وضع أبو جعفر المنصور الحجر الأساس لبناء مدينة بغداد عام 762 ميلادي.
وضع أبو جعفر المنصور الحجر الأساس لبناء مدينة بغداد عام 150 للهجرة. Mustafa Ismail Khalaf ©

"بسم الله والحمد لله! وإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ابنوا على بركة الله!".. هذا ما قاله الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور عام 762م/150هـ عندما وضع الحجر الأساس لبناء عاصمته الجديدة "بغداد" أو "دار السلام"؛ بحضور جمع غفير من الأمراء والوزراء والعلماء والأعيان.

وكان محل إقامة الخليفة العباسي المنصور وأخيه أبي العباس السفاح قبل ذلك في عاصمتهما التي أسمياها "الهاشمية". وكانت تعرف قبلها بـ"قصر ابن هبيرة"، قبل أن يعمرها الخليفتان. وتقع أطلالها اليوم بالقرب من ناحية "الصقلاوية" في محافظة الأنبار.

 

بغداد قبل البناء

 

اختلف المؤرخون في التاريخ الدقيق لما قبل بناء بغداد، وما كانت عليه تلك الأرض المختارة قبل اتخاذها عاصمة للدولة الجديدة، حيث يذكر المؤرخ والجغرافي أحمد اليعقوبي في "كتاب البلدان" أنه "لم تكن بغداد مدينة في الأيام المتقدمة وإنما قرية".

وجاء في "دائرة المعارف الإسلامية" أنه "في العصر الأخير من دولة الساسانيين؛ كانت بغداد الواقعة في الجانب الغربي من دجلة أرضا خصبة جداً وزاهية بأنواع الورد والرياحين، وكان الملوك يتخذونها متنزهاً، يقضون فيها الصيف لاعتدال هوائها وكثرة بساتينها وجودة أرضها".

ويذكر المؤلف راسم الجميلي في كتابه "البغداديون" أن "من أهم القرى في هذه المنطقة التي تناقل المؤرخون أسماءها من العهد القديم قرية الكرخ، وهي القرية التي نسبت إليها محلة الكرخ في بغداد".

 

اختيار المكان

 

في أواسط القرن الثاني للهجرة، وفي موضع بغداد اليوم؛ لم تحتو الضفة الغربية لنهر دجلة سوى على قرية صغيرة وسط بساتين مترامية الأطراف.

ويذكر أبو علي ابن رسته؛ وهو جغرافي فارسي توفي سنة 300هـ أن المنصور وجه ابنه محمد المهدي لغزو الصقالبة سنة 140هـ، ورافقه في الطريق إلى أن وصل موضع بغداد اليوم؛ فأعجبه موقعها وحسن منظرها، وصفاء مائها وهوائها؛ فصمم أن ينشئ هناك مدينة يجعلها عاصمة لملكه.

إضافة إلى ذلك، زادت ظروف سياسية وأمنية من قناعة الخليفة المنصور ببناء مدينة كاملة لتكون مركزا لإدارة الحكم وبسط السلطة وتثبيت ركائز الدولة العباسية. يقول المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه "العراق قديما وحديثا" أن المنصور "أقام في الهاشمية بعد وفاة أخيه أبي العباس لمدة، ثار عليه خلالها جماعة الراوندية انتقاما لمقتل أبي مسلم الخراساني؛ فكَرِه سكناها، كما كره أهل الكوفة؛ لأنهم أفسدوا جنده، فتجافى عن جوارهم، وراح يبحث عن محل يبني فيه مدينة محصنة، حتى استقر رأيه على اتخاذ قرية بغداد في الضفة الغربية لنهر دجلة".

 

تأسيس المدينة

 

لم يكن تصميم مدينة بغداد أو دار السلام اعتباطيا، ولم تُبن على أساس تجمعات سكانية كانت موجودة قبلها، بل إن الحكم كان قائما في مدينة أخرى؛ مما أتاح للمنصور الأريحية والوقت الكافي لبناء مدينة عصرية تراعي التطور الهندسي والطُّرُز المعمارية، ونظم الحماية المتمثلة بالأسوار.

وأفسح ذلك أيضا المجالَ للمنصور لجمع البناة والعمال وأصحاب الخبرة من المعماريين من جميع أنحاء الدولة، حيث أرسل لأعلامها ووجهائها ليشاركوا في تحديد المكان بالضبط والمساهمة في التأسيس. يذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الهلالي في كتابه "معجم العراق" أن المنصور أرسل في عام 145هـ كلا من الحجاج بن أرطأة وأبا حنيفة النعمان ليختطا المدينة الجديدة.

ويذكر المؤرخ عبد الرزاق الحسني في هذا الموضوع أن المنصور "أمر أن تخط المدينة بالرماد؛ فدخل من أبوابها وطاف بها وهي مخطوطة بالرماد، ثم أمر أن يجعل فوق الرماد حب القطن فيشعل بالنار، ففعلوها ونظر إليها وهي تشتعل؛ ففهمها وعرف رسمها، وأمر أن يحفر الأساس على ذلك الرسم!".

عملة عليها صورة الملك إيسباسينو عثر عليها في دورا اوروبس السورية.
"خاراكس".. مملكة ميسان التي تؤجل الفيضانات والحروب اكتشافها
شغل موقع مدينة "خاراكس" كما تسمى باليونانية، و"كرك سباسينو" كما تسمى بالتدمرية، علماء الآثار منذ القرن التاسع عشر، نظراً لأهمية هذه المدينة في التاريخ الكلاسيكي للعراق وإيران، ولأنها كانت واحدة من أهم المراكز التجارية العالمية خلال أكثر من خمسة قرون.

وينقل لنا محمد بن إسحاق البغوي أن "رباح البنّاء الذي تولى بناء سور مدينة المنصور؛ قال: كان بين كل باب من أبواب المدينة إلى الآخر ميل، وفي كل ساف من أسواف البناء 162 ألف لبنة من اللبن الجعفري".

ويذكر ابن الشروي أن "زنة اللبنة الجعفرية المستخدمة في بناء السور هي 117 رطلا" أي حوالي 53 كيلوغراما اليوم.

وكان السبق لبغداد في الانفراد بشكل التصميم المدور؛ حيث اختاره أبو جعفر المنصور، ووضع قصره وسط الدائرة وجواره المسجد الجامع. واختارها مدورة كي يكون جميع الناس سواسية في البعد ولا يتمايزون بالمقربة من بيت الخليفة!، وكان للمدينة سوران؛ الداخلي أعلى من الخارجي، وبينهما أشبه بالخندق. وعند السور الأول باب ثم دهليز إلى باب السور الثاني المطل مباشرة على المدينة.

 وينقل الكاتب العراقي جمال أبو طبيخ في كتابه "مذكرات بغداد" أن طرقات الأحياء السكنية صممت بصورة شعاعية حول السور الداخلي، موزعة على أربعة وأربعين زقاقاً أو "سكة" متساوية الأبعاد، مبلطة بالآجر وجميعها متجهة نحو المركز، حيث دواوين الحكومة والمسجد ودار الخلافة.

 وصمم للمدينة أربعة أبواب محمية بأبراج مراقبة على طول السور، وعلى كل باب قائد وألف عسكري، وكل باب يؤدي إلى طريق سفر.

وفي هذا يقول أبو بكر محمد بن خلف الملقب بـ"وكيع": "بنى المنصور مدينته وبنى لها أربعة أبواب، فإذا جاء أحد من الحجاز دخل من باب الكوفة، وإذا جاء من الأهواز والبصرة دخل من باب البصرة، وإذا جاء من المغرب دخل من باب الشام، وإذا جاء من المشرق دخل من باب خراسان، وجعل المنصور كل باب مقابل القصر وفوق كل باب قبة، وبين كل بابين ثمانية وعشرين برجا".

 وقد كان لبعض رجال التاريخ آراء مختلفة في تاريخ تأسيس بغداد. ينقل الرحالة والجغرافي محمد بن أحمد المقدسي في كتابه "أحسن التقاسيم" أن "أبا العباس السفاح هو من اختط بغداد ثم بنى المنصور مدينة السلام"، ويتفق مع هذا القول صنيع الدولة محمد حسن خان في كتابه "درر التيجان".

 

بناء الرصافة

 

كل ما ذكرناه سابقا كان حول مدينة أبي جعفر الأولى، بغداد أو دار السلام، التي أنشأها في جانب الكرخ. أما في جانب الرصافة فبنى قصرا لولده وولي عهده المهدي؛ والذي كان نواة لبناء المدينة التي شرع بها سنة 151هـ وانتهت عام 159هـ، وكانت هذه المدينة أكثر تطورا عمرانيا وهندسيا، حيث الطرق المستقيمة التي انتشرت فيها الأسواق والحمامات، وعند تقاطع شوارعها الخانات والجوامع.

وبني للمدينة أربعة أبواب أيضا، هي: "باب السلطان" أو الباب المعظم، و"باب الظفرية" أو الباب الوسطاني، و"باب البصلية" أو الباب الشرقي، و"باب الحلبة" أو "باب الطلسم"؛ والأخير نسفته القوات العثمانية ليلة انسحابها من بغداد أمام القوات البريطانية سنة 1917م. هذا عدا عن الأبواب المطلة على نهر دجلة.

واختلف المؤرخون في سبب بنائها فيرى البعض أن المنصور بناها كإجراء أمني احترازي في حال انقلب عليه "الراوندية" في مدينته، فيلجأ إلى الرصافة أو يضربهم بمؤيديه منها.

 ويذكر الخطيب البغدادي في كتابه "تاريخ بغداد" أن المهدي عندما قدم مع عسكره من منطقة المحمدية (الري) -وهي ضمن طهران الآن- وفدت له الوفود فبنى المنصور له الرصافة، وعمل لها سوراً وخندقاً وميداناً وبستاناً، وأجرى لها الماء، كما ينقل آخرون أن المنصور أخذ الأجَراء وأمر المهدي وجنده أن يعسكروا في الرصافة حفاظا على مدينته الكرخ من الزحام، وقد عرفت بداية الأمر بمعسكر المهدي، ومن ثم بغداد المهدي؛ فالرصافة.

 

اسم بغداد

 

ظل الاختلاف في أصل تسمية ومعنى بغداد قائما بين المؤرخين واللغويين قديما وحديثا، فيرى اللغوي ابن الأنباري أن أصل بغداد أعجمي، والعرب تختلف في لفظها، إذ لم يكن أصلها من كلامهم، ولا اشتقاقها من لغاتهم. أما حمزة بن الحسن الأصفهاني فيقول إن بغداد اسم فارسي معرب من باغ داذويه، وهو اسم شخص فارسي، على حد قوله.

ويرى بعض المؤرخين أن الاسم آرامي؛ بدلالة أن الفرس لم يدخلوا بغداد إلا في القرن الرابع قبل الميلاد، وأن بغداد معروفة بهذا الاسم قبل ذلك بمئات السنين.

وينقل لنا المؤرخ الجغرافي أبو الحسن المسعودي عن بغداد؛ أن اسمي الزوراء والروحاء كانا رائجين بين الناس في زمانه، وسميت كذلك بمدينة المنصور ودار السلام، وعرفت كذلك ببرج الأولياء؛ لاحتوائها على العشرات من قبور الأولياء.

ويقول بعض الفقهاء إن الخليفة المنصور أبدل اسمها الفارسي "باغ داد" إلى اسم عربي، حيث أسماها دار السلام؛ وهو الاسم الرسمي للمدينة.

وقد نُقل رسم كلمة بغداد في أمهات الكتب بعدة أوجه هي: "بغداد، بغذاذ، بغدان، بغدين، مغذان"؛ كما جاء في كتاب "العراق قديما وحديثا".

 

الكرخي والرصافي

 

الكرخ والرصافة هم جانبا بغداد اليوم وقلباها النابضان. وقد حمل اسم الكرخي والرصافي العديد من الشخصيات الشهيرة على مدار التاريخ العراقي. وتطلق هذه الكنية إما بالسكنى القديمة في المدينة، أو من خلال الإقامة فيها؛ اعتزازا ومباهاة بالنسبة إلى بغداد.

ومن أشهر من حمل لقب الكرخي أو الرصافي؛ الشيخ معروف الكرخي، وهو أحد أبرز رموز المتصوفة في العالم الإسلامي، وقد عاش ودفن سنة 200هـ في جانب الكرخ، والشاعر العراقي الكبير معروف الرصافي؛ الذي يتوسط تمثاله اليوم جانب الرصافة، والشاعر الملا عبود الكرخي، وهو شاعر شعبي عراقي توفي عام 1946م.

مسيحيون قدامى تحتفظ النجف بمقابرهم.. تعرف على مملكة الحيرة القديمة!
تشتهر مدينة النجف في شتى أنحاء العالم الإسلامي باعتبارها المدينة الشيعية المقدسة التي يواري ثراها جثمان الإمام علي بن أبي طالب، أول الأئمة المعصومين عند الشيعة الاثني عشرية. بدأت أهمية النجف قبل ظهور الإسلام بأربعة قرون كاملة. شهدت أرضها قيام مملكة الحيرة القديمة التي ارتبطت بعلاقات وثيقة مع الفرس الساسانيين. وأسهم ملوكها بشكل مؤثر في نشر المسيحية النسطورية في بعض أنحاء شبه الجزيرة العربية.

وعند سؤالنا للمؤرخ العراقي محمود بشار عواد عن أسماء أخرى تكنت باسم ضفتي النهر، أجاب أن من بينهم أبو البركات القاسم الرصافي؛ وهو شاعر جيد حسن الارتجال، وعبيد الله الكرخي (260 – 340 هـ) وهو فقيه انتهت إليه رئاسة الحنفية في العراق، ومحمد بن منصور الكرخي البغدادي؛ وهو فقيه شافعي (توفي 482 هـ)، وغيرهم الكثير.

وقد قيل الكثير في جمال بغداد ومكانتها. ولعل من أجمل ما قيل فيها ممن شاهدها، هي كلمات الجاحظ حيث يقول: "قد رأيت المدن العظام، والمذكورة بالإتقان والإحكام، بالشامات وبلاد الروم، وفي غيرها من البلدان، فلم أرَ مدينة قط أرفع سمكاً، ولا أجود استدارة، ولا أنبل نبلا، ولا أوسع أبواباً، ولا أجود فصيلا، من الزوراء، وهي مدينة أبو جعفر المنصور، كأنما صُبّت في قالب وكأنما أفرغت إفراغاً".

 

 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".