابل" لحماية التراث في العراق، وكان النشطاء فيها ينظمون جولات عبر الدراجات الهوائية في العاصمة بغداد لتسليط الضوء على المواقع التراثية والآثار، وتوثيق الانتهاكات والأضرار ودعوة السلطات الرسمية لحمايتها.

من بين تلك الأماكن، كان مرقد زمرّد خاتون، وذلك قبل أسبوعين. وجد أعضاء المبادرة "تجاوزاً على الموقع الأثري ومحيطه نتيجة بناء جسر قريب، إحدى دعّاماته حُفرت في مدخل المرقد".

وقالت مؤسِسة المبادرة ذكرى سرسم إن إنشاء هذا الجسر "شوّه المعلم الأثري، وكان يجب أن يُقام بعيداً عن مقبرة الشيخ معروف حيث يقع المرقد".

وأضافت أن ترميم مئذنة المرقد جرى "بطريقة غير علمية" معتبرة أن "طلاءها بالجص الأبيض غيّر ملامحها، وصارت تبدو كأنها بناء حديث، وليس أثراً عمره حوالي 800 عام". 

لذلك، دعت مبادرة "برج بابل"، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وجهات دولية أخرى، للتدخل من أجل حماية هذا المعلم الأثري العالمي من عمليات ترميمه "العشوائية والمستعجلة وغير العلمية".

 

 

 

"المرأة المجهولة"؟

ذكر نجم والي في كتابه "بغداد سيرة مدينة" وجود التباس لدى كثير من العراقيين حول الضريح، إذ يعتبر كثيرون خطأ أنه مرقد الأميرة زبيدة زوجة هارون الرشيد، ولكن في الواقع هو "مرقد زبيدة أخرى اسمها حقيقة السيدة زمرد خاتون، وهي أم الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد بين عامي 1180 و1225، أي قبل سقوط بغداد على يد المغول بثلاثة وثلاثين عاماً".

أما قبر زبيدة، فقد "احترق ودُمّر عندما وقعت فتنة كبيرة بين السنة والشيعة في زمن الخليفة العباسي القائم بأمر الله عام 1052م، وراح ضحيتها الآلاف" بحسب والي.

كما لاحظ الأديب اللبناني أمين الريحاني في كتابه "قلب العراق: رحلات وتاريخ"، هذا الالتباس حول الضريح، ووصف القبّة بأنها "فريدة بشكلها وهندستها والنخلات القليلة التي تظللها". 

وأضاف "ما رأيت في بغداد غير قبة واحدة مثلها هي لمقام الصوفي الشهروردي... إن هندسة هاتين القبتين بويهية عربية، فالشكل الهرمي فارسي، والزخرف الداخلي عربي، هو التقرنص".

صورة أمين الريحاني وكتابه "قلب العراق رحلات وتاريخ"- ارفع صوتك
"فيها كل المتناقضات المدهشات".. بغداد في رحلات الأديب أمين الريحاني
زيارتا الريحاني إلى العراق نتج عنهما كتابان دوّنهما الريحاني عن العراق وأحواله، الأول ضمن موسوعته الشهيرة "ملوك العرب" وهو عبارة عن "بورتريه" للملك فيصل الأول. والثاني حمل عنوان "قلب العراق رحلات وتاريخ" وقد وضعه بعد زيارته الثانية وفيه تفاصيل ومشاهدات مهمة لمن يريد دراسة تاريخ العراق وتطور نهضته بعيون مفكّر نقدي وأديب يجيد الوصف.

وأضاف الريحاني أن "القبة الجميلة في جبانة الكرخ تعود لامرأة تدعى زبيدة"، مستدركاً أنها "ليست زبيدة زوجة هارون الرشيد... فالست زبيدة التي يفاخر بها التاريخ مدفونة في مقبرة الخلفاء، مثل سواها من النساء، ولا شيء يزين قبرها أو يلطف الوحشة المخيمة عليها"، وفق تعبيره.

وأبدى الريحاني استغرابه من نيل امرأة هذا التكريم، معللاً "يستحيل في الشرق اليوم، وبأولى حجة في الماضي، أن تكرّم امرأة هذا الإكرام إلا لحبّ شخصي. فلا المعاهد العلمية، ولا الجمعيات الأدبية النسوية، ولا الحكومات البرلمانية تبذل فلساً واحداً من أجل أثر تذكاري يقام لامرأة عظيمة".

ولا يذكر الريحاني أن الضريح يعود لزمرد خانون، لكنه كتب "أحبّ أن أتخيل لنفسي أن الست زبيدة التي ترقد تحت هذه القبة، هي المرأة المجهولة فأجثو أمام ضريحها كما تجثو الأمم في هذا الزمان أمام ضريح الجندي المجهول".