نهر دجلة يعد شريان حياة للكثير من المزارعين في العراق
نهر دجلة يعد شريان حياة للكثير من المزارعين في العراق

روى نهر دجلة حضارات سومر وبابل عبر التاريخ، لكنه اليوم بات يصارع الموت. إذ يهدّد النشاط البشري الجائر والتغيّر المناخي بمحو شريان حياة في العراق عمره آلاف السنوات.

ويعد دجلة بالنسبة لذلك البلد العربي الذي يبلغ عدد سكانه 42 مليونا، مصدرا للحضارة وللزراعة، بالإضافة إلى الكوارث الطبيعية لا تعد ولا تحصى.

بدءا من أبريل، تجاوزت الحرارة 35 درجة مئوية وتتالت العواصف الرملية مغطية البشر والحيوانات والآلات بغشاء برتقالي، وذلك قبل أن يحل فصل الصيف، موسم الجحيم بالنسبة إلى العراقيين، حين تصل الحرارة إلى 50 درجة مئوية وتنقطع الكهرباء بسبب زيادة الضغط على الشبكة.

الكثير من المزراعين اضطروا إلى بيع ماشيتهم وأرضهم جراء الجفاف

أصبح العراق اليوم واحدا من أكثر خمسة بلدان في العالم عرضة لعواقب تغيّر المناخ، بحسب الأمم المتحدة، وذلك مع انتشار الجفاف وانخفاض نسبة الأمطار وارتفاع درجات الحرارة والتصحّر المتسارع.

ومع تراج الأمطار تأثّر بذلك نهر دجلة، ناهيك عن الآثار السلبية للسدود المبنية في تركيا حيث ينبع النهر.

 "المياه تتناقص"

تبدأ الرحلة العراقية لنهر دجلة في جبال كردستان عند تقاطع العراق وسوريا وتركيا، وهنا، يكسب السكان لقمة عيشهم من خلال زراعة البطاطا وتربية الأغنام.

وعلى الحدود مع سوريا، قرب الحدود مع تركيا، يقول بيبو حسن دولماسا المتحدّر من قرية زراعية في منطقة فيشخابور، والبالغ 41 عاما، "حياتنا تعتمد على دجلة. وعملنا وزراعتنا يعتمدان عليه".

ويضيف: "إذا انخفض منسوب المياه، ستتأثر زراعتنا ومنطقتنا بالكامل".

ويوضح: "المياه تتناقص يوما بعد يوم.. من وقبل ذلك كانت المياه تتدفق على شكل سيول".

الحكومة العراقية قلصت المساحات المزروعة إلى النصف

وتتهم السلطات العراقية والمزارعون الأكراد في العراق تركيا بقطع المياه عن طريق احتجازها في السدود التي أنشأتها على المجرى قبل وصوله إلى العراق.

وتؤكد الإحصاءات الرسمية ذلك، فمستوى نهر دجلة لدى وصوله من تركيا هذا العام لا يتجاوز 35 في المئة من متوسط الكمية التي تدفقت على العراق خلال المئة عام الماضية.

وكلما ازداد احتجاز المياه، قلّ تدفق النهر الذي يمتدّ على 1500 كيلومتر يجتازها نهر دجلة قبل أن يندمج مع توأمه نهر الفرات ويلتقيا في شط العرب الذي يصب في الخليج.

ويشكّل هذا الملف مصدرا للتوتر.

خبراء يقولون أن أساليب الري المتبعة في الزراعة تهدر الكثير من المياه

وتطلب بغداد بانتظام من أنقرة الإفراج عن كميات أكبر من المياه، وردا على ذلك، دعا السفير التركي لدى العراق علي رضا غوني في يوليو العراقيين إلى "استخدام المياه المتاحة بفعالية أكبر".

وأضاف في تغريدة "المياه مهدورة على نطاق واسع في العراق".

ويتفق بعض الخبراء مع كلام السفير التركي، إذ تحدثواعن أساليب ريّ طائشة كما كان يحدث في زمن السومريين، حيث يستمر المزارعون العراقيون في إغراق حقولهم لريّها ما يؤدي إلى هدر هائل في المياه.

 "سنهاجر بسبب المياه"

في بعض الأماكن، يبدو النهر مثل برك ناتجة عن مياه الأمطار، فالتجمعات الصغيرة للمياه في مجرى نهر ديالى هي كل ما تبقى من رافد نهر دجلة في وسط العراق الذي بدونه، لا يمكن زراعة أي شيء في المحافظة.

الكثير من المحاصيل تأثرت بانخفاض منسوب مياه دجلة

وبسبب الجفاف، خفضت السلطات هذا العام المساحات المزروعة في كل أنحاء البلاد إلى النصف، ونظرا إلى أن لا مياه كافية في ديالى، فلن يكون هناك حصاد.

ويشكو المزارع أبو مهدي (42 عاما) قائلا: "سنضطر إلى التخلي عن الزراعة وبيع ماشيتنا ونرى بعد ذلك إلى أين يمكننا أن نذهب".

ويضيف: "لقد شردتنا الحرب (إيران والعراق في الثمانينات)، والآن سنهاجر بسبب المياه.. بدون الماء، سنصبح نازحين، ولا يمكننا مطلقا العيش في هذه المناطق".

ويتابع أبو مهدي: "استدنتُ لحفر بئر عمقه 30 مترا، لكنه كان  أمرا فاشلا تاما"، موضحا أن المياه المالحة لا يمكن  استخدامها في الري أوسقي لحيوانات.

وبحلول العام 2050، "سيؤدي ارتفاع الحرارة درجة مئوية واحدة وانخفاض المتساقطات بنسبة 10%، إلى انخفاض بنسبة 20 % في المياه العذبة المتاحة" في العراق، وفقا  لتحذّير  أصدره البنك الدولي نهاية العام 2021.

وحذّرت الأمم المتحدة والعديد من المنظمات غير الحكومية في يونيو من أن ندرة المياه والتحديات التي تواجه الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، هي من "الدوافع الرئيسية للهجرة من الأرياف إلى المناطق الحضرية" في العراق.

وبحلول نهاية مارس 2022، نزحت أكثر من 3300 أسرة بسبب "العوامل المناخية" في عشر مقاطعات من وسط البلاد وجنوبها، وفقا لتقرير نشرته المنظمة الدولية للهجرة في أغسطس.

"رواسب رملية" ونفايات

وهذا الصيف، كان منسوب نهر دجلة منخفضا في بغداد لدرجة أن وكالة فرانس برس صوّرت شبانا يلعبون الكرة الطائرة في وسط النهر، وكانت المياه تصل بالكاد إلى مستوى خصورهم.

التغيرات المناخية والسدود التركية ساهمت في انخفاض مستوى منسوب مياه دجلة

وتردّ وزارة الموارد المائية ذلك إلى "الرواسب الرملية"، فنظرا إلى أن هذه الرواسب لم تعد تنصرف باتجاه الجنوب بسبب نقص تدفّق المياه، تراكمت في قاع دجلة واختلطت بالمياه المبتذلة، ما أدى إلى صعوبة تدفق مياه النهر.

حتى وقت قريب، كانت الحكومة ترسل آلات لشفط الرمال الراكدة في قاع النهر، لكن بسبب نقص الموارد، توقّفت غالبية المضخات عن العمل.

وتقول الناشطة البيئية هاجر هادي (28 عاما) إن هناك "قلة إدراك" لحجم المشكلة من جانب الحكومة والسكان، علما أن "العراقيين يشعرون بالتغيرات المناخية التي تترجم بارتفاع درجات الحرارة وانخفاض منسوب المياه وتراجع هطول الأمطار والعواصف الترابية".

ودرست الشابة علوم الحياة في الجامعة، وهي تعمل منذ العام 2015 مع منظمة "المناخ الأخضر" العراقية غير الحكومية خصوصا في الأهوار، لحماية البيئة ودعم السكان الأكثر ضعفا.

وتضيف: "هذه العواصف الترابية لا تأتي من العدم، بل من زيادة التصحر وقلة المساحات الخضراء".

وتوضح أن: "نقص المياه من الدول المجاورة يزيد الجفاف وبالتالي التصحر".

تربة مالحة

و في رأس البيشة. هناك، على حدود العراق وإيران والكويت،  حيث يتدفق شط العرب إلى مياه الخليج، يقول الملا عادل الراشد، وهو مزارع نخيل يبلغ من العمر 65 عاما: "انظروا إلى أشجار النخيل هذه، إنها عطشى. تحتاج إلى الماء. هل أرويها بالكوب؟".

ويضيف: "انتهى نهرا دجلة والفرات، فلا توجد مياه عذبة، ولم تعد هناك حياة. النهر  أضحى مياه مالحة".

الصيادون في مياه شط العرب تأثروا بسبب ارتفاع الملوحة في المياه بسبب انخفاض تدفق دجلة

ومع انخفاض منسوب المياه العذبة، بدأت مياه البحر تغزو شط العرب، وفي هذا الصدد تشير الأمم المتحدة والمزارعون بأصابع الاتهام إلى أثر تملّح المياه على التربة وانعكاساته على الزراعة والمحاصيل.

ويشتري الملا عادل الراشد المياه العذبة من صهاريج حتى يتمكن من الشرب هو وحيواناته.

ويقول إن الحيوانات البرية أضحت تغامر بالذهاب إلى المنازل للحصول على مياه الشرب من السكان.

ويضيف بحزن: "حكومتي لا تزودني المياه. أريد ماء، أريد أن أعيش، أريد أن أزرع، كما فعل أجدادي الذين زرعوا أشجار النخيل واستفادوا من التمر".

 تملح المياه 

وأما نعيم حداد حافي، فيعود حافي القدمين بقاربه إلى منزله بعد يوم من الصيد في شط العرب.

وعلى أطراف البصرة في أقصى جنوب العراق، تستقبله إحدى بناته الخمس على الضفة فيما يعرض كيسا مليئا بالسمك.

الحكومة العراقية قلصت المساحات المزروعة إلى النصف

ويقول الرجل الأربعيني: "نكرّس حياتنا للصيد بالتوارث"، مشيرا إلى أن ذلك هو مصدر رزقه الوحيد الذي يسمح له بإعالة أسرته المكونة من ثمانية أفراد، موضحا:  "لا راتب حكوميا، ولا علاوات".

ويتابع حداد: "في الصيف، لدينا مياه مالحة، ومياه البحر ترتفع وتصل إلى هنا".

وبلغ مستوى الملوحة في شط العرب في شمال البصرة 6800 جزء في المليون، وفق ما أفادت السلطات المحلية مطلع أغسطس.

ومن حيث المبدأ، لا تتجاوز نسبة الملوحة في المياه العذبة ألف جزء في المليون، وفقا لمعايير المعهد الأميركي للجيوفيزياء الذي يحدّد مستوى المياه "المتوسطة الملوحة" بين ثلاثة و10 آلاف جزء في المليون.

وأدى ذلك إلى هجرة أنواع معينة من أسماك المياه العذبة التي تحظى بشعبية كبيرة لدى الصيادين من شط العرب، ما يتسبب في ظهور أنواع أخرى تعيش عادة في أعالي البحار.

ويقول حداد : "إذا انخفض مستوى المياه، انخفض الصيد وقلّت مصادر رزقنا".
 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

في 2015، منحت عشيرة عراقية في البصرة 51 امرأة من نسائها لعشيرة أخرى مقابل تسوية الخلافات بين الطرفين.
صورة تعبيرية لأفراد مسلحين من عشيرة عراقية- أرشيف

أدت العشائر العراقية دوراً بارزاً في تأسيس وتشكيل الدولة العراقية الحديثة منذ اختيار أول حكومة عام 1920، وحتى آخر انتخابات للمجالس المحلية أواخر العام الماضي 2023.

طوال تلك الفترة، وصفت العلاقة بين العشائر والحكومات العراقية بأنها "تخادمية" من جهة و"تصادمية" من جهة أخرى. فمدّ المصالح المشتركة المتعلق بشكل خاص بمواجهة التحديات الأمنية وفرض الاستقرار، يواجهه جَزراً من التصادمات تصل نتائجها إلى إسقاط حكومات، أو سحب يد الرعاية العشائرية خلال الانتخابات.

أحدث التوترات بين العشائر والحكومة برزت في أغسطس الماضي، حين ثارت عشيرة محافظ ديالى السابق مثنى التميمي ضد اختيار محافظ من قبيله أخرى بعد انتخابات مجالس المحافظات 2023. 

عمد أبناء العشيرة إلى إغلاق دوائر حكومية من ضمنها مراكز للشرطة، وأظهرت مقاطع فيديو تجمعاً كبيراً يردد أهزوجة "ديالى إلنا، وما ننطيها" وهي تعني التمسك بالمنصب.

أما أقوى مواقف العشائر فجاءت في يوليو 2022 عندما أُعلن عن ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة الوزراء، فغرد ضده محمد صالح العراقي المعروف بـ "وزير الصدر"، الأمر الذي اعتبرته قبيلة السودان "إهانة وإساءة" لها.

وقالت في بيان "نحتفظ بكافة وسائل الرد العشائري التي خبرها العدو قبل الصديق لمن يريد المساس باسم قبيلتنا"،  ورفضت استخدامه "في الطحن الجاري بين المتنافسين على رقاب العراقيين".

عنصران من مقاتلي العشائر في محافظة الأنبار- أرشيف وكالة الصحافة الفرنسية
من البونمر إلى الترابين.. عشائر قاومت إرهاب "داعش"
تأسيس مجالس الصحوة كان بمثابة مفترق طرق بين داعش وبين أغلب العشائر العربية في العراق. وكان يمكن أن تكون تجربة ناجحة يُشَيد عليها ما سيأتي من جهود للقضاء على الإرهاب لولا الحسابات الطائفية لبعض رموز العملية السياسية في العراق، والتي أدت في النهاية إلى تهميش رجال الصحوة، والتنصل من وعود دمجهم في أسلاك الجيش والشرطة.

العشائر وبناء الدولة

كان هناك دور كبير للعشائر في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 1920، كما يقول الدكتور كتاب الجبوري في بحثه المعنون "العشائر العراقية ودورها في التكامل السياسي والحضاري في العراق حتى نهاية العهد الملكي 1958".

خلال تشكيل الحكومة العراقية وبعد أحداث "ثورة العشرين" التي قادتها عشائر الفرات الأوسط "أدركت بريطانيا أن دور العشائر لا يمكن أن يكون هامشياً في مجتمع يشكل فيه العرف العشائري نظاماً عتيداً". 

ولذلك، بحسب الجبوري "دعت السلطات البريطانية الشيوخ الموالين لها، ومنحتهم الأراضي وسجلتها بأسمائهم، وخولتهم فض النزاعات الناشئة، وعينت لهم مأمورين وحمايات لتنفيذ أوامرهم".

هذا السلوك البريطاني كان يهدف إلى "تقوية دورهم أزاء آخرين لم ينخرطوا تحت لوائها، وعارضوا تشكيل حكومة وطنية في ظل الاحتلال"، ولهذه الأسباب لجأت إلى عقد مؤتمر لاختيار حاكم عربي للعراق "نزولاً عند رغبة العراقيين في تحديد نوع الحكم الذي ارتضوه أن يكون ملكياً".

رشح عدد من الشيوخ والوجهاء أنفسهم لحكم العراق، منهم طالب النقيب (نقيب أشراف البصرة وعضو مجلس المبعوثان العثماني سابقاً) الذي صرح بأن العراقيين أولى بحكم بلادهم. ورشح الشيخ خزعل (أمير المحرمة وشيخ قبيلة كعب العربية التي تسكن الحويزة والعمارة).

ذكر الجبوري أنه رغم ترشيح هذه الأسماء، إلا أن غالبية شيوخ العشائر استقر رأيها لصالح الأمير فيصل ابن الشريف حسين أمير مكة ليكون ملكاً على العراق.

أعضاء في عشائر عراقية يحملون الأسلحة - صورة تعبيرية
يرفضها شيوخ العشائر ورجال الدين.. العراضات المسلحة في العراق
أثارت مقاطع فيديو وصفها متابعون على مواقع التواصل الاجتماعي بـ"الصادمة" لمسلحين يطلقون آلاف الأعيرة النارية خلال تشييع الشيخ رفات جياد الشعلاني في محافظة المثنّى، جدلاً كبيراً في العراق، وأعادت فتح النقاش حول "العراضات العشائرية" وما ينتج عنها من ضحايا.

العهد الملكي

ما أن وصلت بريطانيا إلى البصرة حتى عرفت أهمية النظام العشائري في المجتمع فأصدرت قانون "بيان العشائر" وألزمت السكان بتطبيقه عام 1915، ثم وسعت مساحة القانون حين دخلت بغداد بعدها بعامين واستمر حتى  صدور نظام دعاوى العشائر 1924.

وفي أول انتخابات برلمانية شكل رجال العشائر أكثر من 19% من مجموع أعضاء أول برلمان عراقي منتخب 1925. يشير الجبوري إلى أن "انتماء الشيخ إلى مجلس النواب أو حصوله على منصب إداري لدى الحكومة كان يجعل أفراد عشيرته مؤيدين ومساندين للدولة".

بعد دخول العراق "عصبة الأمم" (الأمم المتحدة سابقاً) في 1932 واكتسابه نوعاً من السيادة، وتراجع الدور البريطاني، ازداد نفوذ العشائر والشيوخ، واستغلت بعض الأحزاب ضعف الدولة وأخذت تستقوي بالعشائر وتعتمد عليها بوجه الحكومة والتنظيمات السياسية المعارضة لها.

ولهذه الأسباب اتسمت العلاقة بين الدولة والعشيرة بالتوتر خلال العهد الملكي، إذ كانت بعض النخب التي تتناوب على السلطة عندما تصبح في المعارضة تلجأ لتحريض العشائر ضد الحكومة التي كانت تعاني من الضعف في البداية، كما يقول فلاح الزهيري في بحثه "العشيرة وإستراتيجية بناء الدولة المعاصرة في العراق ما بعد 2003".

ورأى الزهيري أن هناك "علاقة عكسية بين الدولة والعشيرة، أي كلما ضعفت الدولة استقوت العشيرة والعكس صحيح". امتد ذلك حتى سقوط الملكية 1958 وقيام النظام الجمهوري، الذي أصدر قراراً بإلغاء حكم العشائر، فجرد الشيوخ من سلطتهم القانونية، كما أصدر قانون الإصلاح الزراعي الذي ضرب مصالحهم الاقتصادية ليحقق انقلاباً جذرياً في المجتمع العراقي.

"شيوخ التسعينات"

لم تغب العشيرة عن دورها المؤثر إلا في حقبة السبعينيات، عندما حث العراق كدولة خطاه باتجاه استكمال مستلزمات التحول إلى المدنية والعصرنة، بالاعتماد على المنظومة العلمانية لحزب البعث الذي لم يفسح المجال لأي سلطة أخرى في منافسته أو الاقتراب من خطوط نفوذه، كما يقول واثق السعدون في بحث "الأدوار السياسية للعشائر العربية في العراق المعاصر".

تغير الأمر نوعاً ما بدخول العراق إلى الحرب مع إيران (1980-1988)، حيث وظفت السلطة السياسية العشيرة في رص الصفوف الداخلية والإسهام العسكري. وقادت الأوضاع التي نشأت بعد عام 1991 إلى حالة واضحة من الضعف في أركان مؤسسات النظام السابق، ما دفعه إلى الاستعانة بالنظام العشائري بعد إعادة تنظيمه، لفرض السيطرة على المجتمع المنهك، فنمت مظاهر عشائرية جديدة لتملأ فراغ المجتمع المدني المغيّب.

في بحث بعنوان "تاريخ الاستخدام السياسي للهوية المحلية العشائرية في العراق: تخادم الدولة والمشيخة"، يقول كريم حمزة إن العشائر عادت لتكسب قوتها ونفوذها ليس بسبب ضعف الدولة فحسب، بل لأن الدولة شجعتها وظهر ما يسمى "شيوخ التسعينات".

هي تسمية لم تكن معروفة على الساحة الاجتماعية، لكنها استمدت شرعيتها من السلطة الحاكمة آنذاك، التي عمدت إلى تفتيت العشائر الكبيرة وتقسيمها وتنصيب شيوخ وزعماء عشائر جدد موالين لها ومرتبطين بأجهزة السلطة.

وأعادت الظروف إلى المجلس العشائري "قيمته الاعتبارية في حل المشكلات خلال المنازعات. مع ملاحظة أن الدولة حاولت حفظ طابعها الحضري من خلال انتماء الشيوخ إلى حزب السلطة بحيث يكون الولاء الأول للحزب"، بحسب حمزة.

التغيير

ما إن سقط نظام البعث حتى تبدلت مكانة الشيوخ الذين كانوا مقربين منه ويتمتعون بالنفوذ والقوة حيث "تم اعتقالهم من القوات الأمريكية كما تم اغتيال قسم منهم"، كما ذكر السعدون.

وجرت الاستعانة بقيادات العشائر المعروفة مثل اختيار المهندس غازي عجيل الياور (عمه شيخ عشيرة الجربا أول رئيس للعراق بعد 2003)، وتسمية عدنان الجنابي (شيخ عموم عشيرة الجنابيين) وزير دولة في أول حكومة بعد عام 2003.

السبب في ذلك كما يشير السعدون في بحثه، أن "حاجة الزعامات الحزبية إلى قاعدة جماهيرية لم تكن متوفرة لها، وذلك من خلال التخادم مع الأحزاب والتيارات الدينية التي هيمنت على الساحة السياسية في العراق". 

يشرح السعدون حالة التخادم التي تحدث عنها بأنها تمثلت بـ "حاجة الزعامات العشائرية إلى دعم الأحزاب لاستعادة نفوذها التقليدي" ، ومن جهة أخرى كانت الأحزاب بحاجة "توسيع قاعدتها الشعبية".

وهكذا وجد زعماء ووجهاء وقبليون طريقهم إلى مجلس النواب، وحصل بعضهم على مناصب وزارية "إلا أن تسميتهم كثيراً ما جاءت من خلال الأحزاب الدينية التي احتوتهم، وإن كانوا اعتمدوا على أصوات قبائلهم في مناطق انتشارها إلى حد كبير للحصول على مقاعدهم النيابية".

حاجة الحكومة للعشائر لم تتوقف عند الترشيح للانتخابات وحصد الأصوات، فعدم الاستقرار الأمني بعد ظهور تنظيم القاعدة أدى إلى  الاستعانة بالعشائر  لمحاربته من خلال تنظيم "صحوة العراق" و "مجالس الإنقاذ"، ثم تشكيل "مجالس الإسناد العشائرية".

وحتى 2010 وصل عددها إلى 242 مجلساً ضم 6480 من شيوخ ووجهاء العشائر العراقية من الشمال إلى الجنوب، بدعم من رئيس الوزراء وقتها نوري المالكي سياسياً ومالياً، حتى تم إلغاؤها في 2015 من قبل حيدر العبادي بسبب الأزمة المالية التي أعقبت الحرب على داعش، وانخفاض أسعار النفط.

شريكة بصنع القرار

بعد عام 2003، كما يقول الزهيري في بحثه، ظهر على صعيد السلطة التنفيذية ما يسمى بـ"عائلية السلطة"، وذلك عبر سيطرة مجموعة من الموظفين ينتمون لعائلة واحدة على إدارة مؤسسة حكومية أو عدة دوائر مهمة فيها.

فضلاً عن ذلك يمكن ملاحظة دور العامل العشائري على المستوى الإداري إذ يتم التعيين على أساس العلاقات العشائرية وليس على أساس الكفاءة.

أما على المستوى السياسي، فقبل كل انتخابات برلمانية أو محلية تتسابق الأحزاب العراقية في حملة انتخابية مبكرة، يتم خلالها التركيز على شيوخ العشائر العراقية والزعامات القبلية الذين يملكون عدد كبير من الأصوات، بحكم سيطرتهم على توجهات أفراد عشائرهم.

ويضع الزهيري فترة الترشيح للانتخابات الدورة البرلمانية الثالثة (2014 – 2018) تحت المجهر إذ شهدت العديد من مظاهر الاستناد للعشيرة، منها توجه نائبة إلى عشيرتها بعد خلاف سياسي نشب مع الناطق الرسمي في "تيار الحكمة".

كما تعرض رئيس البرلمان لمحاولة إقالة من خلال رفضه بالأغلبية. لكن عشيرته خرجت في مؤتمر صحافي رافضة للإقالة. فضلاً عن احتجاج عشيرة وزير الدفاع السابق حين تعرض لاستجواب في البرلمان.

يرى الزهيري أن هذه المناصب "أصبحت كأنها ملك للعشيرة بالتالي يجب ألا يتم التنازل عنها"، مشيراً إلى وجود "خلل كبير في "نمطية التفكير السياسي لدى  النخب التي تتقوى بعشيرتها دون أجهزة الدولة".

في السياق ذاته، يرى السعدون أن العشائر العراقية قبل 2003 كانت "قريبة من جميع الحكومات المتعاقبة. إلا أنها لم تكن شريكة في صناعة القرار". لكن، بعدها وبسبب حاجة الأحزاب السياسية الجديدة للقواعد الشعبية "أصبحت قريبة من السلطة، ومشاركة بفاعلية في صنع القرار، ومؤثرة في العملية السياسية".

وتوصل من خلال بحثه إلى استنتاج مفاده أن العشائر "ستبقى أعواماً كثيرة مقبلة ركيزة مهمة من ركائز العملية السياسية في العراق، وستبقى عاملاً مهماً يؤثر في تفاعلات تلك العملية".