باسم الكربلائي

من جديد يثير باسم الكربلائي الرادود (المنشد) الحسيني الأشهر في العراق، الجدل بكلمات قصيدة اعتبرتها لجنة الأوقاف والعشائر النيابية "تجاوزات تسعى لتكريس الفرقة والانقسام وتعميق هوة الخلافات الطائفية بين المسلمين".

وتصف إحدى العبارات في القصيدة التي غناها الكربلائي، باللهجة العامية العراقية والمنشورة منذ ثمانية أشهر، الصحابة "بالعصابة".

سرعان ما انتشرت القصيدة بعد بيان اللجنة الغاضب، وجرى تداولها على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي مثيرة عاصفة ردود أفعال أغلبها رافض للعبارة التي جاءت في القصيدة، فيما حاول البعض تبرير العبارة بأنها تختص بمن شارك في قتل الحسين وأصحابه في معركة الطف!.

أقوى ردود الفعل كانت للوقف السني الذي طالب بالتحقيق في القضية وتقديم المتسببين بهذه "الإساءة" إلى القضاء وتشديد الرقابة على محتوى القصائد.

وأصدرت رابطة أئمة وخطباء الأعظمية بيانا قالت فيه إن "الإساءة إلى رموز الأمة من مظاهر الغلو والتطرف التي لا تختلف عن الجرائم التي ارتكبها متطرفو داعش".

من جهته، دعا رئيس تحالف السيادة رعد الدهلكي إلى إصدار مذكرة إلقاء قبض في حق باسم الكربلائي ومنعه من إقامة المجالس الحسينية، ليدخل المجمع الفقهي العراقي على خط الأزمة ملوحا باللجوء إلى قانون العقوبات العراقي، وتحديداً المادة 372 التي تعاقب بالحبس لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات كل من اعتدى بإحدى الطرق العلانية على معتقدات لإحدى الطوائف الدينية أو حقر من شعائرها، أو تعمد التشويش على شعائر دينية، أو من أهان علنا رمزاً أو شخصا هو موضع تقديس أو تمجيد أو احترام لدى طائفة دينية.

تعيد هذه الأحداث إلى الأذهان سيناريو أحداث مشابهة، أثار خلالها الكربلائي حفيظة الكويتيين عام 2016، بقصيدة حملت عنوان "الجبت والطاغوت"، مُنع على إثرها من ممارسة أي نشاط داخل الكويت بعد أن اعتبرت قصيدته مثيرة للنزعة الطائفية والتفرقة بين السنة والشيعة. وأطلق بعض الكويتيين المستائين حينها وسم #اطردوا_الرادود_الطائفي_من_الكويت

يعتبر باسم الكربلائي الرادود الأكثر شهرة وشعبية في العالم الشيعي، بفضل صوته المتميز وطريقته الحديثة في قراءة النعي خلال طقوس عاشوراء التي يحييها سنويا ملايين الشيعة حول العالم، في ذكرى مقتل الإمام الحسين ومركزها في محافظة كربلاء حيث دارت معركة الطف التي انتهت بمقتله.

وعلى قدر شهرة الرجل، تأتي إثارته للجدل بقصائد أو سلوكيات تعرضه لانتقادات شعبية حادة من حين لآخر، أحدثها كان ظهوره في مجلس عزاء أقامه زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، بحضور لافت لعدد من قادة الفصائل المسلحة وأعضاء من الإطار التنسيقي، الذي يخوض صراعا قويا مع التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر، الأمر الذي اعتبره البعض وقوفاً مع جهة سياسية ضد أُخرى.

قبلها بثلاثة أعوام، أثار الكربلائي الكثير من ردود الفعل بعد منحه لقب "سلطان المنبر الحسيني"، وتتويجه بتاج ذهبي أُطلق عليه اسم "تاج الولاية"، ووضْعِ عباءة مطرزة على كتيفيه في حسينية قصر الزهراء بمدينة الكاظمية وسط بغداد. أثارت هذا الأمر موجة من الانتقادات بسبب ما اعتبر خرقا من الكربلائي للتحريم الشرعي لارتداء الرجال للذهب، ناهيك عن تاج ذهبي مرصع، ما أضطر الرادود الشهير إلى إهداء التاج إلى العتبة العباسية.

طريق الكربلائي إلى التاج بدأ عام 1980، وهو العام ذاته الذي شهد نفيه وعائلته من كربلاء بعد اندلاع حرب الخليج الاولى، بحجة الأصول الإيرانية للعائلة التي استقرت لاحقا في أصفهان. وهناك، وتحديداً في الحسينية الكربلائية وخلال حضوره لمجالس العزاء اكتشف أحد أخواله إمكانياته الصوتية المذهلة، ودفعه إلى قراءة القصائد في المناسبات الدينية المختلفة، ثم ساعده على تعلم أُصول الإنشاد على يد الملا تقي الكربلائي في ايران، التي عاش فيها 13 عاما، قبل أن يتنقل بين دول الخليج ويتزوج بفتاة عُمانية ويستقر لعشر سنوات في الكويت.

ومع ازدياد شعبيته عبر شرائط الكاسيت في التسعينات، تنقل الكربلائي حول العالم، وأقام مجالس عزاء في الولايات المتحدة وبريطانيا وكثير من دول أوروبا، وصولا إلى الصين.

سمح هذا التنقل بين الدول للكربلائي باستحداث أطوار جديدة في الإلقاء والايقاع، ومكنه من التعاون مع ملحنين وموزعين مختلفين. وأُثيرت حول هذا التحديث انتقادات حادة فتحت الباب أمام "جدل شرعي" حول استخدام الآلات الموسيقية في الإنشاد. وهو الجدل الذي لم ينته حتى يومنا هذا.

لم يغير الكربلائي فقط الأطوار السائدة في إلقاء القصائد، لكنه غير أيضا من مهنة الرادود الحسيني. قبل سنوات، طرح عطراً يحمل أول حرفين من اسمه باللغة الإنجليزية (BK)، ليتعرض من جديد إلى موجة انتقادات تتعلق هذه المرة بالتشبه بالمشاهير والخلط بين التجارة وخدمة المنبر.

وطالت الانتقادات أيضا أجور عمله في المجالس الحسينية التي تصل إلى آلاف الدولارات، لكن عند سؤاله في أحد اللقاءات التلفزيونية عن المبالغ التي يتقاضاها مقابل حضوره مجالس العزاء والإنشاد فيها، أنكر طلبه للمال أو تحديده أي مبلغ مالي مقابل مشاركته في الإنشاد بمجالس العزاء الحسينية.

حقق الكربلائي شهرة واسعة بين الشباب الذي لا يميل إلى الأساليب الغنائية العراقية  القديمة التي كانت سائدة قبل عقود وتعتمد على صوت المنشد والمشاركين في مجالس العزاء.

ويحظى الرجل بشعبية كبيرة على مواقع التواصل التي ينشط فيها بشكل لافت، فقناته على يوتيوب حققت ثلاثة مليارات و200 مليون مشاهدة، ويتابعها 9.76 مليون شخص، فيما يتابع حسابه على فيسبوك أكثر من ثلاثة ملايين، وعلى تويتر يتجاوز متابعوه المليون شخص، ليطلق عليه محبوه ألقاب عديدة منها "أسطورة العشق الحسيني"، "سلطان المنابر"، "مزمار الحسين"، "خادم الحسين"، "صوت الشيعة"، "صوت الحسين"..إلخ.

عقائدياً، ينتمي باسم الكربلائي إلى التيار الشيرازي الذي جرى تأسيسه في كربلاء من قبل محمد الشيرازي (1924-2001)، وهو من التيارات الشيعية التي تتهم بالمغالاة، وتنشط إعلاميا عبر عدد كبير من الفضائيات ووسائل الإعلام، واجتماعيا عبر منظمات وجمعيات دينية حول العالم.

ويدافع التيار الشيرازي عن طقوس دينية تثير الخلاف بين فقهاء الشيعة، مثل الدفاع عن التطبير (ضرب الرأس بالسيف في مراسم عاشوراء وإدماؤه) الذي يؤيده باسم الكربلائي نفسه.

ويأتي الجدل الجديد الذي أثارته قصيدة القاها الكربلائي، متزامناً مع إحياء العراقيين لأربعينية الإمام الحسين حفيد النبي محمد، والذي قُتل في معركة الطف عام 680 على يد جنود الخليفة الأموي يزيد بن معاوية في كربلاء.

وتغذي هذه الذكرى أحيانا التوترات الطائفية في عدد من دول العالم منها العراق وباكستان والهند. وما يزيد الموقف صعوبة في العراق هذا العام تزامنها مع أزمة سياسية خانقة تستمر منذ عشرة أشهُر بين مكونات البيت الشيعي العراقي، ومخاوف من حرب أهلية، هذه المرة شيعية-شيعية، يمكن أن تُدخل البلاد في نفق مظلم يعيد سيناريو الحرب الأهلية بين عامي 2006  و2007.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".