"الإرادة الصلبة" عملية عسكرية مكثفة، تلاحق فلول التنظيم الإرهابي في خمس محافظات
قتل ضابط عراقي وجنديان، وأصيب ثلاثة آخرين بجروح- تعبيرية

 في نهاية مارس الماضي، أعلنت الحكومة العراقية، انطلاق عملية "الإرادة الصلبة"، بهدف القضاء على من تبقى من تنظيم داعش في العراق.

وتتألف من عدة مراحل، كانت السابعة آخر ما أُعلن عنه منها، في الثالث من سبتمبر الحالي.

و"الإرادة الصلبة" عملية عسكرية مكثفة، تلاحق فلول التنظيم الإرهابي في خمس محافظات، هي: الأنبار وديالى وصلاح الدين وكركوك ونينوى.

ويشارك فيها إلى جانب الجيش العراقي، جهاز مكافحة الإرهاب وقطعات من القوات الخاصة وقوات الرد السريع وفصائل من الحشد الشعبي وقوات حرس الحدود، إلى جانب قوات البيشمركة في المناطق المحاذية لإقليم كُردستان، بإسناد جوي من طيران الجيش والقوة الجوية العراقية.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني، قبل أيام، أن المرحلة السابعة من "الإرادة الصلبة" ستتم بإشراف قيادة العمليات المشتركة.

وأشار بيانها إلى أن "قيادات عمليات صلاح الدين وديالى وسامراء تشارك في المرحلة السابعة، التي تشمل تفتيش مناطق حاوي العظيم َالحدود الفاصلة بين قيادات العمليات، لملاحقة بقايا عصابات داعش الإرهابية".

في حديثه لـ"ارفع صوتك"، عن المرحلة الخامسة، التي نُفذت في 18 أغسطس الماضي، يقول الناطق باسم قيادة العمليات المشتركة، اللواء تحسين الخفاجي: "على الرغم من الأهمية العسكرية لجميع المراحل السابقة للإرادة الصلبة وما حققته من نتائج كبيرة ومثمرة في دحر الإرهاب، إلا أن الحملة الخامسة تتصف بالنوعية والهامة كونها جاءت بتخطيط مشترك وضمن مناطق يعتقد التنظيم أنها قادر على التحرك فيها بسلاسة".

"واعتمدنا فيها على توحيد الجهود المشتركة بين قطعاتنا الاتحادية وقوات البيشمركة  بعد فرز للمعلومات وتكثيف الجهود الاستخبارية ووحدة القيادة، مما انعكس على تحقيق المهمة العسكرية لأهدافها، خلال ساعات، بتدمير 9 مضافات لداعش عند قاطع ديالى واعتقال عناصر إرهابية كانوا ضمن الهدف المطلوب في العملية"، يوضح الخفاجي.

 

نتائج

تشير إحصائيات رسمية صادرة عن القوات الأمنية المشاركة في "الإرادة الصلبة"، إلى أن المراحل السبعة أسفرت عن تدمير 55 وكراً للتنظيم و6 أنفاق و5 مخازن عتاد، والعثور على كميات من الأسلحة والعبوات الناسفة وقنابل الهاون وصواريخ قاذفة وأحزمة ناسفة وعجلات، إلى جانب مقتل العشرات من مسلح داعش، بينهم قيادات ميدانية، والعثور على وثائق ومعلومات عن التنظيم وعدد مسلحيه وقياداته.

وقال نائب قائد العمليات المشتركة، الفريق الأول ركن عبد الأمير الشمري، في تصريح لوكالة الأنباء العراقية الرسمية، في نهاية مارس الماضي أن "العمليات العسكرية أسفرت خلال شهري فبراير ومارس من العام الجاري عن مقتل 60 إرهابياً في مناطق متفرقة من البلاد".

وبين أن القيادة فتحت ثلاثة مقرات جوالة في محافظة صلاح الدين وجنوب الحضر في محافظة نينوى، والجزيرة في الأنبار، من أجل الإشراف المباشر على سير عملية الإرادة الصلبة.

ولا يدلي الضباط والمسؤولون العسكريون والأمنيون العراقيون بأي تصريحات عن سير العملية، وتأتي المعلومات أغلب الوقت عبر بيانات قيادة العمليات المشتركة وخلية الإعلام الأمني ومتحدث قيادة العمليات المشتركة.

من جهته، يقول مسؤول أمني مطلع -رفض الكشف عن اسمه- إن "عملية الإرادة الصلبة تعتمد بشكل رئيس على المعلومات الاستخباراتية وتسير حتى الآن بشكل جيد، محققة العديد من الإنجازات واستطاعت الحد من هجمات داعش في مناطق كثيرة".

ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "العمليات العسكرية المستمرة للقوات الأمنية العراقية والضربات الاستباقية أفقدت التنظيم قدرته على مسك الأرض وتنفيذ هجمات واسعة كالتي كان يشنها خلال عامي 2014 و2015".

ويوضح المسؤول أن "عدد مسلحي داعش لا يتجاوز المئات حالياً، غالبيتهم من المحليين، وهم يعتمدون على الكر والفر ونصب الكمائن في تنفيذ هجماتهم"، مستدركاً "لكن هناك حاجة إلى تنفيذ عمليات عسكرية وضربات استباقية ضدهم للقضاء عليهم تماماً".

وشهد العام الماضي 2021 ارتفاعا ملحوظا في هجمات داعش ضد المدنيين العراقيين والقوات الأمنية في مناطق متفرقة من البلاد، أسفرت حسب إحصائيات غير رسمية، عن مقتل أكثر من 350 شخصاً مدنيا وعسكريا.

 

قوات البيشمركة

معلومات القوات الأمنية العراقية، تبيّن أن تواجد مسلحي داعش يتركز في المناطق الجبلية الوعرة، ضمن سلاسل جبال حمرين وواديي الشاي وزغيتون في محافظة كركوك، وفي جبال قرجوغ بقضاء مخمور جنوب شرق الموصل والمناطق الصحراوية والنائية غرباً، وفي الأنبار، حيث يستغل مسلحوه الكهوف للاختباء.

وتشهد مساحات واسعة من الأراضي المتنازع عليها بين إقليم كردستان وبغداد، ثغرات أمنية منذ أحداث 16 أكتوبر2017، حيث أسفرت الخلافات بين أربيل وبغداد عقب استفتاء الاستقلال الذي نظمه الإقليم، عن انسحاب قوات البيشمركة منها.

وحسب معلومات وزارة البيشمركة، هناك مناطق فراغ بين هذه المناطق تبلغ مساحتها قرابة 60 كيلو متراً مربعا، تساعد تضاريسها الجغرافية عناصر داعش على الاختباء بسهولة.

ونفذت قوات البيشمركة خلال الأشهر الماضية عددا من العمليات العسكرية المشتركة مع القوات الأمنية العراقية الأخرى في هذه المناطق لملاحقة التنظيم، أسفرت عن خفض عدد هجماته التي كان ينفذها من المناطق الرخوة ضد القوات الأمنية.

في نفس السياق، يؤكد الخبير الإستراتيجي والعسكري، علاء النشوع، أن "الهدف من سلسلة عمليات الإرادة الصلبة هو تمشيط وتفتيش المناطق التي يحتمل أن يكون فيها نشاط إرهابي للتنظيم".

وعلى الرغم مما حققته ويعتقد النشوع أنه مهم خلال المراحل التي تم تنفيذها من "الإرادة الصلبة"، يرى أن داعش ما زال يمثل "خطرا".

يوضح النشوع لـ"ارفع صوتك": "مناطق حوض حمرين والمناطق المحاذية لسوريا خاصة وادي جوران ما زالت تشكل معاقل كبيرة لداعش ولا توجد عنها أي تفاصيل استخبارية من حيث حجم وقوة التنظيم".

ويعتبر أن "العوامل الإقليمية التي تعمل على تنشيط دور داعش ومساعدته عن طريق الأدوات المحلية، هي أيضاً عامل رئيس لبقاء خطورة داعش من خلال استخدامه كورقة ضغط سياسية وأمنية وعسكرية خاصة بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها العراق"، في إشارة إى النزاع المسلح بين التيار الصدري والإطار التنسيقي في بغداد.

 

"عملية نوعية"

وتعليقاً على أبرز ما حققته المراحل السبع في عملية "الإرادة الصلبة"، يقول الخبير الأمني أمير الساعدي، إنها "عملية نوعية لزيادة زخم ملاحقة خلايا فلول داعش المنتشرة في المناطق الجغرافية ذات التضاريس المعقدة، التي يصعب معها وجود قطعات وجود قطعات تنتشر في هذه الأماكن، خصوصا مناطق تقاطع المسؤوليات والفراغ الأمني بين المحافظات الثلاث، ديالى وصلاح الدين وكركوك، وغالبا تمثل مصدر تهديد للقطعات العسكرية أو لسكان القرى البعيدة".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "بالتالي فإن قيام عمليات نوعية في المناطق الأمنية ذات الاهتمام المشترك بين كردستان والحكومة الاتحادية، تدعو إلى تعزيز وسد الفراغات الأمنية بما يحقق الزخم المستدام، حتى لا نعطي فرصة للتنظيمات الإرهابية بأن تنشئ قواعد آمنة وملاذات يمكن أن تتحرك فيها، وكذلك لزيادة إطلاق أمن واستقرار تلك المناطق".

"ولا نريد أن تبقى عملياتنا عمليات رد فعل، بل تعزز  قدراتنا وقواتنا في استثمار فوز قد تحقق عام 2016 وما بعده، لملاحقة هذه الفلول لا سيما أن هنالك عمليات ناجحة قد قامت بها على أقل تقدير قوات جهاز مكافحة الإرهاب بالتعاون مع السلطات الأمنية في كردستان، أطاحت بموجبها الكثير من قيادات تنظيم داعش الميدانية".

وكانت بغداد وأربيل توصلتا في مايو 2021، إلى تأسيس غرفة عمليات للتنسيق المشترك بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، لمسك الملف الأمني في المناطق الحدودية الفاصلة بين محافظات كركوك والموصل مع أربيل وديالى مع السليمانية، التي طالما استغلها التنظيم كملاذات وأوكار لإطلاق الهجمات واستهداف المدن.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".