العراق

كيف أثر جفاف بحيرة دوكان على مزارعي كردستان العراق؟

فرانس برس
26 يوليو 2022

"كانت المياه تصل إلى حيث أقف" يقول بابير بحسرة مشيرًا في البعيد إلى بحيرة دوكان التي انحسرت مياهها بضعة كيلومترات بفعل الجفاف والسدود التي بنتها الجارة إيران.

يكابد المزارعون في كردستان العراق لري محاصيلهم مع تلاشي شريان الحياة الاقتصادي هذا.

ويروي بابير كالكاني (56 عاماً) المنتمي إلى نقابة المزارعين في الإقليم الواقع في شمال العراق، صعوبة المشهد. 

ويقول: "عام 2019، كانت المياه تصل إلى حيث أقف. لكنها اليوم تراجعت مسافة ثلاثة كيلومترات".

في الحقول المترامية تحت أشعة الشمس، تملأ نباتات السمسم والفول السهل. وفي أعلى الهضبة، تظهر بحيرة دوكان التي يغذّيها نهر الزاب الصغير الذي ينبع من إيران

لكن منذ سنوات، يتراجع منسوب بحيرة دوكان ونهر الزاب، كما هي الحال مع غالبية مجاري المياه في العراق الذي يُعد، بحسب السلطات العراقية، بين البلدان الخمسة الأكثر عرضةً لتأثيرات التغير المناخي والتصحر في العالم. 

فقد انخفض مخزون العراق المائي بنسبة 60%، ومع تراجع نسبة الأمطار وثلاث سنوات جافة، أرغم العراق على خفض مساحة أراضيه المزروعة. 

على ضفاف بحيرة دوكان، يقول بابير كالكاني "لولا هطول بعض الأمطار في نهاية الربيع هذا العام، لما تمكنا من جني أية محاصيل زراعية في كردستان هذا العام". 

كان المزارعون في الماضي يحفرون آباراً قليلة العمق يحصلون منها على المياه لريّ محاصيلهم، لكن اليوم "فقدت الآبار 70% من مياهها بسبب الجفاف". 

 

بذور السمسم 

شيركو عزيز مزارع آخر زرع حقله بالسمسم واضطُر إلى حفر بئر بعمق عدة أمتار يضخّ المياه منها عبر مولّد ليرويه.

يقول المزارع يائساً "تتطلّب بذور السمسم سقيها تسع مرّات. ولذلك سأضطر لتعميق البئر مرةً أخرى لأن منسوب المياه ينخفض". 

ليس الجفاف المذنب الوحيد في هذه الأزمة. إذ تقوم إيران المجاورة ببناء سدود على نهر الزاب، لا سيّما سدّ كولسه "الذي تسبب بانخفاض بنسبة 80% في منسوب الزاب الصغير"، كما تشرح بنفشه كينوش من معهد الشرق الأوسط، وهو مركز أبحاث مقّره واشنطن. 

وتضيف الباحثة أن إيران "تواجه واحداً من أسوأ مواسم الجفاف في تاريخها"، وأعادت النظر بنظام الريّ فيها، وهو مشروع تضمّن "بناء العديد من السدود الصغيرة". 

وتوجد سدود أيضاً على مجاري المياه العراقية. 

أنشئ سدّ بحيرة دوكان في خمسينات القرن الماضي وهو يجمع مياه نهر الزاب قبل أن تواصل طريقها إلى نهر دجلة.

 

سدود جديدة  

لكن "السدّ الآن ممتلئ بنسبة 41% فقط من قدرته"، بسبب تراجع منسوب نهر الزاب كما يشرح مديره كوشار جمال توفيق.

ويؤمّن السدّ خصوصاً مياه الشرب لنحو "ثلاثة ملايين شخص، لا سيما في السليمانية وكركوك". 

وزاد الأمر سوءًا انخفاض معدّل الأمطار إلى 300 ملم في 2021 مقابل معدّلها العام البالغ 600 ملم. أما العام 2022 فلا يختلف كثيراً عن العام السابق، وفق توفيق. 

ويوضح "نقوم بإطلاق 90 متراً مكعباً من المياه في الثانية، مقابل 200 إلى 250 مترًا مكعّبًا حينما كان السدّ ممتلئاً". ونتيجةً لذلك، أرغم المزارعون على زراعة نباتات "لا تحتاج الكثير من المياه". 

وعن السدود الإيرانية، يقول توفيق إنّ "بغداد أرسلت وفداً إلى إيران ... لكنني سمعت أن الإيرانيين غير متعاونين". 

تشرح الباحثة بنفشه كينوشو أن إيران تقول إن المياه القادمة من أراضيها تمثل فقط 6% تقريباً من مياه دجلة والعراق. وتضيف إن ما تريد إيران قوله للعراقيين هو أن "عالجوا مشاكلكم المرتبطة بنهري دجلة والفرات مع تركيا"، من حيث ينبعان. 

لكن سلطات العراق ليست بمنأى تام عن المسؤولية، كما يرى عزام علوَش، مؤسس منظمة طبيعة العراق Nature Iraq غير الحكومية ومستشار رئيس الجمهورية برهم صالح. 

ويقول علوَش إن إقليم كردستان يريد أن يبني سدودًا جديدة من أجل "تأمين أمنه المائي"، لكن هذه المشاريع تنظّم "من دون التنسيق بين كردستان والحكومة المركزية في بغداد".

ويضيف أن في وسط وجنوب العراق، "قد يكون للنقص في التنسيق وفي تحديث نظام الريّ نتائج كارثية"، مع مزيد من النقص في المياه يكون أشدّ خطورة من النقص الذي تعاني منه أصلاً تلك المناطق. 

فرانس برس

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.