"الإرادة الصلبة" عملية عسكرية مكثفة، تلاحق فلول التنظيم الإرهابي في خمس محافظات
قتل ضابط عراقي وجنديان، وأصيب ثلاثة آخرين بجروح- تعبيرية

 في نهاية مارس الماضي، أعلنت الحكومة العراقية، انطلاق عملية "الإرادة الصلبة"، بهدف القضاء على من تبقى من تنظيم داعش في العراق.

وتتألف من عدة مراحل، كانت السابعة آخر ما أُعلن عنه منها، في الثالث من سبتمبر الحالي.

و"الإرادة الصلبة" عملية عسكرية مكثفة، تلاحق فلول التنظيم الإرهابي في خمس محافظات، هي: الأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك ونينوى.

ويشارك فيها إلى جانب الجيش العراقي، جهاز مكافحة الإرهاب وقطعات من القوات الخاصة وقوات الرد السريع وفصائل من الحشد الشعبي وقوات حرس الحدود، إلى جانب قوات البيشمركة في المناطق المحاذية لإقليم كُردستان، بإسناد جوي من طيران الجيش والقوة الجوية العراقية.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني، قبل أيام، أن المرحلة السابعة من "الإرادة الصلبة" ستتم بإشراف قيادة العمليات المشتركة.

وأشار بيانها إلى أن "قيادات عمليات صلاح الدين وديالى وسامراء تشارك في المرحلة السابعة، التي تشمل تفتيش مناطق حاوي العظيم َالحدود الفاصلة بين قيادات العمليات، لملاحقة بقايا عصابات داعش الإرهابية".

في حديثه لـ"ارفع صوتك"، عن المرحلة الخامسة، التي نُفذت في 18 أغسطس الماضي، يقول الناطق باسم قيادة العمليات المشتركة، اللواء تحسين الخفاجي: "على الرغم من الأهمية العسكرية لجميع المراحل السابقة للإرادة الصلبة وما حققته من نتائج كبيرة ومثمرة في دحر الإرهاب، إلا أن الحملة الخامسة تتصف بالنوعية والهامة كونها جاءت بتخطيط مشترك وضمن مناطق يعتقد التنظيم أنها قادر على التحرك فيها بسلاسة".

"واعتمدنا فيها على توحيد الجهود المشتركة بين قطعاتنا الاتحادية وقوات البيشمركة  بعد فرز للمعلومات وتكثيف الجهود الاستخبارية ووحدة القيادة، مما انعكس على تحقيق المهمة العسكرية لأهدافها، خلال ساعات، بتدمير 9 مضافات لداعش عند قاطع ديالى واعتقال عناصر إرهابية كانوا ضمن الهدف المطلوب في العملية"، يوضح الخفاجي.

 

نتائج

تشير إحصائيات رسمية صادرة عن القوات الأمنية المشاركة في "الإرادة الصلبة"، إلى أن المراحل السبعة أسفرت عن تدمير 55 وكراً للتنظيم و6 أنفاق و5 مخازن عتاد، والعثور على كميات من الأسلحة والعبوات الناسفة وقنابل الهاون وصواريخ قاذفة وأحزمة ناسفة وعجلات، إلى جانب مقتل العشرات من مسلح داعش، بينهم قيادات ميدانية، والعثور على وثائق ومعلومات عن التنظيم وعدد مسلحيه وقياداته.

وقال نائب قائد العمليات المشتركة، الفريق الأول ركن عبد الأمير الشمري، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية، في نهاية مارس الماضي أن "العمليات العسكرية أسفرت خلال شهري فبراير ومارس من العام الجاري عن مقتل 60 إرهابياً في مناطق متفرقة من البلاد".

وبين أن القيادة فتحت ثلاثة مقرات جوالة في محافظة صلاح الدين وجنوب الحضر في محافظة نينوى، والجزيرة في الأنبار، من أجل الإشراف المباشر على سير عملية الإرادة الصلبة.

ولا يدلي الضباط والمسؤولون العسكريون والأمنيون العراقيون بأي تصريحات عن سير العملية، وتأتي المعلومات أغلب الوقت عبر بيانات قيادة العمليات المشتركة وخلية الإعلام الأمني ومتحدث قيادة العمليات المشتركة.

من جهته، يقول مسؤول أمني مطلع -رفض الكشف عن اسمه- إن "عملية الإرادة الصلبة تعتمد بشكل رئيس على المعلومات الاستخباراتية وتسير حتى الآن بشكل جيد، محققة العديد من الإنجازات واستطاعت الحد من هجمات داعش في مناطق كثيرة".

ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "العمليات العسكرية المستمرة للقوات الأمنية العراقية والضربات الاستباقية أفقدت التنظيم قدرته على مسك الأرض وتنفيذ هجمات واسعة كالتي كان يشنها خلال عامي 2014 و2015".

ويوضح المسؤول أن "عدد مسلحي داعش لا يتجاوز المئات حالياً، غالبيتهم من المحليين، وهم يعتمدون على الكر والفر ونصب الكمائن في تنفيذ هجماتهم"، مستدركاً "لكن هناك حاجة إلى تنفيذ عمليات عسكرية وضربات استباقية ضدهم للقضاء عليهم تماماً".

وشهد العام الماضي 2021 ارتفاعا ملحوظا في هجمات داعش ضد المدنيين العراقيين والقوات الأمنية في مناطق متفرقة من البلاد، أسفرت حسب إحصائيات غير رسمية، عن مقتل أكثر من 350 شخصاً مدنيا وعسكريا.

 

قوات البيشمركة

معلومات القوات الأمنية العراقية، تبيّن أن تواجد مسلحي داعش يتركز في المناطق الجبلية الوعرة، ضمن سلاسل جبال حمرين وواديي الشاي وزغيتون في محافظة كركوك، وفي جبال قرجوغ بقضاء مخمور جنوب شرق الموصل والمناطق الصحراوية والنائية غرباً، وفي الأنبار، حيث يستغل مسلحوه الكهوف للاختباء.

وتشهد مساحات واسعة من الأراضي المتنازع عليها بين إقليم كردستان وبغداد، ثغرات أمنية منذ أحداث 16 أكتوبر2017، حيث أسفرت الخلافات بين أربيل وبغداد عقب استفتاء الاستقلال الذي نظمه الإقليم، عن انسحاب قوات البيشمركة منها.

وحسب معلومات وزارة البيشمركة، هناك مناطق فراغ بين هذه المناطق تبلغ مساحتها قرابة 60 كيلو متراً مربعا، تساعد تضاريسها الجغرافية عناصر داعش على الاختباء بسهولة.

ونفذت قوات البيشمركة خلال الأشهر الماضية عددا من العمليات العسكرية المشتركة مع القوات الأمنية العراقية الأخرى في هذه المناطق لملاحقة التنظيم، أسفرت عن خفض عدد هجماته التي كان ينفذها من المناطق الرخوة ضد القوات الأمنية.

في نفس السياق، يؤكد الخبير الإستراتيجي والعسكري، علاء النشوع، أن "الهدف من سلسلة عمليات الإرادة الصلبة هو تمشيط وتفتيش المناطق التي يحتمل أن يكون فيها نشاط إرهابي للتنظيم".

وعلى الرغم مما حققته ويعتقد النشوع أنه مهم خلال المراحل التي تم تنفيذها من "الإرادة الصلبة"، يرى أن داعش ما زال يمثل "خطرا".

يوضح النشوع لـ"ارفع صوتك": "مناطق حوض حمرين والمناطق المحاذية لسوريا خاصة وادي جوران ما زالت تشكل معاقل كبيرة لداعش ولا توجد عنها أي تفاصيل استخبارية من حيث حجم وقوة التنظيم".

ويعتبر أن "العوامل الإقليمية التي تعمل على تنشيط دور داعش ومساعدته عن طريق الأدوات المحلية، هي أيضاً عامل رئيس لبقاء خطورة داعش من خلال استخدامه كورقة ضغط سياسية وأمنية وعسكرية خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها العراق"، في إشارة إى النزاع المسلح بين التيار الصدري والإطار التنسيقي في بغداد.

 

"عملية نوعية"

وتعليقاً على أبرز ما حققته المراحل السبع في عملية "الإرادة الصلبة"، يقول الخبير الأمني أمير الساعدي، إنها "عملية نوعية لزيادة زخم ملاحقة خلايا فلول داعش المنتشرة في المناطق الجغرافية ذات التضاريس المعقدة، التي يصعب معها وجود قطعات وجود قطعات تنتشر في هذه الأماكن، خصوصا مناطق تقاطع المسؤوليات والفراغ الأمني بين المحافظات الثلاث، ديالى وصلاح الدين وكركوك، وغالبا تمثل مصدر تهديد للقطعات العسكرية أو لسكان القرى البعيدة".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "بالتالي فإن قيام عمليات نوعية في المناطق الأمنية ذات الاهتمام المشترك بين كردستان والحكومة الاتحادية، تدعو إلى تعزيز وسد الفراغات الأمنية بما يحقق الزخم المستدام، حتى لا نعطي فرصة للتنظيمات الإرهابية بأن تنشئ قواعد آمنة وملاذات يمكن أن تتحرك فيها، وكذلك لزيادة إطلاق أمن واستقرار تلك المناطق".

"ولا نريد أن تبقى عملياتنا عمليات رد فعل، بل تعزز  قدراتنا وقواتنا في استثمار فوز قد تحقق عام 2016 وما بعده، لملاحقة هذه الفلول لا سيما أن هنالك عمليات ناجحة قد قامت بها على أقل تقدير قوات جهاز مكافحة الإرهاب بالتعاون مع السلطات الأمنية في كردستان، أطاحت بموجبها الكثير من قيادات تنظيم داعش الميدانية".

وكانت بغداد وأربيل توصلتا في مايو 2021، إلى تأسيس غرفة عمليات للتنسيق المشترك بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، لمسك الملف الأمني في المناطق الحدودية الفاصلة بين محافظات كركوك والموصل مع أربيل وديالى مع السليمانية، التي طالما استغلها التنظيم كملاذات وأوكار لإطلاق الهجمات واستهداف المدن.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.