شرطي عراقي يمسك بحبات مخدرة تمت مصادرتها في البصرة
شرطي عراقي يمسك بحبات مخدرة تمت مصادرتها في البصرة

بقيت علاقة زياد بزوجته هادئة في منزل صغير بمنطقة البياع في العاصمة العراقية، بغداد، طوال 12 عاما، أنتجت طفلتين عمر أكبرهما عشرة أعوام، وباستثناء بعض المشاكل الصغيرة يقول زياد إن زواجه كان سعيدا.

يعمل زياد خبازا، وفي صيف العراق الحار يصبح الوقوف أمام نار الفرن لساعات طويلة تحديا أكبر، خاصة وأنه يغطي ساعات عن شخصين في مخبزه الصغير الذي افتتحه كمشروع كان يأمل أن يساعده بإعالة عائلته، حتى بدا يوما وكأنه وجد حلا لمشكلة الحرارة، حبة صغيرة أعطاها له أحد مساعديه قال له إنها "ستجعله ينسى الصيف".

لكن تبين أن الحبة لم تنسِ زياد الحرارة فحسب، كما يقول لموقع "الحرة" فقد خسر بعد سنوات من الإدمان عليها مخبزه ومنزله الذي توقف عن دفع إيجاره، وفي إحدى المرات، كاد أن يُفقِد زوجتها عينها.

"كانت المرة الأولى بحياتي التي أمارس فيها العنف مع عائلتي، والصدمة في أعين بناتي وزوجتي حينما فقدت أعصابي لهذه الدرجة كانت أكبر من احتمالي"، يقول زياد.

غير أن الزوجة لم تتركه، بل حصلت له على مساعدة من مجموعة تقوم بتوجيه المدمنين في العراق للمستشفيات والأطباء، وبعد أشهر من العلاج النفسي والدوائي، استطاع زياد أن يعمل مجددا، واكتسب وزنه الذي فقده خلال سنوات الإدمان، كما أن علاقته بزوجته استقرت.

"لكن الإدمان لا يزال واقفا خلف الباب"، يقول زياد: "أشعر به كشبح مستعد للعودة في كل مرة والتهامي، لكنني أحتمي بعائلتي منه وأستمد قوتي منهم".

مضبوطات من مواد مخدرة تمت مصادرتها في البصرة

وتقول المعالجة النفسية ورئيسة مؤسسة "نقاهة"، التي تقدم العون للمدمنين في البلاد، إيناس كريم، إن من بين 1400 شخص قامت بتقديم المساعدة لهم، عاد نحو 200 إلى الإدمان.

وتعتبر الأرقام التي ذكرتها كريم ممتازة بالمعايير الطبية، فوفقا للمعهد الوطني لتعاطي المخدرات الأميركي، "معدلات الانتكاس للإدمان تشبه معدلات الأمراض المزمنة الأخرى مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والربو".

وبالأرقام، تشير الإحصائيات إلى أن ما بين 40 إلى 60 في المئة من الأشخاص الذين يعانون من الإدمان سيعانون من انتكاسة ويعودون للتعاطي.

وتتباين المخدرات المختلفة بقدرتها على "استعادة" المدمنين، حيث تشكل المواد الأفيونية المواد الأخطر بسبب نسب الانتكاس الكبيرة للمتعافين، والتي تصل إلى 90 في المئة، بحسب منظمة هيزيل دين بيتي فورد.

وتقول كريم لموقع "الحرة" إن "الكريستال هو أكثر مادة مخدرة خطرا الآن في البلاد، بسبب انتشارها الكبير ورخص سعرها النسبي".

والكريستال هو الاسم الشعبي لمخدر "ميثامفيتامين"، وهو مخدر منشط (مؤثر عقلي)، يؤدي استخدامه إلى ارتفاع سريع في مستويات الدوبامين والسيروتونين والنورادرينالين في الجسم، ونتيجة لذلك ينتج عنه شعور بالكثير من الطاقة وفرط اليقظة والنشوة وزيادة الرغبة الجنسية والثقة بالنفس، وفقا لوزارة الصحة الإسرائيلية.

ووفقا لكريم، فإن هناك نوعين من الكرستال، واحد يصنع محليا، والآخر يتم استيراده من دول جوار العراق.

وتشير رئيسة مؤسسة "نقاهة" إلى أن المخدرات الأخرى مثل "حبوب صفر –1" وهو الاسم المحلي للكبتاغون في العراق، وحبوب العلاجات النفسية التي يساء استخدامها، والحشيش، والهيروين حتى، تتواجد بشكل كبير في الدولة، لكن نسبها "تختلف عن الكرستال الذي يكتسح السوق".

وتمتلك المنظمة التي ترأسها كريم نحو 50 متطوعا في أربع محافظات عراقية، لكنها تقول إن احصائيات عراقية رسمية من وزارة الداخلية تشير إلى أن أغلب عمليات اعتقال تجار ومتعاطي المخدرات تجري في محافظات البصرة الجنوبية، وميسان، وبغداد.

لكن المخدرات "موجودة في كل مكان تقريبا"، وفقا لكريم.

ويقول زياد إن الغرام الواحد من الكرستال يكلف نحو 10 دنانير (0.0068 دولار) إلى (100 ألف دينار (68 دولار)، اعتمادا على مدى "جودته"، فيما تقول كريم إن "الكرستال الأنقى هو الأخطر حيث يسبب الإدمان بسرعة كبيرة".

وتقول كريم إن سعر الشريط من حبات الكبتاغون يصل إلى نحو عشر دولارات تقريبا، فيما يصل سعر 3 جرعات من الهيروين تقريبا إلى 300 دولار أو أكثر "مما يجعله مخدر الأغنياء".

المعبر

خلال الشهر الماضي وحده أعلنت شرطة مكافحة الأنبار ضبط 2.1 مليون حبة كبتاغون، مليونان منها بعملية واحدة في منطقة الرمادي.

#قيادة شرطة محافظة الانبار بجهود جباره وعمل متواصل ليلاً ونهاراً من قبل أبطال مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية بمتابعة ومطاردة تجار الحبوب والسموم المخدره وبناءاً على التعلميات والتوجيهات الصادره من قبل السيد قائد شرطة محافظة الانبار الفريق الحقوقي هادي رزيج كسار بمتابعة تجار ومتعاطي ومروجي الحبوب والمواد المخدره في قواطع المسؤولية وبعد ورود معلومات تفيد بوجود شخص في قضاء الرمادي بحوزتهِ مواد مخدره تم استحصال الموافقات القضائيه الرسميه وتم تشكيل مفرزه من مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية بأمرة المقدم سعد غانم وبأشراف مباشر من قبل السيد قائد شرطة محافظة الانبار الفريق الحقوقي هادي رزيج كسار والتوجه الى المكان المقصود حيث تم القاء القبض على المتهم (م.ي.م.ن) في قضاء الرمادي شارع ٦٠ وضبط بحوزته (١٠) كيلو غرام من مادة الكريستال المخدره وحبوب مخدره بعدد (٤٠.٠٠٠) اربعون الف حبه نوع كبتاجون تم تنظيم محظر ضبط أصولي بالمضبوطات اعلاه وتم ايداع المتهم التوقيف وفق المادة ٢٨ من قانون المخدرات حسب قرار السيد قاضي التحقيق واتخاذ الاجراءات القانونية بحقه . #تعاهد قيادة شرطة محافظة الانبار بكافة ضباطها ومنتسبيها وعلى رأسهم السيد قائد شرطة محافظة الانبار الفريق الحقوقي هادي رزيج كسار أبناء محافظتنا العزيزه بأنهم العيون الساهره واليد الضاربه لكل من تسول له نفسه المساس بالأمن او الاخلال فيه وهاهم ابطال مديرية شؤون المخدرات والمؤثرات العقلية ضباطاً ومنتسبين يواصلون العمل ليلاً ونهاراً في سبيل القضاء على هذا المرض الخطير ومحاسبة كل من يقوم بالاتجار او الترويج او التعاطي لهذه الأفه الخطيره التي باتت تشكل خطراً كبيراً على حياة شبابنا وعوائلنا الكريمه . ومن الله العون والتوفيق. #المكتب الاعلامي لقيادة شرطة محافظة الانبار.

Posted by ‎قيادة شرطة محافظة الانبار‎ on Thursday, August 18, 2022

كما ضبطت الشرطة عشرة كلغ من الكرستال و40 آلاف حبة كبتاغون في عملية كبيرة أخرى.

وتصل القيمة التقديرية لهذه المضبوطات إلى أكثر من 4 مليارات دينار عراقي، أو نحو 3 مليون دولار أميركي، في شهر واحد.

عملية أمنية في 16 أغسطس الماضي في الأنبار.. الصورة من قيادة شرطة الانبار على فيسبوك

ويعتقد على نطاق واسع أن الكمية الأكبر من هذه المخدرات تنتقل إلى باقي أنحاء العراق من سوريا، عبر معابر وطرق تهريب خارجة عن سيطرة الحكومة العراقية في مناطق القائم وعكاشات، وفقا لمحمد الدليمي، وهو مخلص جمركي ومستورد من مدينة القائم الحدودية العراقية.

ويقول الدليمي لموقع "الحرة" إن "طرق التهريب تكاد تكون معروفة، وأغلب الباعة الكبار يدخلون مخدراتهم بالتنسيق مع أشخاص في القوات الأمنية".

ويضيف أن أحد طرق التهريب تلك معبر حدودي غير رسمي، لكنه "معروف للجميع" في منطقة القائم.

من جهته، نفى قائمقام القائم، عبد السلام رجاء، تورط رجال الأمن في عمليات التهريب، لكنه قال إن "القائم أصبحت معبرا للمخدرات إلى باقي أنحاء العراق".

لكن رجاء قال لموقع "الحرة" إن "عمليات التهريب انخفضت بنسبة 60 في المئة خلال الأشهر الماضية بعد تكثيف الشرطة الاقتصادية وشرطة مكافحة المخدرات لعملياتها وكمائنها"، مشيدا بعمل تلك القوات.

وتقع القائم على الحدود مع سوريا، المعروفة على نطاق واسع بأنها تحولت إلى "إمبراطورية" للكبتاغون، بحسب تعبير "نيويورك تايمز".

وضبطت السلطات في لبنان والسعودية وإيطاليا وغيرها من الدول شحنات هائلة من المخدر يعتقد أنها مصنوعة في سوريا، بعلم النظام السوري أو بتغاضيه، وفقا للصحيفة الأميركية التي قالت إن الصناعة "تجري بمشاركة مقربين من بشار الأسد"، رئيس النظام.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي
العراقية نزيهة الدليمي أول امرأة تتولى حقيبة وزارية في العالم العربي- تعبيرية

وردت أسماء الكثير من النساء المسلمات في كتب التراجم والطبقات باعتبارهن من العالمات اللائي قمن بإثراء العلوم الإسلامية على مر القرون. 

كما عُرفت العديد من النساء بالمشاركة في شؤون الحكم والسياسة، واشتهرت أخريات بأشعارهن. نلقي الضوء في هذا المقال على أبرز الشخصيات النسائية العراقية اللاتي أسهمن في ازدهار الحضارة الإسلامية.

 

الخيزران

هي جارية يمنية الأصل اشتراها الخليفة العباسي الثالث محمد بن عبد الله المهدي، وأحبها بشدة فأعتقها ثم تزوجها وصارت السيدة الأولى في البلاط. 

حظيت الخيزران بمكانة مُعتبرة في هرم السلطة العباسية واعتادت أن تدير بعضاً من شؤون الدولة، وأن تتصل بالقادة والوزراء. لمّا توفي زوجها وآل الحكم لابنها موسى الهادي، حاولت أن تنتهج النهج ذاته. في ذلك يقول ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك": "أرادت الخيزران أن تسلك به -يقصد موسى الهادي- مسلك أبيه من قبله في الاستبداد بالأمر والنهي…".

رفض الهادي مشاركة أمه في أعمال الخلافة والحكم، فاضطرت الخيزران أن تدبر مؤامرة للتخلص منه. يقول الطبري "دست إليه من جواريها لمّا مرض من قتله بالغم والجلوس على وجهه". لتقف بعدها بجوار ابنها الثاني هارون الرشيد، وعملت على مشاركته الحكم، لكنها سرعان ما توفيت عام 789، بعد عامين من وفاة الهادي.

زبيدة بنت جعفر

عُرفت زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور باعتبارها واحدة من أشهر النساء اللائي تربعن على هرم السلطة في الدولة العباسية. كان اسمها الحقيقي "أمة العزيز"، ولُقبها جدها المنصور بـ"زبيدة" لشدة بياضها.

تزوجت زبيدة من ابن عمها هارون الرشيد، وأتاح لها ذلك فرصة المشاركة في شؤون الحكم وإدارة الدولة. 

تُنسب لها العديد من المشاريع الخيرية الضخمة داخل بغداد وخارجها، كبنائها مسجداً كبيراً على نهر دجلة قرب قصر الخلافة، وتعميرها طريق الحج من الكوفة إلى مكة، وذلك عندما قامت بأداء "فريضة" الحج عام 187 هجرية، وهو الطريق الذي يعرف حتى الآن باسم "درب زبيدة".

إنجازات زبيدة وصلت أرض الحجاز، فعندما زارت مكة، لمست المعاناة الشديدة التي يمر بها الحجيج أثناء بحثهم عن الماء، فأمرت بحفر قنوات مائية كبيرة لسقي المياه. في هذا السياق، اشتهرت مقولتها لكبير العمال لمّا خوفها من ارتفاع تكاليف الحفر "اعمل ولو كلفتك ضربة الفأس دينار". يقال إنها أنفقت ما يزيد عن 1.700.000 دينار ذهبي في هذا المشروع.

كل تلك المشاريع، حدت بالباحث المعاصر لويس شيخو لأن يعتبرها المسؤولة الأولى عن النهضة التي عرفتها بغداد في عهد الرشيد. يقول شيخو في كتابه تاريخ الآداب العربية في القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين: "...ولئن كنت رأيت له -أي هارون الرشيد- في تدبير المملكة ذلك التصرف الجميل فإني ما وجدته له في تدبير أهل بيته ومواليه وإنما يرجع الرأي في ذلك زوجه أم جعفر وهي أنفذ نساء العباسيين كلمة في الدولة...".

بشكل عام، بقيت ذكرى زبيدة حاضرة في العراق عبر القرون، ويعتقد الكثير من العراقيين خطأ أن زبيدة صاحبة المرقد المعروف باسم زمرد خاتون في وسط بغداد، ولكن في الواقع صاحبة هذا المرقد هي السيدة زمرد خاتون، أم الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي حكم بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي.

رابعة العدوية

تُعدّ رابعة العدوية أشهر النساء المتصوفات على مدار التاريخ الإسلامي. عاشت رابعة في البصرة في القرن الثاني الهجري، ويُقال إنها سًميت برابعة لأنها كانت البنت الرابعة لأبيها. وتوفيت عام 180 هـ تقريباً.

تتحدث المصادر التاريخية عن المكانة المهمة التي حظيت بها رابعة العدوية بين أقرانها من العلماء والفقهاء، على سبيل المثال يذكر ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" أن الفقيه الكبير سفيان الثوري كان يقصدها لطلب العلم والدين، كما  وصفها بـ "المؤدبة التي لا يستريح إذا فارقها".

كذلك، وصفها ابن خلكان في وفيات الأعيان بأنها "من أعيان عصرها، وأخبارها في الصلاح والعبادة مشهورة...".

اشتهرت رابعة العدوية بحبها لذات الله، حتى عُرفت بـ "شهيدة العشق الإلهي" وتُحكى عنها الكثير من الروايات المثبتة لهذا الحب، من ذلك أن بعض الأشخاص شاهدوها يوماً ما وهي تتمايل، فلما سألوها عن السبب قالت لهم "سكرت من حب ربي الليلة، فأصبحت وأنا منه مخمورة".

كذلك عُرف عنها الزهد في ملذات الدنيا والتفرغ بشكل كامل للعبادة. يُقال إن واحداً من أغنياء البصرة أرسل لها ليعرض عليها الزواج، وأغراها بمهر عظيم فأجابت عليه برسالة جاء فيها "أما بعد، فإن الزهد في الدنيا راحة القلب والبدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فإذا أتاك كتابي فهيء زادك وقدم لمعادك، وكن وصي نفسك ولا تجعل وصيتك إلى غيرك، وصم دهرك واجعل الموت فطرك، فما يسرني أن الله خولني أضعاف ما خولك فيشغلني بك عنه طرفة عين، والسلام".

من جهة أخرى، تُنسب لرباعة العدوية العديد من القصائد التي اعتاد الصوفيون  ترديدها جيلاً بعد آخر، من ذلك:

"عرفت الهوى مذ عرفت هواك... وأغلقت قلبي عمن عاداك

وقمت أناجيك يا من ترى... خفايا القلوب ولسنا نراك

أحبك حبين حب الهوى... وحباً لأنك أهل لذاك

فأما الذي هو حب الهوى... فشغلي بذكرك عمن سواك

وأما الذي أنت أهل له... فكشفك لي الحجب حتى أراك"

ولدت زينب فواز في بلدة تبنين في جبل عامل بلبنان عام 1844. (مصدر الصورة: مجلة "المصور"، عدد خاص، سنة 1950).
من زينب فواز إلى منى الطحاوي.. أبرز الناشطات النسويات في العالم العربي
عرفت المنطقة العربية الحراك النسوي منذ فترة مبكرة. وظهرت العديد من الأفكار التقدمية الداعية لتحرير المرأة وإشراكها بشكل فعال في مختلف الأنشطة المجتمعية. نلقي الضوء في هذا المقال على مجموعة من أشهر الناشطات النسويات في العالم العربي المعاصر، لنرى كيف تمكن الحراك النسوي من التأثير على الأوضاع السياسية والاجتماعية.

شهدة الكاتبة

ولدت أم محمد شهدة بنت أحمد الإبري في سنة 484 هـ في بغداد لأسرة تجارية منحدرة من مدينة دينور. في شبابها، درست على يد أكبر المحدثين في بغداد، فيما بعد اضطلعت بمهمة رواية الحديث، واشتهرت بذلك حتى أُطلق عليها لقبا "مسندة العراق" و"فخر النساء".

ألفت شهدة كتاب بعنوان "العمدة من الفوائد والآثار الصحاح والغرائب"، كما روت بعض الكتب منها كتاب "العلم" ليوسف بن يعقوب القاضي، وكتاب "الأموال" لأبي عبيد، وكتاب "قرى الضيف" لابن أبي الدنيا، وكتاب "ذم المسكر" لابن أبي الدنيا. 

وحدث عنها مجموعة من كبار العلماء العراقيين كابن عساكر، والسمعاني، وابن الجوزي. وكتب عنها شمس الدين الذهبي في كتابه "سير أعلام النبلاء": "خالطت الدور والعلماء، ولها بر وخير...".

من جهة أخرى، كانت شهدة من بين العلماء المقربين للخليفة العباسي المقتفي لأمر الله. وبحسب ما تذكر الباحثة نجلاء كريم مهدي في دراستها "شهدة الكاتبة: قراءة في سيرتها وجهودها في العلوم الدينية" فإن الخليفة العباسي خصص لها أرضاً أقامت عليها مؤسسة تعليمية على ضفاف نهر دجلة، واستقبلت بها المئات من طلبة العلم، كما أوقفت عليها أموالاً كثيرة، لتصبح إحدى المؤسسات التعليمية المبكرة في العراق.

"أول طبيبة"، "أول محامية"، "أول وزيرة".. رائدات العراق في 100 عام الأخيرة
لم تتوان المرأة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 عن خوض كافة أنواع النضال لنيل حقوقها والحصول على المساواة مع الرجال والمساهمة بفاعلية في كافة مجالات الحياة وخدمة المجتمع، متحدية كافة العوائق السياسية والمجتمعية التي تقف في طريقها.

بولينا حسون

ولدت الصحافية بولينا حسون في مدينة الموصل العراقية عام 1895، وتنقلت في السنوات الأولى من حياتها بين مصر وفلسطين والأردن، ثم عادت للعراق عام 1922، بعد أن تأثرت كثيراً بالنهضة النسوية التي عايشتها أثناء فترة إقامتها في القاهرة على وجه الخصوص.

عام 1923، أصدرت حسون العدد الأول من مجلة "ليلى" وهي أول مجلة نسائية تصدر في العراق. ركزت المجلة على نشر موضوعات متنوعة حول تعليم المرأة وتحريرها ومشاركتها في ميادين العمل السياسي فضلاً عن بعض الجوانب الخاصة بتربية الأبناء والاقتصاد المنزلي والفنون والآداب. 

تضمن العدد الأول من مجلة "ليلى" نداء موجه إلى أعضاء أول مجلس تأسيسي عراقي. 

وفي 1923، خطت حسون خطوة أخرى مهمة في نشاطها النسوي عندما أسست أول نادي نسوي في العراق أسمته "نادي النهضة النسائية". لعب النادي جهوداً كبيرة في سبيل الحصول على الحقوق السياسية للمرأة العراقية بعد سنوات.

نازك الملائكة

وُلدت نازك الملائكة في 23 أغسطس 1923، في محلة العاقولية في بغداد. واسم عائلتها هو آل الجبلي، غير أن الأسرة عُرفت باسم الملائكة من قِبل الجيران والأصدقاء بسبب صفاتهم الأخلاقية الميالة للهدوء والسكينة.

تميزت أسرة نازك الملائكة بوجود العديد من الشعراء، الأمر الذي شجع نازك منذ نعومة أظافرها على قرض الشعر وإنشاده. 

في المرحلة الجامعية، درست نازك اللغة العربية وتخرجت من دار المعلمين العالية في سنة 1944، ثم التحقت بمعهد الفنون الجميلة، وتخرجت منه عام 1949. 

سافرت بعدها للولايات المتحدة الأميركية لمتابعة الدراسات العليا، وبعد عشر سنوات حصلت على شهادة الماجستير في تخصص الأدب المقارن. وبعد عودتها إلى العراق عملت نازك الملائكة كأستاذة محاضرة في جامعات بغداد والبصرة والكويت. 

في 1990، سافرت نازك الملائكة إلى مصر بالتزامن مع اندلاع حرب الخليج الأولى، واستقرت في القاهرة حتى توفيت عام 2007 عن عمر 83 عاماً، ودُفنت في مقبرة خاصة بالعائلة غربي القاهرة.

يرى الكثير من النقاد أن نازك الملائكة كانت من القلائل الذين تمكنوا من خلق حالة تجديدية حقيقية في ميدان الشعر العربي، فكانت أول من كتب الشعر الحر غير المقيد بالقافية في قصيدتها المسماة الكوليرا. 

فضلاً عن ذلك نشرت نازك العديد من الدواوين الشعرية المتميزة: "عاشقة الليل" في 1947م، و"شظايا ورماد" 1949، و"شجرة القمر" 1968، و"مأساة الحياة وأغنية الإنسان" 1977، و"الصلاة والثورة" 1978، كما أصدرت في 1962 كتابها "قضايا الشعر الحديث". 

تحدث بعض النقاد عن أثر نازك الملائكة على الوسط الشعري العراقي والعربي فقال: "نازك الملائكة لم تعد رمزاً من رموز الأدب والشعرية العراقية فحسب، بل أصبحت رائدة للشعر العربي بما طرحته مع السياب من قصيدة التفعيلة أو الشعر الحر، بل هي المرأة التي شقّت طريقها وسط الصعاب والمجتمع، لتكون الشاعرة المؤثّرة في الوسطين الأدبي والنسوي".

نزيهة الدليمي

ولدت نزيهة الدليمي عام 1923 في محلة البارودية ببغداد. بدأت دراستها الابتدائية والمتوسطة في مدرسة "تطبيقات دار المعلمات النموذجية". وفي 1939 أكملت دراستها الثانوية في المدرسة المركزية للبنات.

 في 1941، التحقت الدليمي بكلية الطب، وبعد تخرجها عملت في بعض المشافي الحكومية، مثل "المستشفى الملكي" ببغداد، ومستشفى "الكرخ"، وتنقلت بين بعض المدن العراقية. قبل أن يتم اختيارها ضمن إحدى البعثات العلمية التي درست مرض السل الذي تفشى بين السكان المقيمين قرب المياه.

بدأ النشاط النسوي لنزيهة الدليمي في أربعينيات القرن العشرين عندما التحقت بـ"الجمعية النسوية لمكافحة الفاشية والنازية".

بعد هزيمة دول المحور في الحرب، تغير اسم الجمعية إلى "رابطة نساء العراق"، وصارت الدليمي واحدة من قياداتها، وأشرفت على إصدار مجلة "تحرير المرأة". 

بعد فترة، قامت الحكومة العراقية بتفكيك الجمعية ومنعت نشر المجلة.

لم تيأس الدليمي، وحاولت أن تعيد النشاط النسوي إلى الواجهة مرة أخرى؛ فجمعت عشرات العراقيات اللائي تخرجن من الكليات وقدمت إلى الحكومة مقترحاً بتأسيس جمعية "تحرير المرأة"، لكنه قوبل بالرفض.

 يذكر الباحث موفق خلف غانم في كتابه "الدكتورة نزيهة الدليمي ودورها في تاريخ الحركة الوطنية والسياسية العراقية" أن الدليمي تابعت أنشطتها الحقوقية مع مطلع الخمسينيات. ففي 1950 شاركت في حركة "أنصار السلم العالمية" وكانت عضوة في اللجنة التحضرية التي كانت يرأسها محمد مهدي الجواهري. وبعد سنتين فقط، أُتيحت الفرصة للدليمي مواصلة النشاط النسوي عقب تأسيس "رابطة الدفاع عن حقوق المرأة العراقية"، لتُنتخَب كأول رئيسة لها.

في 1959، كُللت مجهودات الدليمي في مجالي الطب والعمل النسوي عندما تم اختيارها لتشغل منصب وزيرة البلديات في حكومة عبد الكريم قاسم. بموجبه، أضحت الدليمي أول امرأة تتسلم منصب وزير في تاريخ العراق والعالم العربي. 

ومن خلال منصبها الرفيع، تمكنت الدليمي من دعم الحركة النسوية في العراق، وذلك حين أسست "رابطة المرأة العراقية"، التي شاركت في صياغة قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959.

اهتم هذا القانون بحقوق المرأة العراقية ووُصف بأنه "أول قانون تقدمي ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية كلها. وخطوة جريئة على طريق تطوير وضع المرأة"، كما يقول موفق خلف غانم في كتابه.